ما هو سرّ جاذبية Clubhouse؟

الاثنين 22 فبراير 202104:51 م

بيت النادي أو كلوب هاوس (Clubhouse)، هو تطبيق من تطبيقات التواصل الاجتماعي، جذب -في وقت قصير نسبياً- ملايين الناس حول العالم، ومؤخراً جذب أيضاً أعداداً كبيرة من الشباب العربي والخليجي والمصري. لا إحصاءات دقيقة لدي، لكن عداد المستخدمين في ارتفاع كل يوم، وثمة حالة عامة وجدل، نقل التطبيق من متجر التطبيقات "آب ستور" إلى النقاش بشأنه في الفضاء العام. 

نقاش تمحورت أسئلته حول ما الجديد الذي يضيفه هذا التطبيق؟ وأي فرص أخرى قد يتيحها لجيل الربيع العربي؟ وهل سيستمر على هذه الحالة من الجاذبية؟ أم أن هذه هي فورة الأشياء الأولى المعرضة للذوبان التدريجي على صخرة الزمن؟

التطبيق بدا طبقياً في نسخته الأولى إلى الآن، فهو متاح فقط لحاملي هواتف ومنتجات شركة "آبل"، كما أن الانضمام إليه يجري عبر دعوة من شخص داخله أو بطلب الاشتراك وانتظار قبول انضمامك. ويجري النقاش فيه بين الأعضاء، صوتياً فقط، داخل كل غرفة من الغرف، فهو يعتمد المحتوى المسموع، على خلاف مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى التي تعتمد النص المكتوب أو الفيديو، ما يجعله بهذا المعنى أقرب إلى بودكاست تفاعلي أو مكالمة جماعية.

ما الجديد الذي يضيفه هذا التطبيق؟ وأي فرص أخرى قد يتيحها لجيل الربيع العربي؟ وهل سيستمر على هذه الحالة من الجاذبية؟ أم أن هذه هي فورة الأشياء الأولى المعرضة للذوبان التدريجي على صخرة الزمن؟

واجهة التطبيق (الآيكون) القابلة للتغيير كل فترة، تزينها حالياً صورة فنان البوب أكسل منصور، المولود في لوس أنجلوس، والذي يغني كل ليلة عبر غرفة في التطبيق، الذي يقول مؤسسوه إن هدفه الأساسي هو محاولة بناء تجربة اجتماعية تبدو أكثر إنسانية، إذ يمكنك بدلاً من الكتابة والنشر، التفاهم عبر الحديث المباشر مع الآخرين. 

أحاول هنا الوقوف على نقاط قد تفسر سر جاذبية التطبيق، التي حوّلت كثيرين، ممن عبروا إليه من باب التجربة، قد وجدوا أنفسهم حاضرين فيه بالساعات.

في رأيي، إن هذه الجاذبية عائدة لعوامل عدة، أهمها سهولة استخدام التطبيق، والأريحية الشديدة التي تتيح لك من داخله إنشاء غرفة، الدخول إليها والخروج منها. كما أنها عائدة كذلك كرد فعل عكسي على حالة التململ والتشبع التي أصابت كثيرين من التعامل مع وسائل التواصل التقليدية، مثل فيسبوك وتويتر، والتي بات كثير من مستخدميها الآن لا يشعرون بالأمان معها، بعدما جرى ما يشبه التأميم لها، عبر قوانين اعتبرت سلطوية، وتشبعت بما يطلق عليه "الذباب الإلكتروني".

ولأن التطبيق كذلك لايزال حديثاً، وتجربته جديدة نوعاً ما، لم يبدأ مستخدموه بعد في تفعيل خاصية الحظر، فنجح "كلوب هاوس" في جمع الأضداد، أو لنَقُل، الخصوم المختلفين فكرياً وأيديولوجياً، داخل غرفة واحدة، وبالتالي أصبح الحديث هنا مثيراً مع تعدد الآراء وتنوعها. حوارات ساخنة تجري على الهواء مباشرة، بين أطراف محسوبين على السلطة وآخرين معارضين لها، الكل هنا راضخ لسماع مخالفه، فالتطبيق بهذا المعنى يمنحنا فرصة نقاش لم يعد متاحاً في وسائل الإعلام المحلية ولا العربية، التي تقوقعت -لأسباب شتى- كل داخل أجندته.

"هو تطبيق بلا ذاكرة"، وتلك بتصوري قد تكون أهم خاصية وسبب رئيس وجذري في كلوب هاوس، والسر الخاص في جاذبيته، ففي اللحظة التي ينتهي فيها النقاش داخل الغرفة ينتهي معها كل شيء، فهي كأنها لم تكن، فكل ما قيل هنا لم يعد بإمكانك ولا بإمكان غيرك استرجاعه، اللهم إلا إن كان هناك من تعمد التسجيل مسبقاً للمتحدثين، لكن بشكل عام، التطبيق نفسه ليس فيه هذه الخاصية، أو بالأحرى، يضع ضوابط لها من بينها إخبار وموافقة المتحدث على تسجيل ما سيقوله. في بيت النادي، لن يطاردك ما تفوهت به أو ما أدليت به، كما يطاردك كل ما كتبته في فيسبوك، في نفس هذا اليوم من كل عام، منذ التحقت بالفضاء الأزرق وبدأت النقر عليه.  

وهذه الخاصية أصبحت الآن سؤالاً مركزياً يشغل بال كثير من المستخدمين، خصوصاً في مجتمعات لا تسامح بسهولة، ولا تريد المسامحة مع من يختلفون معها حتى لو تغيرت أفكاره.

"هو تطبيق بلا ذاكرة"، وتلك بتصوري قد تكون أهم خاصية وسبب رئيس وجذري في كلوب هاوس، والسر الخاص في جاذبيته، ففي اللحظة التي ينتهي فيها النقاش داخل الغرفة ينتهي معها كل شيء، فهي كأنها لم تكن، فكل ما قيل هنا لم يعد بإمكانك ولا بإمكان غيرك استرجاعه

والنقاش ذاته دائر في أوروبا منذ سنوات، فلا زال القانون الأوروبي بشأن "الحق في النسيان"، مثار خلاف كبير مع محركات البحث الكبرى، وعلى رأسها غوغل، فالقانون الذي يمنح حق الإنسان في أن يُنسى، ويهدف لحماية بياناته التي قد يشكل حفظها خطراً محتملاً ومستمراً على أصحابها، لازالت محركات البحث تحاول التملص منه.

لهذا وغيره، يمكن القول إن ما قد يقدمه تطبيق كلوب هاوس في العام 2021 للعالم العربي، قد لا يقل إنجازاً عما قدّمه تطبيق فيسبوك في العام 2011، وقد يسهم في تحول لا يقل عما أسهم فيه سابقه. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard