حكومة بنكهة بوتفليقة... هل ضاع حقاً جهد الجزائريين في تحقيق التغيير؟

الخميس 15 يوليو 202106:04 م

"هل خرجنا بالملايين في 22 فبراير/ شباط 2019، من أجل أن نعيد إلى الواجهة وزير خارجية الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، والذي شكا حراكنا إلى الألمان والروس؟". بهذا التساؤل بدأ المواطن الجزائري عبد الجبار عطاف (36 عاماً)، ويشتغل في شركة خاصة بصيانة الطرقات، حديثه مع رصيف22 بعد التغيير الحكومي الأخير في الجزائر، والذي أعاد بعض الأسماء المحسوبة على النظام السابق إلى الحكومة.

تغيير كما يراه عبد الجبار، أبو سامر وسيرين، "مفعم برائحة الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، بعد أمواج الحراك الشعبي الذي عاشته ولايات الوطن كلها، وما زالت تعيشه بعضها، آملةً في مستقبل مشرق للجزائر".

والمشكلة كما قال عبد الجبار "ليست في وزير الخارجية رمطان لعمامرة، فحسب، وإنما هناك أسماء كانت متداولة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، كوزير التربية عبد الحكيم بلعابد الذي كان مستشاراً لوزيرة القطاع حينها نورية بن غبريط".

تغيير حكومي لم يرضِ فئة كبيرة من الجزائريين. فهذا الناشط سليمان بلقيدوم، ينشر تعليقاً ساخراً يقول فيه: "رجعولنا فخامته الرحمة للوالدين"، أي أعيدوا لنا فخامته، ويقصد عبد العزيز بوتفليقة، الرحمة على الوالدين.

وحتى أسماء الوزراء الذين جُددت الثقة فيهم من خلال الحكومة الجديدة، فهي في رأي الكثيرين غير جديرة في حمل حقائب وزارية جديدة، بعدما فشلت في مهامها السابقة.

بين قديم تم تجديده، وجديد بدأ طريقه في الحكومة، يبقى الجزائريون بين متفائل ومتشائم من الوضع العام بعد حراك شعبي كان هدفه "رؤية الجزائر في مصاف الدول المتقدمة بواقع اجتماعي أحسن مما كانوا فيه"

يحيى بن شعلال (42 عاماً)، وهو متزوج وأبٌ لأربعة أطفال من ولاية جيجل شرق الجزائر، يؤكد في حديثه لرصيف22 أنه "بحكم مهنتي كتاجر، استغربت عودة وزير التجارة كمال رزيق، وهو الذي أفنى عهدته السابقة في محاربة المضاربة في أسعار اللحوم، وفك أزمة الحليب، من دون تحقيق أي نتيجة".

كما يضم صوته إلى صوت عبد الجبار عطاف بالقول "أغرب ما في هذا التغيير، هو عودة وزير الخارجية في عهد بوتفليقة إلى منصبه، وهو الذي قاد جولة اوروبية وآسيوية في قلب الحراك، لكسب الشرعية وتمديد عمر النظام".

وكان حينها الدكتور عبد الرزاق مقري رئيس أكبر حزب إسلامي في الجزائر، حركة مجتمع السلم، قد انتقد بشدة تحركات الوزير رمطان لعمامرة، واتهمه بالخيانة، والعمالة، والخروج عن إرادة الشعب الجزائري.

الجزائر ينصّب حكومته الجديدة

يتواصل في الجزائر تنصيب وزراء الحكومة الجديدة التي أُعلن عنها تحت قيادة وزير المالية الأسبق أيمن بن عبد الرحمن، بعدما أعلنت الرئاسة الجزائرية أن الرئيس عبد المجيد تبون عيّن الأربعاء الماضي حكومة جديدة، احتفظ فيها وزيرا المالية والطاقة في الحكومة السابقة، بمنصبيهما.

ويتكون الفريق الحكومي الجديد من 34 عضواً، أي أقل بعضوين من الحكومة السابقة، ويضم أربع نساء، وقد استمر سبعة عشر وزيراً في مناصبهم.

وقالت الرئاسة إن الدبلوماسي المعروف رمطان لعمامرة عُيّن وزيراً للخارجية خلفاً لصبري بوقادوم في هذه الحكومة، وفي وزارة الداخلية عيّن الرئيس الجزائري كمال بلجود، كما كلّف عبد الرشيد طبي بوزارة العدل، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية.

وفي ما يتعلق بالإعلام، احتفظ عمار بلحيمر بوزارة الاتصال، لكنه لم يعد المتحدث الرسمي باسم الحكومة كما كان سابقاً.

الخارجية والتربية تثيران الجدل

في الثامن من الشهر الجاري، نُصّب رمطان لعمامرة على رأس وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية في الخارج، خلفاً لصابري بوقادوم الذي حيرت مغادرته الطاقم الحكومي غالبية الجزائريين.

تغيير لم يفهمه الكثيرون، كحال المواطن عبد الجبار عطاف، الذي قال "عودة رمطان لعمامرة إلى الخارجية، هي عودة للنظام السابق ودبلوماسيته، على الرغم من أن الوزير السابق صابري بوقادوم كانت له مهام ناجحة خاصةً إفريقياً ومغاربياً".

النقطة الأخيرة التي تطرق إليها عاطف، لم يتفق معها أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة باتنة سمير لحمر، والذي قال لرصيف22: "أعتقد بأن فشل صابري بوقادوم في تسيير ملفات مهمة كملفي ليبيا والصحراء الغربية، يقف وراء إزاحته من الطاقم الحكومي، وكلنا نعرف حنكة لعمامرة في هذه الملفات، لذلك أيقن الرئيس ضرورة إعادته إلى التشكيلة الحكومية".

وعلى الرغم من هذا التغيير، يضيف سمير لحمر أن "صبري بوقادوم شخصية قوية، ولها حضور دبلوماسي كبير في قضايا عربية ودولية عدة، لذلك أتوقع استدعاءه لمهام تُعنى بتلك الشؤون، خاصةً الأوروبية منها".

من الوزارات التي أثارت جدلاً في التغيير الحكومي الحالي وزارة التربية والتعليم، إذ تم تكليف مستشار الوزيرة السابقة نورية بن غبريط، عبد الحكيم بلعابد خلفاً لمحمد واجعوط.

ويعود هذا الجدل إلى كون الوزير المعين كان مستشاراً للوزيرة التي كان الشعب يطالب بتنحيتها خلال مسيرات الحراك الشعبي الذي أسقط ولاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

وكتب الباحث الجزائري في التاريخ المعاصر مهدي قادري منشوراً، تحدث فيه عن ظهور مصطلح جديد في مجال التعيينات الحكومية، سماه بـ"السلفية"، أو إعارة المنصب بعدما تبادل وزيرا التربية والتعليم هذا المنصب على شكل إعارة.

التغيير جاء نتيجة صراع سلطوي

يرد بعض المتابعين في الجزائر التعيينات الحكومية الأخيرة، إلى حجم الصراع المشتد في الدوائر الكبرى للسلطة، بين النظام السابق والجديد.

ويرى الناشط والمحلل السياسي والقيادي في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض عثمان بن سيد في حديثه مع رصيف22 أن "ما يحدث من تغييرات على رأس الحكومة والسلطة، هو صراع بين الدوائر الكبرى من أجل السيطرة على الوضع".

ويضيف بن سيد "على الرغم من أنني لم أكن يوماً مؤمناً بالتغيير، إلا أن عودة أسماء عدة إلى الطاقم الحكومي، وعلى رأسهم رمطان لعمامرة يثبت عودة تيار على حساب تيار آخر، وكلهم يخدمون النظام السابق".

"المشهد العام على الحدود ساهم في صناعة الوجه الحكومي في الداخل الجزائري، خاصةً الوضع في ليبيا، وفي الصحراء الغربية، وما يتبعه من صراع دولي، وما عودة رمطان لعمامرة إلا دليل على ذلك"

فرمطان لعمامرة برأي بن سيد "هو وجه الجزائر في الخارج، وهو الذي كان قد لجأ إلى ألمانيا، وروسيا، والصين، من أجل قتل الحراك الشعبي، وعليه أرى أن حجم الصراع الفوقي وصل إلى حد إعادة تثبيته من جديد على رأس هذه الوزارة السيادية".

وكان الرئيس الجزائري في آخر حوار إعلامي أجراه، قد ألمح إلى حجم الصراع، وقال إن الحرب على العصابة لا تزال مستمرة، وإنه ليس من السهل السيطرة عليها بسرعة.

صراع الخارج أيضاً

التغيير الحكومي الأخير في رأي المحلل السياسي الجزائري عبد القادر موالاي، هو ثمرة صراع أجنبي على مصالحه في الجزائر.

وقال مولاي في حديثه مع رصيف22: "إن دولاً كبرى باتت تريد صنع مشهد لها في الجزائر، نظراً الى موقعه، وما تحتويه من موارد وخيرات، خاصةً وأن هذه الدول متيقنة من أن الجزائر تعيش مرحلة إعادة بناء علاقتها مع الخارج".

لذلك يضيف: "التوجهات الأخيرة للجزائر نحو روسيا والصين وتركيا، أزعجت فرنسا التي تسعى بقواها كلها من أجل تمديد تثبيت قدمها أكثر، وأعتقد أن عودة رمطان لعمامرة إلى وزارة الخارجية هو نتاج ذلك الصراع".

المشهد العام على الحدود ساهم في صناعة الوجه الحكومي في الداخل الجزائري، خاصةً الوضع في ليبيا، وفي الصحراء الغربية، وما يتبعه من صراع دولي، وما عودة رمطان لعمامرة إلا دليل على ذلك".

تشكيلة الحكومة رمت أصوات الشعب

الناشط والمحلل السياسي الجزائري عبد الوهاب جحنين، يؤكد في حديثه لرصيف22 أن "التشكيلة الحكومية الأخيرة لا تعكس تماماً ما أفرزته الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي كان من المفروض أن تعطي الأحزاب مقاعد وزارية بحجم الأصوات التي حصلت عليها".

وفي قراءة في شكل الحكومة يضيف جحنين: "نجد 269 نائباً برلمانياً ممثلين بثمانية حقائب وزارية غير سيادية، وهذا فشل واضح في الجلسات كلها التي قام بها الرئيس عبد المجيد تبون مع رؤساء الأحزاب وممثلي القوائم الحرة، أو هو تعمد لتغييب الأحزاب التقليدية، وهذه ممارسة غير بريئة، ولا تعكس نتائج البرلمانيات".

"التشكيلة الحكومية الأخيرة لا تعكس تماماً ما أفرزته الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي كان من المفروض أن تعطي الأحزاب مقاعد وزارية بحجم الأصوات التي حصلت عليها"

 كما أن إخراج الأحرار على شكل تكتل واحد يردف جحنين: "يطرح تساؤلات عديدة، لأن قانون البرلمان يسمح لكل 10 نواب، التكتل تحت لواء واحد، واختيار الوجهة السياسية التي يريدونها. لكن في البرلمان الجزائري فُرض التكتل على 84 نائباً لدعم برنامج الرئيس من دون حقائب وزارية سيادية كما يطلب الشعب". 

وعليه يستنتج أن "الحكومة الجديدة لا تمثل انتخابات البرلمانات الأخيرة، والمصوتين لم يجدوا أثراً لأصواتهم في تشكيلها، فتاهت الحكومة بين الرئاسة، والبرلمان، والتكنوقراطية، لذلك أحيي حزب حركة مجتمع السلم الذي رفض المشاركة في الحكومة على الرغم من كونه القوة الثانية بـ65 مقعداً برلمانياً".

مخاض عسير في توقيت صعب

على عكس ما سبق، يرى المحلل السياسي الجزائري عبد الحليم العيدودي في تصريح لرصيف22 أن "تشكيلة الحكومة الجديدة هي بداية ميلاد الجزائر الجديدة، نظراً إلى الكفاءات التي يتميز بها الوزراء المعينون على الرغم من الصعوبات في ذلك".

ولم يخفِ العيدودي حجم الصراع الكبير، سواء أكان على الصعيد الداخلي، أو الخارجي، في تشكيل الحكومة، لكن ذلك كما يقول "لم يمنع المخلصين من رسم خريطة المستقبل بعد أيام فقط من إنجاح الانتخابات البرلمانية على الرغم من المشاركة الضعيفة".

ونستطيع القول، يضيف عبد الحليم، إن "الحكومة الجديدة وُلدت بعد مخاض عسير، وبعد لقاءات متكررة مع رؤساء الأحزاب، وسُجل فيها غياب الأحزاب التي كانت تدعي حيازتها الأغلبية خلال عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة".

لذلك كما يقول "هي فرصة الجزائر للعمل وللإقلاع، على الرغم من التحديات، والوضع الاقتصادي الصعب الذي يريد الاستثمار فيه المترصدون من الخارج، لزعزعة الاستقرار".

وبين قديم تم تجديده، وجديد بدأ طريقه في الحكومة، يبقى الجزائريون بين متفائل ومتشائم من الوضع العام بعد حراك شعبي كان هدفه "رؤية الجزائر في مصاف الدول المتقدمة بواقع اجتماعي أحسن مما كانوا فيه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard