لا يصدق أبي الحرب الوشيكة بين مصر وأثيوبيا

الجمعة 11 يونيو 202111:26 ص

حتى الآن، لا يصدق أبي أن هناك حرباً وشيكة يمكن أن تقع بين مصر وإثيوبيا بسبب "سد النهضة". أبي، الفلاح القبطي الثمانوني الذي قضى غالبية عمره بجوار النهر، إيمانه راسخ أن النيل لا يمكن أن يجف، أو يُحرم منه المصريون إلى يوم الدين. ويترحم أبي على الراحل البابا شنودة وعلى أيامه، ويقول: "لو كان عايش كان خلص موضوع الميه ده في زيارة واحدة". وهذا ما تعتقده غالبية المسيحيين في مصر. إذ إنهم يثقون بشعبية البابا الراحل، وقوة تأثيره على الكنيسة الإثيوبية، والإثيوبيين، الذين يرى إليهم أبي على أنهم "قرايبنا". لكنه يخشى نذالة رئيس وزرائهم آبي أحمد، ومجونه، ويتعجب من كون رئيس وزراء الحبشة المسيحية مسلم، ولا يعرف علاقة المسيحيين في مصر ببلاده المسيحية الأرثوذكسية. يتنهد أبي ويقول: "هو إحنا موعودين نضطر نحارب قرايبنا علشان ناخد حقنا". ويقصد العلاقة الدينية التي تربط بين المسيحيين واليهود أيضاً، والحروب التي وقعت بين مصر وإسرائيل. 

بعد الأزمة الشهيرة التي وقعت بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات والبابا شنودة الثالث مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وخطاب السادات الشهير في مجلس الشعب الذي عزل فيه البابا من منصبه، قبيل أشهر من اغتياله في "حادث المنصة"، انتشرت وقتها شائعة، تتردد حتى الآن في أوساط المسيحيين البسطاء وكبار السن في مصر، تقول إن "أمريكا" عرضت على البابا شنودة نقل المسيحيين من مصر إلى إثيوبيا، بسبب الاضطهاد الذي يَلقونه، وضرب مصر بالنووي. لكن البابا فضل عزله، ونفيه، على رحيل المسيحيين من مصر، وتركهم أرض أجدادهم. الشائعة، وعلى الرغم من سذاجتها، كانت تتماشى مع ما كان يردده السادات وإعلامه عن طموحات البابا شنودة السياسية، وخطته للانفصال عن مصر، وتكوين دولة مسيحية في الصعيد. شائعة أثيوبيا، تبين لنا جانباً من العلاقة العريقة بين الكنيستين المصرية والإثيوبية، والتي انعكست على علاقة الشعبين أيضاً.

أبي، الفلاح القبطي الثمانوني الذي قضى غالبية عمره بجوار النهر، إيمانه راسخ أن النيل لا يمكن أن يجف، أو يُحرم منه المصريون إلى يوم الدين

بدأت العلاقة في القرن الرابع الميلادي، مع رسامة أول أسقف قبطي أرثوذكسي في إثيوبيا، بعد تنامي أعداد المسيحيين فيها منذ دخول المسيحية إلى الحبشة في القرن الأول الميلادي على يد القديس متّى الرسول. وقام البطريرك أثناسيوس الرسولي، البابا رقم 20، الملقب بـ"حامي الإيمان" الأرثوذكسي، برسامة الأسقف فرمنتيوس. وللمصادفة، كان فرمنتيوس بحاراً مصرياً أُسر أواخر القرن الثالث الميلادي، وهو طفل، فنشأ وتربى في إثيوبيا. ولما كبر صار أول أسقف أرثوذكسي لكنيسة إثيوبيا التي اتبعت الكنيسة المصرية رسمياً منذ ذلك الزمن البعيد، ولمدة 16 قرناً من الزمان، وحتى أواخر خمسينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت، يعدّ المسيحيون في مصر مسيحيي إثيوبيا فرعاً آخر للأقباط الأرثوذكس، فهم ليسوا مثل أرثوذكس روسيا مثلاً، أو اليونان. هم يتشاركون مع أهل الحبشة ويشبهونهم في كل شيء: في العقيدة والمعتقد، في القارة الإفريقية، وفي النهر أيضاً. ولم يكن بعض المسيحيين يشعرون بالحرج في إعلانهم عن حسدهم لإثيوبيا التي لا تزال تحمل لقب دولة مسيحية أرثوذكسية بجوار مصر التي عانى أقباطها من الاضطهاد الطائفي على مر العصور. وقبل سنوات الجفاء بين البلدين، وأزمة "سد النهضة"، والنزاع حول الحقوق المائية في النيل، ذهب بعض المسيحيين المتشددين إلى الإيمان بأنها "أرض الميعاد الجديدة"، وذلك بعد ظهور نجم الإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسي وزيارته لمصر في الستينيات. حيث استُقبل بحفاة كبيرة من الكنيسة، والشعب المسيحي، بل وقام بعضهم بتسمية أبنائهم الذكور باسم هيلا سلاسي، تعبيراً عن ذلك الحب للإمبراطور المسيحي الأخير للحبشة، الذي كان مثيراً للجدل، وله شعبية طاغية في إفريقيا والعالم، وصلت إلى درجة "التأليه" من قِبل جماعة الراستفارية التي نشأت في جامايكا، والنظر إلى الرجل على أنه الإله المتجسد في شخص الإمبراطور، بسبب نبوءة أحد النشطاء في جامايكا قبل تولي هيلا سلاسي العرش بسنوات، وقال فيها "إن عليهم التطلع إلى إفريقيا عندما يُتوَّج فيها ملك أسود، فحينها سيصير يوم الخلاص في متناول اليد". بعدها تولى راس تافاري الحكم في إثيوبيا، وعدّ الكثيرون ذلك علامة لتحقق النبوءة، لا سيما بعد تغيير اسم راس تافاري إلى هيلا سلاسي، الذي يعني "قوة الثالوث القدوس".

يعدّ المسيحيون في مصر مسيحيي إثيوبيا فرعاً آخر للأقباط الأرثوذكس، فهم ليسوا مثل أرثوذكس روسيا مثلاً، أو اليونان. هم يتشاركون مع أهل الحبشة ويشبهونهم في كل شيء

بعد طلب الكنيسة الإثيوبية الانفصال عن الكنيسة المصرية عام 1959، حين قام البابا المصري السادس برسامة أول مطران إثيوبي لكرسي الحبشة، وهو الأنبا باسليوس، حزن الشعب القبطي المصري على ذلك الانفصال. وحتى اللحظة لا يمكنه أن ينسى إثيوبيا، وعلاقته القوية بشعبها، على الرغم من استمرار العلاقة بين الكنيستين، على المستويين الرسمي والعقائدي. حتى يومنا هذا، تسري لائحة الـ47 لاختيار البطريرك الأرثوذكسي في إثيوبيا بمشاركة خمسة من الأساقفة المصريين، وبالمثل يتم اختيار البطريرك المصري. كما أن هناك مطراناً مصرياً دائم الوجود في كنيسة أديس أبابا. ومن بروتوكولات البابا الإثيوبي الجديد، فور تنصيبه، أن يقوم بزيارة مصر لتأكيد ولائه للكنيسة الأم، كما فعل الإثيوبي متياس الأول في زيارته لمصر عام 2015، بعد تأجيلها لمدة عامين بسبب التصريحات العدائية التي أطلقها الرئيس الإخواني محمد مرسي طوال العام الذي حكم فيه مصر. منذ ذلك الحين تغيرت العلاقة بين مصر وإثيوبيا، واتخذت شكلاً عدائياً على المستوى الشعبي أيضاً. زاد من لهيبها رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي، ومسؤولو حكومته، منذ توليه المنصب عام 2018 من خلال استفزاز المصريين بتصريحات عنترية عن الحرب مع مصر، ورفضهم محاولات مصر والسودان كلها للتوافق على ملء سد النهضة، ما ينذر بنشوب حرب محتملة في المنطقة، وهو ما يخشاه الجميع، فالحرب ليست من مصلحة المنطقة بأكملها.

شرد أبي فور سماعه خبراً غير صحيح في إحدى محطات التلفزيون عن نشوب اشتباكات على الحدود الإثيوبية السودانية، بين قوات مصرية سودانية مشتركة والجيش الإثيوبي، فسارعتُ إلى نفي الخبر أمامه، فقال كمن نفذ صبره: "وإيه يعني ما نحارب مش حقنا وحق عيالنا".

المسيحيون في مصر وطنيون في النهاية، "حتى النخاع"، ولا يمكن التشكيك في وطنيتهم، وانتمائهم لبلادهم مصر. وعلى الرغم من حسرة المسيحيين على الود الذي كان يجمع بينهم وبين الشعب الإثيوبي، ولا يزالون يتمنون أن تنتهي الأزمة من دون اللجوء إلى الحرب، إلا أنه يقف خلف قضية حقوقه التاريخية في المياه وقفة رجل واحد مع المصريين كلهم، باختلاف انتماءاتهم الدينية، أو حتى السياسية. وهم مستعدون أيضاً للتضحية بدمائهم في سبيل قضية المياه، التي لا تقل خطورتها عن خطورة الحروب الأخرى التي خاضها المصريون، مسلمين كانوا أم مسيحيين، للحفاظ على حقوقهم.

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard