محمد البابلي... إمام ظرفاء أبناء الجيل الماضي في القاهرة

السبت 7 أغسطس 202101:20 م

قاست مصر على طول زمانها العديد من الآلام، لكن كان هناك شيء ما يلازم شعبها، كأنه موهبة أنعم الله عليه بها، وهي جريان السخرية والنكتة على لسانه، لتهوّن عليه مر الحياة. وكان أحد أبناء هذا الشعب ممن ساهموا في تلطيف المآسي عبر النكتة شيخ يدعى محمد البابلي، وصفه البعض بأنه "إمام ظرفاء الزمان".

مَن هو محمد البابلي؟

في مؤلفه "مصر من تاني"، يقول الكاتب محمود السعدني "إن محمد البابلي أعظم مَن قال النكتة على طول الزمان، كان بحق أكبر ساخر في زمانه، عيبه الوحيد أنه لم يدخل في زحام الناس ولم يرتبط بقضية".

وكان البابلي من عائلة تُعَدّ من الأثرياء. والده كان شيخ تجار الجواهر. يروي السعدني: "كان فريداً في شلة الساخرين، أبوه شيخ تجار الجواهر في مصر، ولذلك جاءت نكاته لامعة كالذهب، وهو نفسه كان يعمل ضابطاً للشرطة، وهي مهنة تحتاج إلى وقار لا يتفق مع هواية السخرية والتنكيت، ولذلك سرعان ما هجر الشرطة وخلع البدلة الرسمية، وتفرغ في المضحكخانة الكبرى، يصارع أشهر أصحاب النكتة، ويصرعهم جميعاً".

ويتحدث عبد المنعم شميس، في كتابه "شخصيات في حياة شوقي"، عن البابلي، فيقول: "قليلون يعرفونه، هو ابن عبده بك البابلي الذي كان جواهرجي العائلة الخديوية في عصر الخديو إسماعيل، وقد تخرج في مدرسة البوليس، واشتغل ضابط شرطة".

وجاء تعريفه في "ديوان حافظ إبراهيم"، كالتالي: "هو محمد بك البابلي... واشتهر محمد بظرفه وفكاهته الحلوة... وكانت وفاته في (أيلول) سبتمبر عام 1924".

يصف أحمد فؤاد أمين، في مؤلفه "ظرفاء القرن"، محمد البابلي بـ"إمام ظرفاء أبناء الجيل الماضي"، ويقول عنه: "ذلك رجل عاش طول حياته يضحك، ويملأ الدنيا ضحكاً من حوله، ويرسل النكتة وهو بين إخوانه وأصفيائه فلا تلبث أن تطير على كل لسان وتحلّق به في كل مكان".

وتشير وداد الكواري، في مؤلفها "صباح الحب: نصوص مختارة"، إلى أن "الحديث عن الظرفاء يقودنا إلى إمامهم، وهو اللقب الذي أطلق على محمد البابلي، وهو رجل لم يترك أدباً مكتوباً ولم يحصل على جوائز ولكن أحب الناس وأحبوه وبقي في الذاكرة حتى أنهم كتبوا عنه وعن وحكاياته".

ثورة 1919... عصر النكتة

يبدو أن ثورة 1919 وأحداثها كانت الدافع وراء سخرية محمد البابلي وجميع ظرفاء عصره. يروي محمد السعدني أنه "في عالم النكتة والسخرية شهدت مصر في تلك الفترة أعظم مَن أطلقوا النكتة واستخدموها كسلاح، جيل كامل من الساخرين العظام".

ويذكر بعض هؤلاء: "كان هناك إمام العبد وحسين الترزي، أبطال المضحكخانة الكبرى التي كانت بؤرة من بؤر الثورة، وكانت أحد مراكز المعارضة القوية ضد الاحتلال الغاشم والحكم المستبد، وكانت المضحكخانة الكبرى هي اسم أشهر مقهى في ذلك الزمان، وكانت تقوم في ميدان الخلق (يقع في وسط القاهرة)، وكان يتردد على المقهى كل ليلة عشرات من عباقرة النكتة وعشرات آخرون من كبار الفنانين".

ويشير مؤلف "مصر من تاني"، إلى أنه "كانت مهمة أهل النكتة هي الدخول في قافية يختارون لها موضوعاً واحداً كل ليلة، وكانت فرصة لسلخ جلود ضباط جيش الاحتلال وباشاوات مصر الضالعين مع المستعمر، ورجال السياسية الذين يعارضون زعيم البلاد سعد (زغلول)".

ويؤكد السعدني أن أبطال هذه الليالي كانوا "الترزي والعبد، ورجلاً آخر من طبقة الأسياد، طبقة التجار وأصحاب الطين (يقصد محمد البابلي)".

شلة حافظ إبراهيم

جمعت بين محمد البابلي وشاعر النيل حافظ إبراهيم (1872–1932)، صداقة قوية، وكان ثالثهما الشيخ عبد العزيز البشري (1886-1943). يروي عبد المنعم شميس أن "حافظ إبراهيم كانت له أكثر من شلة، وكان صاحب أحاديث باهرة، ونكت رائعة رُويت عنه، لكنها لم تسجل، وكان يشاركه في النكت والتنكيت الشيخ عبد العزيز البشري ومحمد البابلي، وكان ثلاثتهم في جيلهم فرسان الفكاهة".

ويصف شميس البابلي في مؤلفه الآخر "قهاوي الأدب والفن في القاهرة"، بقوله: "هو سيد أصحاب النكتة في عصره، كان صاحب أسلوب أدبي بديع، ومن أبرع العازفين على العود، وكانت داره في حلوان ملتقى أهل الأدب والفن والغناء والموسيقى، وقد أقام حافظ والبشري في حلوان (أقصى جنوب القاهرة) فترة من الزمان، حتى يكونا بالقرب منه".

"كان يعمل ضابطاً للشرطة، وهي مهنة تحتاج إلى وقار لا يتفق مع هواية السخرية والتنكيت، ولذلك سرعان ما هجر الشرطة وخلع البدلة الرسمية، وتفرغ في المضحكخانة الكبرى، يصارع أشهر أصحاب النكتة، ويصرعهم جميعاً"

ومما يدل على أثر هؤلاء الثلاثة على فن النكتة في مصر آنذاك، ما ذكره عبد اللطيف حمزة، في كتابه "حكم قراقوش"، من أنه "وإنْ ينسى أهل القاهرة لا ينسوا أربعة من رجال المرح والدعابة، كانوا زينة المجالس الأدبية، وكانوا مصدر سرورها وأفراحها، وهم: حافظ إبراهيم شاعر النيل، وإمام العبد، ومحمد البابلي، والشيخ عبد العزيز البشري، ولكل من هؤلاء الأربعة مواقفه الفكاهية التي يتناقلها الناس في مصر، ويحفظون منها الشيء الكثير".

البابلي يشيد بأم كلثوم

يُقال إن أم كلثوم كانت ضمن شلة حافظ إبراهيم. يؤكد ذلك عبد المنعم شميس بقوله إن "الذي لم يذكره الرواة ولم يسجله الكتاب هو أن سيدة الغناء أم كلثوم كانت من شلة حافظ إبراهيم وعبد العزيز البشري، وكانت تلميذة لهما".

وربما يعزز رواية شميس، ما ذكره عبده الزراع، في مؤلفه "وجوه مضيئة في الأدب والفن": "وصلت أم كلثوم إلى القاهرة عام 1922، ونزلت مع والدها في فندق متواضع ببولاق في شارع السلطان أبو العلا، وكان يسكن بالفندق أحد ظرفاء العصر محمد البابلي الذي أعجب بصوت أم كلثوم إعجاباً كبيراً".

هذه الواقعة ذكرها أيضاً الكاتب لمعي المطيعي في مؤلفه "موسوعة نساء ورجال من مصر".

كان لازم تلبس تحتها حصيرة!

برغم مصادقة حافظ للبابلي، إلا أنه لم يسلم من لسانه. يحكي محمد فهمي عبد اللطيف، في مؤلفه "فلاسفة وصعاليك"، أنه: "دعا حافظ إبراهيم البابلي في يوم إلى تناول الغداء في داره مع جمع من الظرفاء، وكان يوماً ماطراً، فلما وصل المدعوون استقبلهم حافظ على باب الدار وهو يلبس جلباباً من الكستور الملون وفيه مربعات كبيرة كتلك التي تكون في السجاد، فابتدره البابلي بقوله: إيه الجلابية دي يا سي حافظ؟ كان لازم تلبس تحتها حصيرة!!".

لكن يبدو أن أيام العسل بين الصديقين لم تدم طويلاً، إذ وجدت في ديوان حافظ إبراهيم، بعض الأبيات تحت عنوان "عتاب محمد البابلي بك... نشر في سنة 1900"، يقول فيها:

أخي والله قد ملئ الوطاب وداخلني بصحبتك ارتياب

رجوتك مرة وعتبت أخرى فلا أجدى الرجاء ولا العتاب

نبذت مودتي فاهنأ ببعدي فآخر عهدنا هذا الكتاب

سرعة بديهة ونكتة سريعة

امتاز البابلي بسرعة بديهته، وخفة ظله، حتى يكاد لا يمر أي موقف دون أن يترك فيه نكتة، أو سخرية ما، ولم يفرّق في ذلك بين صديق وعدو، وإنما كان الكل أسوياء لديه، تجري الدعابة على لسانه دون عناء التكلف.

يذكر محمود السعدني أحد هذه المواقف التي طالت صديقه حسين الترزي: "في يوم ما كان أشهر خياط لملابس الرجال، ثم هجر المهنة وتفرغ لسهر الليالي الملاح، وتدهورت أحواله المالية، وعكف على شرب الخمر لا يفيق، وذات مساء رفع كأسه في وجه محمد البابلي وصاح في نشوة: شوف الخمرة لونها ياقوتي ازاي؟ ورد عليه البابلي: أيوة النهاردة ياقوتي، وبكره يا.. قوتي".

ويعقب المؤلف على ذلك، موضحاً: "ياقوتي الأولى من اللون، وياقوتي الأخرى من القوت".

"كانت المضحكخانة الكبرى هي اسم أشهر مقهى في ذلك الزمان، وكانت تقوم في ميدان الخلق (وسط القاهرة)، وكان يتردد على المقهى كل ليلة عشرات من عباقرة النكتة وعشرات آخرون من كبار الفنانين"

وركب البابلي والشيخ البشري مرّة قارباً في النيل، فخاف الأخير وقال: "الحقني يا بابلي، المركب ح تغرق"، فأجابه الأول بهدوء: "يا أخي ما تغرق هي بتاعتنا"، وفقاً لحسين الداموني، في كتابه "الملف السري للنكتة العربية".

ويروي شوقي ضيف، في مؤلفه "الفكاهة في مصر"، أن البابلي رآه بعض أصدقائه في رمضان نهاراً، وهو جالس على مقعد يدخن النارجيلة فقال له: "لا يصح ولا يليق أن تفطر في رمضان واسمك كاسم النبي محمد، فقال على الفور: أنا يا أخي من حزب فاطر السماوات والأرض".

وأحيل موظف إلى المعاش، فكثر من التردد على البابلي، فضجر الأخير منه، فقال له: "قل لي يا أخي هم أحالوك على المعاش أم حالوك علي؟!"، يروي ضيف.

"أضرب لك يوم!"

حياة محمد البابلي كانت هادئة مستريحة، وفجأة هبت رياح الثورة فاقتلعت كل شيء. يصف محمود السعدني الوضع آنذاك بقوله: "اجتاحت الثورة قهوة المضحكخانة الكبرى، وألقى عباقرة النكتة بأنفسهم في بحرها، وكان من المستحيل أن يتخلف إمام النكتة وسيدها محمد البابلي".

تسببت أحداث الثورة في إضراب بعض الطلبة والموظفين، وأغلقت المدارس والدواوين وفي أحد هذه الأيام كان البابلي جالساً في مقهى بميدان الأوبرا، فمر به شحاذ جعل يستجدي رواد المقهى في إلحاح ثقيل وصوت قبيح، فالتفت إليه قائلاً: "يا أخي، أضرب لك يوم، أنت معندكش وطنية؟!"، يروي بو علي ياسين في كتابه "بيان الحد بين الهزل والجد".

وفي تلك الأثناء، كان العساكر الإنكليز يبيعون السلاح للمصريين، ويدّعون أن المتظاهرين خطفوا السلاح منهم، وجاء محمد البابلي إلى القهوة ذات مساء ومعه مسدس، فسألوه: من أين؟، فأجاب: "دنا خطفته من واحد إنكليزي بعشرة جنيه"، بحسب السعدني.

شهد المقهى الذي كان مكان تجمّع البابلي والعديد من أصدقائه العديد من النكات، ذكر أحدها محمود السعدني: "المقهى كان يجمع الكثيرين وكان أحد الحاضرين فيه يقرأ الجريدة بصوت عال، ويركز على خبر جاء فيه عن وصول قطعة من الأسطول البريطاني إلى مياه الإسكندرية، فأشار (البابلي) إلى رجل ذي شارب كث كان يدخن الحشيش وينفخ دخاناً كثيفاً من فمه وأنفه، وقال: ‘وإيه يعني؟ ماحنا معانا هنا قطعة من المسطول المصري’!".

ويحكي يسري الفخراني، في كتابه "كلام.. عن الكلام: الوصول للقمة.. يبدأ بالكلمة"، أن محمد البابلي كان يجلس في مقهى يلعب الطاولة مع صاحبها على رهان مَن يدفع ثمن المشاريب آخر السهرة، فلعب الأول لعبة بالزهر لم تعجب خصمه، فسخر منه قائلاً: "بقى دي لعبة يا سي بابلبي، أمال إيه بقى الفرق بينك وبين الحمار؟"، فأجابه البابلي في سرعة: "ليس بيني وبين الحمار غير الترابيزة".

وتحت عنوان "البابلي والعصا"، يقول المؤلفان سلامة محمد وأحمد تمام، في مؤلفهما "ظرفاء العرب": "كان محمد البابلي من رجال المرح والدعابة في مصر في مطلع القرن العشرين، وكان دائماً يحمل عصا في يده، وعليها الحرفان الأولان من اسمه (م. ب.)، فلقيه صديق له، فأظهر إعجابه الشديد بالعصا، وأنتظر أن يرد عليه البابلي كما يفعل الناس في العادة، اتفضل، أو خذها هدية مني، لكن البابلي أجابه ببديهته المعتادة، قائلاً: شوف يا أخي مكتوب عليها إيه: م. ب. يعني مش بتاعتي".

ما ذكر سابقاً كانت مواقف جمعت محمد البابلي بأصدقائه أو الرجال في العموم، لكن النساء أيضاً نلن نصيباً من دعابته وسخريته في عدة مواقف، منها ما ذكره الداموني من أنه كان يزور فنانة، وبين يديها رمان تأكله.. فسألته: "أفرط لك رمان يا سي محمد؟"، فأجاب على الفور: "فرطيلي في عرضك!".

ويذكر شوقي ضيف أن البابلي "كان مسافراً مع صديق واعترضهما سلم فصعداه، وبينما هما نازلان رأى فتاة جميلة، فوقف وناداه صديقه: أسرع يا محمد حتى لا يفوتنا القطار، فقال: كيف أستطيع النزول وروحي طالعة".

ويروي سيد عبد الفتاح، في مؤلفه "ظرفاء وعظماء القرن العشرين، سير ونوادر"، أن البابلي "ذات يوم رأى شابة مسيحية جمالها رائع، فلما واجهها قال: اللهم صلِّ على المسيح".

البابلي في السجن

تسببت شهرة محمد البابلي في انتشار نكته بين الناس، وأصبح خطراً على سلطة الاحتلال، فسحبوه إلى السجن، وتكرر ذلك، فلا يكاد يخرج من السجن حتى يذهب إلى آخر، ورغم تلك الكبوات، ورهبة السجون، إلا أن هذا الساخر لم يستطع أن يمرر الموقف، دون أن يترك بصمته، فهتف ذات مساء: "يا سلام ع الواحد بقى آخر استقامة، من القهوة للسجن، ومن السجن للقهوة"، وفقاً لمحمود السعدني.

وبحسب أحمد الحوفي، في مؤلفه "الفكاهة في الأدب: أصولها وأنواعها"، فإنه بانتهاء الثورة خرج البابلي صفر اليدين، لأنه أهمل إدارة أملاكه وثروته فرهنت أراضيه في البنك، وبينما الأمر كذلك حضر حفلاً يغني فيه أغنية "أهل الملاح والسماح فين أراضيهم"؟ وجعل يكررها، فصاح ساخراً: "في البنك العقاري يا أخي".

ويذكر شوقي ضيف، في مؤلفه "الفكاهة في مصر"، أن هذا المطرب كان صالح عبد الحي (1896 - 1962).

ووسط ما يحدث في القاهرة، نشأت الأحزاب، وانقسم الناس حول سعد زغلول وعدلي يكن، وكانوا يطلقون على أنصار الأول كلمة "سعدست"، وعلى أنصار الآخر كلمة "عدلست"، وسأل بعضهم محمد البابلي بعد أن أصبح الثوار في السلطة، على سبيل الفكاهة: "قل لي يا محمد، أنت عدلست ولا سعدست؟، فأجاب في مراراة: أنا فلست!"، وفقا لأحمد فؤاد أمين في كتابه "ظرفاء القرن".

في ضيافة الشيخ محمد عبده

جانب آخر من حياة البابلي يحكي عنه أنور الجندي، في مؤلفه "تطور الصحافة العربية في مصر". يقول: "لقد اشتهر الشيخ محمد عبده مع علمه بأنه كان يحب التفكهة ويقرب إليه رجال الفكاهة حتى كان يرسل كثيراً إلى المرحوم الشيخ البابلي ويجمع بينه والمرحوم حافظ إبراهيم الشاعر، حيث يتألف من جماعتهم مجلس فكاهة يأنس إليه الشيخ ويستروح".

وكان الشيخ محمد عبده (1849–1905) مفتي الديار المصرية، وله مكانته العلمية في مصر آنذاك، ما يعني أن البابلي ذاع صيته في القاهرة، حتى أنه كان مقرباً من المفتي نفسه، ويحضر مجلسه.

وربما الأمر الذي أثر سلباً على شهرة البابلي، على عكس معاصريه من الأدباء والشعراء، على رأسهم صديقه حافظ إبراهيم، أنه لم يترك لنا أثراً نتذكره به، من ديوان أو كتاب أو نحوه، وإنما ذهبت النكتة برحيله عام 1924، ولم يتبقَّ منها إلا القليل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard