الأرشيف الرقمي السوري... مكان يبدأ فيه المستقبل

الثلاثاء 13 يوليو 202106:49 م

عقد كامل انقضى على انطلاق الثورة السورية عام 2011. عقد تباينت فيه مصائر السوريين والسوريات، وملاجئهم، ومواقعهم، وذاكراتهم، لكنها تلاقت في الهزيمة، والفقد، والانكسار، والتغرّب داخل البلاد، وفي الشتات. هزيمة كانت إحدى تجسداتها الأخيرة مسرحية الانتخابات الرئاسية، المؤلمة لشدة هزالتها، ولكثرة تكرارها. انتخابات يفوز فيها  بشار الأسد بولاية رابعة بعد حصوله على 95.1 في المئة من أصوات الناخبين والناخبات. إنه عقد تكدست فيه أيضاً ذاكرات بصرية، ومعها أرشيف رقمي لتاريخ الانتفاضة الشعبية، والحرب. أرشيف تجاوزت سعته الزمنية مدة هذا التاريخ الفعلية.

يمكننا اليوم بالفعل القول إن الأرشيف، مفهوماً ومادّةً، عايش تحولاً ثورياً تزامن مع الثورات الشعبية في المنطقة العربية. هو تحّول نوعي وسابق من مفهومه كمكان فيزيائي مهجور وجامد ومحتَكر للسلطة الحاكمة ولبقايا الماضي، إلى مكان رقمي حي وثوري وتفاعليّ مُنتزَع ومُستَردّ من قبل الشعوب في مواجهتها لهذه السلطة في الحاضر والمستقبل معاً. إذ لم تتح الفضاءات الرقمية لهذه الشعوب انتزاع مساحات بديلة للتعبير، والتواصل، والتسييس، والتنظيم، فحسب، بل أتاحت معها أيضاً فرصة تجاوز احتكار الأنظمة الحاكمة لسلطة الإعلام، واستئثارها المطلق بتعريف الحقيقة، وكتابة التاريخ.

تمعنت مؤخراً بالصورة التي لطالما كانت ترتسم في مخيلتي لدى التفكير بمعنى التاريخ، وبالتحديد معنى كتابته. إذ كنت أشاهد في مخيلتي حرباً طاحنة هوجاء كتلك التي نشاهدها في المسلسلات التاريخية، وعند زاوية المشهد ألمح مؤرخاً طاعناً في السن، جالساً يراقب بهدوء وحياد كليَّين ما يحدث، منهمكاً بكتابة التاريخ على أوراق، تحاصره من الجهات كلها أكوامٌ منها، وقد أثقلها غبار السنين. تبدو الصورة في مخيلتي أكثر هزلاً عن كتابة التاريخ عند وضعها إلى جانب أرشيف رقمي سوري لا يمكن للتاريخ أن يُقرأ فيه فحسب، إنما أيضاً أن يُشاهد ويُسمع. يكمن الثوري- في سياق جدل الأرشيف عموماً، وفي السياق السوري- في هوية "المؤرخ" وموقعه، هو الذي كان الفرد والثائر والمضطهَد. إذ لم يحطم توثيق الأفراد واقعهم، رقمياً، مونوبول الخطاب الرسمي، وأحادية سرديته التاريخية فحسب، بل ساهم، جوهرياً، في إنتاج سرديات رقمية مضادة، أتيحت لنا من خلالها إمكانية الاطلاع، مراراً، عبر الصورة والفيديو، وأن نكون شهوداً، عبر البث المباشر، على أحداث الصراع، ويومياته.

لم يحطم توثيق الأفراد واقعهم، رقمياً، مونوبول الخطاب الرسمي، وأحادية سرديته التاريخية، فحسب، بل ساهم، جوهرياً، في إنتاج سرديات رقمية مضادة

الصورة والتصوير والتصوّر

"إن البنية التقنية لأرشفة الأرشيف تقرر أيضاً بنية المحتوى القابل للأرشفة حتى في ظهوره إلى حيز الوجود، وفي علاقته بالمستقبل. إن الأرشفة تنتج الحدث بقدر ما تسجله. هذه هي أيضاً خبرتنا السياسية المكتسبة مما تُدعى وسائل الإعلام". ألهمني دريدا في سياق البحث في كيفية فهم الشهادة التاريخية للصورة في عوالم الأرشيف الرقمي، وأكوان الذاكرة السورية. لذا سعيت للتقصي في بنية أرشفة هذا الأرشيف التقنية، وأيضاً الاجتماعية، وفي علاقتها وعلاقته مع المستقبل.

نعم هُزم بوحشية مشروع السوريين والسوريات الجماعي الصادق، والحالم بتغيير حاضر سوريا، أو ماضيها المستمر تحت حكم الأسدين، وباسترجاع الحق في المستقبل في ثورتهم/ن اليتيمة كما أنصف وصفها زياد ماجد. وتحولت ثورة انتزاع المصير الجماعي، وتغييره، إلى مصائر، وثورات فردية، وصراع للنجاة من واقع القتل، والتعذيب، والتغييب، والتهجير، واللجوء، والتغرّب عن أماكن الذاكرة والحلم. هذا الانحسار، أو الانفتاح على الذاتي والفردي، جعل منهما بالنسبة إليّ بوصلة أكثر إنصافاً في أثناء رحلة تنقيبي عن معاني الذاكرة الرقمية المضادة. قادتني في رحلتي هذه مقابلات السرد الشفوي مع مصورين مدنيين داخل وخارج سوريا (أجريناها في فريق الأرشيف السوري عام 2019)، إلى الأبعاد والبنى الاجتماعية، والذاتية، والخيالية أيضاً، لصناعة الأرشيف، وإنتاج الصورة في تاريخ الثورة. إذ كانت الشهادة الشفوية والسرد مفتاحين لتفكيك شهادة الصورة، وتجربة "تصويرها" ذاتياً، واجتماعياً، وخيالياً، لمحاولة تركيب "تصوّر" عن ذاكرة تلك الأيام.

كشفت ذاكرات المصورين عن ترابط جذري، وعلاقة تكوين متبادل، بين الأرشيف (كصورة وكتصوير)، وبين المستقبل متمثلاً في تصوّراته وتطلعاته. "ادرسوا المؤرخ قبل أن تبدأوا في دراسة الحقائق". إلى هذا دعانا إدوارد هاريت كار في كتابه "ماهو التاريخ؟". وأنا بحثت بطريقة مماثلة في أغراض مؤرخي الثورة، وتطلعاتهم، ومخيلاتهم. في استحضار إجابة عن سؤال "لماذا صوّرت ووثّقت حينها؟" جاب هؤلاء ذاكراتهم توغلاً وتمعناً في دوافع ورؤى عن مخيلة تلك الأيام، مخيلة عبرت في تكوينها أبعاد الزمن كلها من ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل. إذ أخذ التصوير حينها معنى وظيفياً، ومباشراً، مرتبطاً بالحاضر الثوري، وآنية القصف، والانتهاكات، والحصار، كتوثيق واقع المدن، وحقيقة ما يحصل داخل المنتفضة منها، في مواجهة تشويه الإعلام الرسمي وتضليله، وأيضاً في محاولة لتزويد "العالم في الخارج"، والمجتمع الدولي، بـ"الدليل المصور" الذي افترضوا وتخيّلوا حينه كفايته لوضع حد لآلة القمع، والانتهاك، التي يديرها النظام السوري ضد شعبه. افتراضٌ استرجعه المصورون بالسخرية والخيبة المريرتين.

لكن التصوير لم يقتصر على أن يكون رد فعل، إنما كان فعلاً ثورياً، وإنتاجاً للأمل، عبر إيصال صوت الناس، والتوعية السياسية، والتعبئة، وتحدي السردية الرسمية، وتحقيق تمثيل إعلامي عادل للمحلي والمعيش، وممارسة التضامن مع المدن السورية الأخرى.

لم يختر جيل الثورة الخوف، والمزيد منه، والرضوخ، "عبرةً" من الثمانينيات، بل وجدوا العبرة في حفظ تاريخهم وتوثيقه

لم يغب أيضاً الماضي السابق لثورة 2011، وبالتحديد ذاكرة حماه الثمانينيات من القرن الماضي (حين حوصرت مدينة حماه وشن عليها الجيش هجوماً عسكرياً في أعقاب اصطدامات مع حزب الإخوان المسلمين، وقُدر عدد ضحايا هذه المواجهة العنيفة بعشرات الآلاف من أهل المدينة، بالإضافة إلى تدمير أجزاء واسعة منها)، عن تكوين مخيلة التوثيق، ومعنى صناعة الصورة في سرديات صانعيها ومؤرخيها، كما غابت وغُيّبت وغُرّبت ذاكرة أهل حماه في كتب التاريخ. كان الصمت والرعب حول ذاكرة حماه في الفضاء العام، وأحاديث أهلنا، ليس إلا تثبيتاً لحضور هذا الغائب، وتذكرة عبوره إلى وعي جيل الثورة.  كانت مواجهة مصوري الثورة لشبح حماه مواجهة بين الأجيال أيضاً؛ جدلاً تاريخياً بين جيل الآباء المشكك، والمتخوف، و"المتّعظ" مما حدث في حماه، وجيل الثورة الحالم والجريء، عبّر عنها أحد المصورين بقوله: "كنا في البدايات نتعرض كثيراً، بسبب تصويرنا، للتخوين، والتشكيك، وحتى الاعتداء، في مناطقنا، ومن أهلنا، بعبارات مثل "عم تجيبولنا البلاء". قال لي أحد المسنين في حارتنا "ارجعوا، ارجعوا، والله مابتعرفوا شي... نحنا عشنا الثمانينيات... إنتو ما بتعرفوا هالنظام".

بالفعل لم يُسمح للشعب السوري، ولجيل الثورة، أن يعرفوا إلا النسخة الرسمية لرواية النظام البطولية ضد "إرهابيي الإخوان ومتطرفيهم"، وبقيت "النسخ الخفية"، وشذرات من ذاكرة حماه متناقَلة عبر قصص لأحداث مروعة، ولمجازر جماعية كان يرويها أهالينا بخوف وسريّة في الحيز الخاص. في الوقت نفسه، لم يقتصر حضور شبح الثمانينيات على هذا الصدام الاجتماعي والأخلاقي بين جيلين، بل تعدى ذلك ليكون حاسماً وبنّاءً لوعي المصورين، جيل الأبناء، ووعيهم لأهمية التوثيق، والصورة، والوثيقة التاريخية "كي لا تتكرر مرحلة الثمانينيات". فقد مثّل حدث التصوير في حد ذاته انتصاراً على سنوات الصمت، واحتكار السردية التاريخية. لم يختر جيل الثورة الخوف، والمزيد منه، والرضوخ، "عبرةً" من الثمانينيات، بل وجدوا العبرة في حفظ تاريخهم وتوثيقه، ووجدوا المكتسب القادر على إحقاق تغيير فارق تاريخي وصناعته، عن الثمانينيات التي غابت فيها الصورة، والوثيقة، وأصوات الأفراد. مثلما عبر أحد مصوري الثورة بقوله: "جيلنا كان يؤمن أن الزمن تغير عن الـ82، وأصبح الإعلام مهماً، وممكناً. لن يتكرر الصمت، لأننا لم نصمت، ووثّقنا تاريخنا، وصوّرناه".

أصبح الأرشيف الرقمي لتاريخ ثورتهم، اليوم، هو الفارق التاريخي الذي حققوه، عبر تحويل صمت الماضي إلى صوت، وصورة، وشهادة

الأرشيف مخلوق الأمل وخالقه

بحرقة وصحوة، استرجع مصورو الثورة السورية المستقبلَ كما تخيلوه حينها، متجسداً في الحلم والأمل. أمل في تحقيق أهداف الثورة، وبناء سورية مدنية وحرة، وأمل في هزيمة النظام "في غضون أشهر"، وفي إيصال صوت الواقع والناس والأمل من خلال "رد فعل" العالم، الشاهد المباشر على ما يحصل، وما يصوَّر. إنه أمل كانت ممارسة التوثيق وصناعة الصورة من ترجماته ومحركاته في آن معاً. ولأن التاريخ هو عملية تفاعل مستمرة بين المؤرخ وحقائقه، وحوار لا ينتهي بين الحاضر والماضي بتعبير إدوارد كار. سألت مؤرخي الثورة عن علاقتهم اليوم مع أرشيفهم، وصورة الذاكرة، وأيضاً مع المستقبل، وأدركت حينها أنه في حين كان للتصوير والتوثيق علاقة عضوية بانتمائهم إلى الثورة، وبصناعة الأمل في زمان الثورة، أصبح الأرشيف الرقمي لتاريخ ثورتهم، اليوم، هو الفارق التاريخي الذي حققوه، عبر تحويل صمت الماضي إلى صوت، وصورة، وشهادة. الأرشيف اليوم هو حدث مقاوم، وصانع للأمل. أمل في رهان جديد، وجولة أخرى في المستقبل، ستُستخدم فيها هذه الشهادات الرقمية كوثائق، وأدلة لإدانة النظام السوري ومجرمي الحرب السورية كلهم، ومحاسبتهم. الأرشيف اليوم حارس أمل المستقبل، لكنه حارس ألم الماضي في الوقت نفسه. ألمٌ هو تعرية لهشاشة الذات وضعفها، ذات صانع الأرشيف في علاقته الجدلية معه. هي علاقة مع الأمل لا تضعفها الهشاشة، ولا تلغيها.

لقد افتقدت أرشيفات التاريخ "التقليدية" بالفعل في الماضي إلى الصورة والسردية من عدسة واقع الفرد المهمش والمضطهد، ومنظوره، ما قيّد أيضاً قدرتنا على إنتاج مخيلة تاريخية تتجاوز بلاغة الذاكرة الرسمية المنفردة، وسطور كتب تاريخ لقنونا إياه، وحفظناه "بصماً" في مدارسنا السورية، لنؤديه في مسرحية قسرية يومية ليس الحضور، ولا الأداء فيها، اختياراً، إنما طوق نجاة. أما اليوم، فإن الشهادات الرقمية والشفوية للسوريين/ات الناجين/ات من آلة القمع، والاستبداد، ليست مصادر محضة، أو حتى أدلة، إنما آثار علينا تقفيها، لتمكين مخيلة تاريخية تتسع للحاضر، وللغائب المنسي في الأرشيف، ولتكريس مفهوم جديد لتاريخ متعدد الأصوات، والمنظورات، والسرديات، والمعاني، عابر لحدود المكان، والبلاد، والسلطات، ملهم وبنّاء. حينها لا يكون النظر إلى الأرشيف على أنه مسكن أخير مجهول لـ"بقايا" الماضي، حيث تنتهي الأشياء، إنما على أنه مكان لخلق المستقبل، بتعبير دريدا. إنه المكان الذي تبدأ فيه الأشياء.

 

تم دعم هذه المادة من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال أفریقیا لتمویل الأعمال الاستقصائیة

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard