"توجهات لتقسيمه"... هل يتحوّل الحشد الشعبي في العراق إلى أربعة حشود؟

الاثنين 14 ديسمبر 202011:53 ص

في الـ13 من حزيران/ يونيو 2014، أصدر المرجع الديني الأعلى في العراق علي السيستاني فتوى "الجهاد الكفائي" لمواجهة تنظيم داعش الذي سيطر على مدينة الموصل وأجزاء من صلاح الدين، بعد انهيار القوات الحكومية التي كانت هنالك.

تهافت متطوعون على الانضمام إلى العمل المسلّح، بناءً على هذه الفتوى، وتشكل الحشد الشعبي من فصائل مسلحة موجودة منذ وقت سابق، أبرزها: سرايا السلام التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ومنظمة بدر بقيادة هادي العامري، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وكتائب حزب الله، وحركة النجباء بقيادة أكرم الكعبي.

وبعد أشهر على بدء نواة الكيان الوليد بهذه الفصائل والمتطوعين، تأسست فصائل جديدة، منها سُنّية ومسيحية وإيزيدية وشبكية وتركمانية. وعام 2016، شُرّع قانون للحشد في مجلس النواب العراقي يربطه مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة من خلال رئيس الهيئة، المنصب الذي يشغله فالح الفياض منذ تأسيسه.

قبل أيام، أعلنت أربعة فصائل تُطلق على نفسها اسم "حشد المرجعية"، في إشارة إلى مرجعية علي السيستاني، وهي فصائل تابعة للعتبات (المراقد الدينية) في العراق، وهي: فرقتا "العباس" و"الإمام علي" القتاليتين، ولواءا "علي الأكبر" و"أنصار المرجعية"، انسحابها من الحشد الشعبي والارتباط مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة.

يقول قائد كبير في إحدى هذه الفصائل لرصيف22: "انسحابنا لم يكن وليد اللحظة، ولم تأتِ الفكرة قبل أيام، بل منذ وقت طويل، وأردنا من خلال هذا الانسحاب أن نحمي فتوى السيستاني من الاستغلال السياسي".

ويضيف: "للأسف، بعض الفصائل ذهبت باتجاه بعيد عن الفتوى، وعملت على تسييس الحشد، وتدخلت بما لا يجب أن تتدخل فيه، وعندما لم ننجح بعملية الإصلاح قررنا الانسحاب والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة بشكل مباشر".

حراك"حشد المرجعية"

قبل أسابيع، بدأت فصائل "حشد المرجعية" بزيارة وزارة الدفاع وجهاز مكافحة الإرهاب، والتقت برئيس الجهاز عبد الوهاب الساعدي، موجّهةً رسالة لـ"الحشد الولائي"، وهو تعبير يدلّ على الفصائل المرتبطة بإيران، ويتهم بعض وجوهه الساعدي بـ"الولاء لأميركا".

هذه الزيارات لم تكن الخطوة الأولى. بدأت القِصة فعلياً في نيسان/ أبريل الماضي، عندما قرر رئيس الحكومة العراقية السابق عادل عبد المهدي فكّ ارتباط ألوية العتبات بالحشد وربطها بالقائد العام للقوات المسلحة، إدارياً وعملياتياً.

وذكرت وثيقة صدرت حينذاك عن عبد المهدي وكانت موجهة إلى رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض: "قررنا ربط (اللواء الثاني واللواء الـ11 واللواء الـ26 واللواء الـ44)، إدارياً وعملياتياً بالقائد العام للقوات المسلحة وستنضم بقية الفصائل بأمر لاحق".

ووفقاً لدراسة نشرها الباحث في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي قبل مقتله بأيام، فإن "صراعاً يكبر حجمه يوماً بعد يوم، بين (فرقة العباس القتالية) العائدة للعتبة العباسية في كربلاء، والتي تتخذ من المرجع علي السيستاني مرجعاً عقائدياً، وبين الهيئة الرئيسية وتحديداً مع القيادة الولائية في الحشد".

تبرز في مؤسسة الحشد الشعبي أربعة اتجاهات: حشد يتبع الدولة، وحشد يتبع مرجعية السيستاني، وحشد يتبع مقتدى الصدر، وحشد يُسمى بـ"الولائي" ويتبع عقائدياً لعلي خامنئي، وهنالك أيضاً اتجاهات سُنّية ومسيحية وغيرها، لكن أغلبها متماهية مع واحدة من الاتجاهات الأربعة الكبيرة

وذكرت الدراسة التي تحمل عنوان "الخلاف الداخلي في هيئة الحشد الشعبي" ونشرها "مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية"، أن "دائرة الخلاف بين الطرفين اتّسعت في شباط/ فبراير 2018، لدرجة إصدار أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد آنذاك سلسلة من القرارات الصارمة للتضييق المالي والإداري على الفصائل المسلحة المرتبطة بالعتبات".

يقول فلاح المشعل، وهو رئيس التحرير الأسبق لصحيفة الصباح الرسمية، إن "واقع الحال الآن أن هنالك أربعة حشود، وتوجَد توجهات لتقسيم الحشد، وهذه خطوات غير صحّية، وبالتالي ستنتج أكثر من مؤسسة، وهي عملية مخالفة للدستور العراقي، ولا يوجد تشريع بهذه التشكيلات".

ويضيف: "الحشد أساساً مقسّم، والفاعل الأساسي هو الحشد الولائي. الدولة ما زالت ضعيفة، وغير قادرة على التدخل لحل الخلافات بين فصائله. الحكومة قوة صغيرة أمام قوة الحشد الكبيرة".

وفقاً لدراسة الهاشمي الذي اغتيل في السادس من تموز/ يوليو 2020، في بغداد، فإن "شرارة المشاكل بين فصائل العتبات والمهندس بدأت عقب موافقة (رئيس الوزراء الأسبق) حيدر العبادي على ضم فوج كامل من فرقة العباس القتالية إلى الجيش وربطه تنظيمياً بوزارة الدفاع بشكل رسمي".

أربعة اتجاهات

تبرز في مؤسسة الحشد الشعبي أربعة اتجاهات: حشد يتبع الدولة، وحشد يتبع مرجعية السيستاني، وحشد يتبع مقتدى الصدر، وحشد يُسمى بـ"الولائي" ومكوَّن من فصائل تتبع عقائدياً لقائد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي.

هذه هي أبرز الاتجاهات التي تتحرك داخل مؤسسة الحشد الشعبي، وهنالك أيضاً اتجاهات سُنّية وإيزيدية ومسيحية وتركمانية وشبكية، لكن أغلبها متماهية مع واحدة من الاتجاهات الأربعة الكبيرة، وقد لا يكون رأيها مسموعاً دائماً، تحديداً في القضايا الكبيرة.

من الأمور التي يعترض عليها "حشد المرجعية" أو "حشد العتبات" أن أغلب المناصب القيادية في الحشد الشعبي مُنحت لأشخاص يتبعون عقائدياً لولاية الفقيه

يقول رئيس أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد رحمن الجبوري إن "الهدف من إنشاء الحشد هو دحر وهزيمة داعش، ومقاتلو الحشد لم يكن لديهم هدف غير هزيمة داعش، واليوم في وقت المنافع الاجتماعية، بدأ الشحن العقائدي للمجاميع المسلحة، لذلك نرى انقاسماً في عملية توجيه الحشد والرؤية القادمة له".

ويضيف لرصيف22: "نرى ذلك بين حشد المرجعية وحشد الصدر والحشد الولائي وحشد الدولة، وهنالك اختلافات في الرؤى حول الحشد وقيادته، وهنالك مدارس تريد للحشد أن يكون رديفاً للجيش، وهنالك مَن يريده أن يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، وهنالك مَن يُريده قوة سياسية".

ويتكون الحشد الشعبي الذي يضم 164 ألف مقاتل، من 67 فصيلاً شيعياً، و43 فصيلاً سُنّياً، وتسعة فصائل تابعة للأقليات في مناطق شمال العراق، وفقاً لدراسة الهاشمي المذكورة. وهنالك 44 فصيلاً من الـ67 الشيعية تتبع عقائدياً ولاية الفقيه في إيران، و17 تتبع مرجعية السيستاني، وستة تتبع مرجعيات دينية أخرى.

يتحدث الأمين العام لحركة "عصائب أهل الحق"، وهي إحدى أبرز قوات الحشد، قيس الخزعلي، عن وجود "مشروع أمريكي-إسرائيلي لتفكيك الحشد، وخطوات تسمية الحشد ولائي ومرجعي هي جزء من هذا المشروع".

ويقول في مقابلة صحافية: "مرجعية السيستاني رفضت خروج العتبات عن الحشد الشعبي. تفعيل تسمية الحشد الولائي والحشد المرجعي، هي إرادة أميركية-إسرائيلية، وهذا مشروع سابق قبل استشهاد نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس".

واغتيل أبو مهدي المهندس، واسمه جمال جعفر الإبراهيمي، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2020، بالضربة الأريركية التي قتلت قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سُليماني في بغداد. وكان المهندس القائد الفعلي للحشد الشعبي و"ضابط حركة" الفصائل الشيعية.

من الأمور التي يعترض عليها "حشد المرجعية" أو "حشد العتبات" أن أغلب المناصب القيادية في الحشد مُنحت لأشخاص يتبعون عقائدياً لولاية الفقيه، خاصة عندما وصل القيادي في "كتائب حزب الله" عبد العزيز المحمداوي (أبو فدك) في شباط/ يناير 2020 إلى منصب رئاسة هيئة الأركان في الحشد، خلفاً لأبي مهدي المهندس، وهو ما أثار حفيظة القوات المقرّبة من السيستاني.

كان مطلب فصائل "حشد المرجعية" ألا يكون هذا المنصب لشخصية تتبع ولاية الفقيه، وعندما رُشّح "أبو فدك" أبدت اعتراضات على ذلك، وقالت في بيان صحافي: "ليس لنا علم بأي تنصيب لمنصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الآن. اختيار بديل للمهندس يحتاج لسياقات قانونية، غير متوفرة الآن في ظل حكومتين، إحداهما تصريف أعمال، والأخرى لم يكتمل تكليفها".

لم يتدخل القائد العام للقوات المسلحة العراقية مصطفى الكاظمي، صاحب الأمر على القوات العراقية، في هذا السجال، ولم يسع إلى حلّ الخلافات القائمة، وهو ما يُقرّب احتمالية الاتهامات الموجهة إليه بمحاولات "تفكيك الحشد".

نستطيع القول إن السيستاني رفع الغطاء عن الفصائل الولائية بانسحاب الحشد الذي يحمله اسمه، وهو ما قد يُعطي شرعية دولية لاستهدافها أو إدخالها في تصنيفات دولية خاصة بحظر الجماعات المسلحة.

ينظر الحشد السُنّي إلى هذه الخلافات وقد يُفكر بالتوجه نحو الانسحاب وتشكيل حشد خاص به، وإنْ كان ذلك صعب التنفيذ، إلا أنه قد يُفكر في ذلك على الأقل، والصدر أيضاً شُبه منعزل بسرايا السلام التي تتبعه، وهو ما يضع احتمالية أن يكون الحشد أربعة حشود أو أكثر خلال المستقبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard