"قبل أن يستبدل اسمها باسم آخر"... المسرح الفلسطيني قبل النكبة

الخميس 22 يوليو 202103:53 م

احتفاءً باليوم العربي للمسرح، صدر عن وزارة الثقافة الفلسطينية كتاب "المسرح في فلسطين قبل النكبة"، لسيد علي إسماعيل، وهو باحث وأستاذ الأدب المسرحي في جامعة حلوان، اشتغل في كتاباته على تأريخ المسرح في مصر تحديداً، والمنطقة العربية عموماً، وله مؤلفات وأبحاث متنوعة.

يعدّ هذا الكتاب مادة مرجعية لكل فرد مهتم بالمسرح و/أو بفلسطين، إذ قام د. اسماعيل بجهدٍ كبير، منقّباً في أرشيف الصحف منذ بدايات القرن العشرين. في مقدّمة كتابه، يذكر إسماعيل أن أهم أهداف هذا الكتاب ترتكز على عملية توثيق، تشكل دليلاً قاطعاً لا لبس فيه حول "وجود دولة طبيعية تُدعى فلسطين، عاشت حياة طبيعية قبل أن يُستبدل اسمها باسم آخر، وشعبها بشعب آخر، وثقافتها بثقافة أخرى، ومسرحها بمسرح آخر لا علاقة له بفلسطين".

مسرح في المقاهي والمدارس والجمعيات الدينية

قُسّم الكتاب الى عدة أبواب لمقاربة المسرح الفلسطيني الذي كان للمقاهي حصة في احتضانه من ناحية، والذي نما على جهود الجمعيات الدينية تحديداً، وهي تندرج كما يلي: المقاهي المسرحية، هواة المسرح، نشاط الجمعيات المسرحية، المسرح في المدارس ونشاط النوادي المسرحية.

يذكر إسماعيل أن المسرح الفلسطيني برمّته بقي هاوياً حتى عام 1948 وكان أداةً ريعية، يُقصد من خلالها جمع التبرعات والمساعدات المالية. بهذا المعنى كان هذا العمل الخيري يجمع أهالي المدن الفلسطينية، وأصبح مع الوقت يحتل مكانةً لا يستهان بها في يوميات الناس، بحيث عكست الخشبة وأحداثها المناخ السياسي منذ عام 1910، وكانت تبدلات ذائقة الجمهور لصيقة بتبدل أحوال المجتمع، وكان العرض يسمى بـ"الرواية" بدل "المسرحية" حيث راجت عبارة "المرسح" بدل المسرح.


الصورة من كتاب المسرح الفلسطيني قبل النكبة لمؤلفه الدكتور سيد علي الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام  ٢٠٢١ بطبعته الأولى

لافت في هذا الكتاب ارتباط المسرح بالجمعيات والنوادي الدينية والتي كان أنشطها "جمعية الشبان المسلمين" التي انتشرت أعمالها في أغلب المدن الفلسطينية منذ عام 1927، وتحديداً في يافا وغزة وحيفا والقدس. وكان لكل من "الجمعية الخيرية الأرثوذكسية" و"نادي الشبيبة الأرثوذكسية" و"جمعية الشبيبة المارونية"، أعمالها المسرحية الخاصة. 

وفقاً لوثائق الصحف التي تفحصها إسماعيل بعناية، ليس من الممكن الجزم بشكل قاطع تأثير انتماء هذه الجمعيات على خيارات النصوص وتيمات العروض، ولكن يبدو أن هناك ميلاً في جمعية الشبان المسلمين للتركيز على مسرحيتي "صلاح الدين" و"واقعة حطين" ومسرحية "سبيل التاج" التي يتخللها مونولوجات وطنية انتقادية.

كما يلاحظ أن بعض الجمعيات، كجمعية التمثيل المقدسية (the Jerusalem Dramatic Society) التي قدمت عدداً كبيراً من أعمال شكسبير والتي كان يقوم بتمثيلها مجموعة من السيدات والرجال الإنكليز، وكانت بعض العروض برعاية المندوب السامي، ولم يكن مستغرباً آنذاك أن يكون حاكم القدس، السيد كيث روش، ممثلاً في إحدى المسرحيات.

الصورة من كتاب المسرح الفلسطيني قبل النكبة لمؤلفه الدكتور سيد علي الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام  ٢٠٢١ بطبعته الأولى

يذكر إسماعيل أن المسرح كان ناشطاً في غزة منذ عام 1911، وقد عرفت هذه المدينة ازدهاراً فكرياً بحيث نشرت جريدة فلسطين مقالاً بعنوان "نهضة غزة الأدبية"، وقد تمّ تقديم عرض "هاملت" لشكسبير وهو عمل "لم يسبق له نظير في المدينة".

أهم أهداف كتاب"المسرح في فلسطين قبل النكبة" تشكيل دليل قاطع لا لبس فيه حول "وجود دولة طبيعية تُدعى فلسطين، عاشت حياة طبيعية قبل أن يستبدل اسمها باسم آخر، وشعبها بشعب آخر، وثقافتها بثقافة أخرى، ومسرحها بمسرح آخر لا علاقة له بفلسطين"

ومن طرائف الجمعيات، وجود جمعية تدعى "جمعية منع المسكّرات" التي ظهرت في القدس منذ عام 1912، والتي كانت تهدف الى التوعية من مضار الخمور. بقيت هذه الجمعية ناشطة لفترة من الزمن اذ تظهر الوثائق أنها قدمت مسرحية "عطيل" عام 1933، وكانت مسرحية شكسبير تتبعها رواية أخرى ذات فصل واحد موضوعها "عواقب القمار"، يليها حفلة طرب للأستاذ يحيى أفندي السعودي.

الحيز السياسي والصراع الفلسطيني الإسرائيلي

تبدو ملامح المناخ السياسي ظاهرة في يوميات المسرح الفلسطيني قبل النكبة وإن لم يفتح الكتاب المجال للتعمق في البعد السياسي: من الممكن البدء من "جمعية الاتحاد والترقي" العثمانية، التي، وفقاً للكاتب، كانت تُعدّ من أشهر الجمعيات في فلسطين والتي تمّ الإشارة الى أن عروضها كان يقوم بتمثيلها ضباط أعضاء الجمعية المذكورة وحيث تمّ عرض رواية "كيف جرى". 

الصورة من كتاب المسرح الفلسطيني قبل النكبة لمؤلفه الدكتور سيد علي الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام  ٢٠٢١ بطبعته الأولى

عرضت الجمعية في القدس عام 1909 "ليلة حافلة زاهرة" باللغة التركية، وبحضور والي الشام، كما قدمت عدة حفلات تحث الأهالي على مساعدة الأسطول العثماني، عدا عن أرشيف الصحف التي نقلت مضامين بعض الخطابات التي توالت خلال العروض، والتي ركزت على موضوع المناداة بالحرية وقتل الاستبداد تارةً والقيم الوطنية تارةً أخرى، يذكر الكتاب سعي منظمي العروض لدعم الأسطول العثماني دون التوسّع في هذا الأمر.

وقد عُرف عن "جمعية الاتحاد والترقي" المناداة بالقومية التركية، وتذكر جريدة القدس في إعلان عن رواية (مسرحية) "فتاة الدستور" ما يلي: "تمثل الرواية الحماسية الوطنية لجنة من جمعية تعاون العمال الإتحادية مساء الأحد القادم على مرسح المعارف..."، وطلب من الجمهور مساعدة "الجمعية في مقاصدها النبيلة، فيشاهد تمثيل رواية جديرة بأن يقف على تفاصيلها كل وطني صادق".

يذكر كتاب "المسرح في فلسطين قبل النكبة" أنّ المسرح الفلسطيني برمّته بقي هاوياً حتى عام 1948 وكان أداةً ريعية، يُقصد من خلالها جمع التبرعات والمساعدات المالية

قد تثير كلمة وطني في السياق الفلسطيني تساؤلات عديدة: ما المعني بالوطني من منظور جمعية الإتحاد والترقي وما هي تماسات هذا المعنى مع السلطنة العثمانية ومع الفلسطينيين المحليين من ناحية أخرى وكيف يمكن ربط عبارة "وطني" والخطابات التي تلت عرض هاملت مع فكرة الهوية الفلسطينية آنذاك.

حملت كلمة "وطني" تأويلات متعددة على امتداد مساحة الكتاب، فأحياناً كان تعريف الوطني لصيقاً بالقومية العربية ومعاداة الغرب والاستعمار، ويُذكر هنا حادثة مسرحية "التنين والشعب الهائج" التي عُرضت بالإنكليزية، والتي أثارت حفيظة "قرينة سعادة القائم بشؤون إدارة حكومة فلسطين المستر سايمس" التي غادرت القاعة غاضبةً، حين ألقى أحد التلامذة خطاباً رأت فيه تحاملاً على الغربيين.

استدعى هذا الأمر حضور مدير بوليس القدس يصحبه عدد من الضباط، طالبين رؤية النص المذكور كي يطلع عليه مستر سايمس. تبع ذلك كتاباً أرسله كيث روش، أسف فيه أن الخطاب المذكور ليس خطاباً مدرسياً، وأنه يخرج عن الغاية التعليمية وقرر الامتناع عن حضور. احتجت إدارة المدرسة على قرار الامتناع ووجدته مهيناً، سيّما وأن الخطاب المذكور "لا يوجد فيه شيء سياسي، وإنما هو يحض على طلب العلم ويظهر عاطفة نحو محبة الوطن والقومية العربية...".

ارتبط مصطلح "الوطنية" بشكل أخص بالمقاطعة التي تظهر أن الصراع العلني على استملاك الأراضي وعملية تغيير وجهة فلسطين قد سبقا عام النكبة بسنوات مديدة، وهنا تبدو صور الإعلانات التي جمعها وأتاحها إسماعيل لقارئه مهمة جداً، إذ تُظهر حجم الاصطدام الحاصل منذ أوائل الثلاثينيات. لأجل ذلك أيضاً، قرّر الفلسطينيون إقامة المعرض العربي في القدس لتشجيع الصناعات الوطنية عام 1933، وقد تمّ تقديم مسرحية "مجنون ليلى" لأحمد شوقي.

الصورة من كتاب المسرح الفلسطيني قبل النكبة لمؤلفه الدكتور سيد علي الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام  ٢٠٢١ بطبعته الأولى

يذكر إسماعيل حادثة حصلت في مدرسة "دار الأيتام"  الإسلامية الصناعية في القدس، حيث تمّ عرض مسرحية تدعى "ابن فلسطين البار" والتي تتطرّق حبكتها بشكل مباشر الى موضوع المقاطعة، اذ تعمل الشخصية الرئيسية في محل أجنبي. بعد طرده لابنه وزوجته وخادمه الذين اعترضوا على الأمر، بدأ يرى كوابيساً في الليل، الأمر الذي دعاه ألا يتعامل إلا مع المحلات الوطنية، وأن يبذل ماله ودمه في سبيل الوطن".

يذكر "المسرح في فلسطين قبل النكبة" أنّ المسرح كان ناشطاً في غزة منذ عام 1911، وقد عرفت هذه المدينة ازدهاراً فكرياً بحيث نشرت جريدة فلسطين مقالاً بعنوان "نهضة غزة الأدبية"، وقد تمّ تقديم عرض "هاملت" لشكسبير وهو عمل "لم يسبق له نظير في المدينة"

كما كانت ثورة البراق حاضرة في معظم فصول الكتاب. وأشار إسماعيل الى فرقة كشافة أبي عبيدة والتي تعد "أهمّ فرقة فنية متجولة في تاريخ فلسطين"، والتي تكونت "لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية في ثلاثينيات القرن الماضي"، والتي تعرّض أحد أفرادها للطعن من قبل شاب صهيوني أثناء تقديم الفرقة لعمل فني في مدينة نابلس.

وقد نشرت جريدة "مرآة الشرق مقالاً مطوّلاً حول هذا الأمر.  وقد طالت قضية مقاطعة المؤسسات الصهيونية أيضاً الفرق المسرحية المصرية التي دأبت على تقديم عروضها في فلسطين منذ عام 1912.

فرق مصرية على امتداد مدن فلسطين

في القسم الثاني من الكتاب، سيتعرف القارئ على الفرق المصرية التي قدمت عروضها بشكل شبه دوري في فلسطين. أهم الفرق التي كان لها زيارات عديدة الى فلسطين هي فرقة سلامة حجازي وجورج أبيض، وفرق نجيب الريحاني، أولاد عكاشة ومنيرة المهدية، ويوسف وهبي وفاطمة رشدي وببا عزالدين وغيرهم.

جدير بالذكر أن هذه الزيارات كانت شبه عرفٍ سنوي، نتيجة اشتداد الحر في مصر، بحيث تقوم الفرق المسرحية بجولات تضم ما يزيد عن الخمسين ممثل وممثلة، وتمتد لأشهر في بلاد الشام، للتخلص من كساد الموسم المسرحي في الصيف في مصر.

وثق الكتاب لأحداث وطرائف لها مؤشرات عديدة حول سياسات التلقي العابرة للحدود لدى الجمهور، وحول تبدل الذائقة الفنية أحياناً أو تداعيات الأزمة المالية العالمية التي أدّت الى إلغاء بعض الحفلات، ومنها منع دخول نجيب الريحاني الى فلسطين، وذلك "رغبةً من البلاد في حماية أهلها من إنفاق أموالهم على مشاهدة التمثيل". 

ومن الأحداث المهمة التي تشير الى حضور المسرح كمكوّن له تأثيره على الجمهور هو حادثة سلامة حجازي في مدينة يافا، حيث كان الجمهور ينتظر حضور الشيخ في مسرحية "لويس الحادي عشر" دون حضور الأخير بسبب مرضه.

ما أدى الى اعتراض الجمهور الشديد الذي لم تقنعه محاولات أعضاء الفرقة بالعودة في اليوم التالي، حيث سيكون الشيخ حاضراً لتأدية الدور، فـ"أقاموا القاعة وأقعدوها" وظلّ الجمهور في المسرح لساعات، فما كان من أعضاء الفرقة الا أن ذهبوا الى الفندق في الساعة الثانية بعد منتصف الليل لإحضار الشيخ سلامة حجازي، نزولاً عند غضب الجماهير، ليكمل الأمسية. حادثة أخرى لها دلالاتها، هي قيام أحد أعضاء الجمهور، في عرض "ريا وسكينة" لنجيب الريحاني، بإطلاق النار على سكينة بعد أن قال: "دشّرها ولاك...العمى بعينتينك".

يقدّم كتاب "المسرح في فلسطين قبل النكبة" مادة دسمة لقارئه وتتركه نهماً لمعرفة المزيد ولطرح أسئلة متنوعة وعديدة. على سبيل المثال: كيف تعكس الممارسات المسرحية محاولات تشكيل الهوية الفلسطينية ومفهوم الوطن بظل تقسيم سايكس بيكو آنذاك؟

وقد كادت الطلقة أن تردي الريحاني حسب ما ذكر في مذكراته. شكّك إسماعيل بصحة القصة شاعراً بأنها قصة وهمية اختلقها الريحاني ليبرر فشل زيارته الأولى لفلسطين، معللاً أنه لم يجد خبراً واحداً عن هذا الحدث في الصحف.

الا أن هاتين الحادثتين لا تجزمان بشكل قاطع جماهيرية المسرح آنذاك، إذ تشير الوثائق أن منيرة المهدية امتنعت عن العرض عام 1927 بسبب قلة بيع التذاكر و"أضربت عن التمثيل"، فطلب مدير البلدية من السلطة العسكرية حراسة الفندق، فاستعانت منيرة المهدية بالسلطات الإنكليزية، وما إن تركت فلسطين حتى قضى زلزالٌ مروّع على المدينة.

يبدو بشكل عام أن المسرح كان له حضور مؤثر، بحيث صدرت بعض المقالات التي تندّد بأن المسرح يأخذ أموال الفقراء. من ناحية أخرى، بقيت اتهامات عدم الوطنية تلاحق بعض الفنانين المصريين الذي اتهموا بتقديم عروض لدى جهات اتهمت أنها صهيونية، ومن هؤلاء يوسف وهبي.

يُعدّ هذا الكتاب مرجعاً أساسياً كونه يقدّم جردة نادرة للممارسات المسرحية الفلسطينية قبل عام 1948. وإن تمّ نزع السياقات والأبعاد السياسية عن معظم الأحداث، وبالرغم من أنه تمّ الاكتفاء بالإشارة الى بعضها، يمهدّ هذا "النبش" البحثي الضخم في أرشيف الصحف العربية لمئات من الأبحاث والموضوعات التي قد تغني المكتبة المسرحية العربية.

يقدّم هذا الكتاب مادة دسمة لقارئه وتتركه نهماً لمعرفة المزيد ولطرح أسئلة متنوعة وعديدة. على سبيل المثال: كيف تعكس الممارسات المسرحية محاولات تشكيل الهوية الفلسطينية ومفهوم الوطن بظل تقسيم سايكس بيكو آنذاك؟ ما هو حجم حضور الممثلين والممثلات اليهود في الفرق العربية،  وماذا عن الفرق المسرحية اليهودية وعروضها واحتمالات تماهيها أو انزياحاتها عن الأيديولوجيا الصهيونية؟

ماذا عن الذائقة التمثيلية المهيمنة آنذاك، خاصةً وأن هناك امتعاضاً من أحد النقاد لدى قيام أحد الممثلين بتمثيل عدة أدوار، وبالإشارة الى بئر رغم عدم وجوده وهذا يعد عملاً برختياً بامتياز؟ ماذا عن فصل العروض بين عروض مخصصة للإناث وعروض مخصصة للذكور؟ وغيرها من الأسئلة التي شرّع لها الأبواب د. إسماعيل ونبشه البحثي في الأرشيف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard