"خُط الصعيد"... أشهر مجرمي مصر الذي دوّخ ثلاث حكومات

الأحد 18 يوليو 202111:00 ص

يبدو كتاب "أفيون وبنادق" للكاتب والمؤرخ الراحل صلاح عيسى، تأريخاً أدبياً موثقاً لظاهرة "أولاد الليل" التي عرفتها مصر منذ عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، وحتى عهد قريب، كظاهرة حظيت - رغم إجرامها- بتعاطف المصريين أحياناً، الأمر الذي يُخرج الكتاب عن السياق الرسمي السائد في التأريخ للعصابات الإجرامية في البلاد.

الكتاب خارج أيضاً، بمعنى ما، عن سياق نظريات علم الإجرام التقليدي، بل هو يدحض بقوة نظريات العالم الإيطالي الشهير تشيزري لومبروزو (1835- 1909)، صاحب نظرية "الرجل المجرم"، التي تؤكد أن الشخص الجانح يولد مجرماً، بفعل عوامل وجينات وراثية لا يد له فيها، تتجسد - رغماً عنه- في كل تصرفاته، وحتى في ملامح وجهه ذات "الطابع الإجرامي".


لكن للكتاب رأياً آخر، حيث يرصد "عيسى" كيفية تحوّل الشخص العادي المسالم من حَمل وديع إلى ذئب كاسر، بفعل عوامل اجتماعية محضة، قد تفرضها عليه الحياة فرضاً دونما إرادة منه، فنحن - وفق الكاتب- لا نُولد أبداً "مجرمين بالفطرة"، بل قد تدفع الظروف الحياتية القاهرة بعضنا إلى أن يصبح في النهاية جانحاً، وخارجاً عن القانون.

 كتاب "أفيون وبنادق" للكاتب الراحل صلاح عيسى، تأريخ أدبي موثق لظاهرة "أولاد الليل" التي عرفتها مصر منذ عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، والتي حظيت - رغم إجرامها- بتعاطف المصريين أحياناً

كتاب "أفيون وبنادق: سيرة سياسية واجتماعية لخُط الصعيد الذي دوّخ ثلاث حكومات"، الصادر مؤخراً عن دار "المحروسة" في القاهرة، يتناول ظاهرة العنف الجنائي والسياسي الذي ساد مصر خلال الأربعينيات من القرن الماضي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويترجم لسيرة أشهر واحد من أشهر المجرمين في التاريخ المصري الحديث، وهو محمد محمود منصور، أول من حمل لقب "خُط الصعيد"، والمجرم الذي أراق دماء نحو 30 شخصاً في مدة قياسية، وكان بارعاً في التنكّر والتخفي عن أعين الشرطة، فأحرج عدة حكومات مصرية قبل ثورة 23 يوليو 1952.

ظاهرة "الخُط" المرعبة

كان عيسى، الذي ترأس تحرير صحيفة "القاهرة" لسان وزارة الثقافة المصرية نحو 10 سنوات، باحثاً دؤوباً عن "المسكوت عنه" في تاريخ مصر المعاصر، وكاتباً مفارقاً للمواضعات الثقافية والنظريات السائدة. وهو من أكثر الكُتاب العرب موهبة واطلاعاً في مجال الـتأريخ الاجتماعي والسياسي، فقد كان في استطاعة الرجل الذهاب إلى "دار المحفوظات العمومية" يومياً، من التاسعة صباحاً وحتى وقت انتهاء دوام موظفي الدار، لكي يراجع - بلا كلل- آلاف القصاصات الرسمية والوثائق القديمة عن حادث معين، مثل اغتيال البطل الشعبي المشهور أدهم الشرقاوي، ويخرج من وراء ذلك التنقيب بمعلومات مناقضة تماماً للمتخيّل المحكي، ويؤكد أن "أدهم" لم يكن بطلاً بأي معنى، بل كان مجرد مجرم وقاطع طريق.

ونُشر كتاب "أفيون وبنادق" لأول مرة على حلقات عام 1979 في مجلة "23 يوليو"، التي كان يُصدرها الكاتب الراحل محمود السعدني في العاصمة البريطانية لندن، وكان عيسى أحد أهم كُتابها، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، فقد كان الرجل يستقصي في كتاباته الجريئة وقائع اجتماعية وسياسية حقيقية، ويرصد، بدأب المؤرخ، كل تفاصيلها الدقيقة، ومن ثم يحوّلها بقلمه، من مجرد أوراق رسمية مهملة اصفّر لونها بفعل الزمن، إلى قطعة فنية فريدة من الأدب الخالص، أشبه ما تكون بفيلم وثائقي مصنوع بحرفية وشغف.

تمكنت "فرقة الموت" من القضاء على الخُط، حيث لقيّ مصرعه في 6 أغسطس/ آب عام 1947، بعد معركة بالرصاص مع الشرطة ورجال العُمدة، حمدي خليفة، أحد خصومه، استمرت نحو 3 ساعات. وأُسدل بذلك ستار النهاية على واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ مصر الحديث

يتساءل المؤلف في مقدمة الكتاب: "ما هي بالضبط اللحظة التي تحوّل (خُط الصعيد) أثناءها مـن إنسان سويّ تماماً، وعادي، يأمن له الناس، ويبادلونه تلك المشاعر العادية بين الإنسان والإنسان- إلى كائن يبادله الآخرون مشاعر غريبة، مشاعر لا تكون إلاّ بين الإنسان والوحش؟".

ويضيف أن: "المشاعر العادية ليست دائماً حباً، إنهـا قـد تكون كراهيةً، أو حقداً، أو لا مبالاة؛ لكنهـا تظل في إطار العلاقة بين الإنسان والإنسان، بمعنى أن طرفيهـا يتبادلان علاقات (بشرية) بين اثنين ينتميان لنفـس النـوع، لكـن (خُط الصعيد) الأول خلـق بينـه وبين الآخرين نوعاً غريباً مـن العلاقة، طرفاها: التجبّر كوحش مـن ناحيته، والخـوف الغريب مـن ناحية الناس، وهكـذا تعامل الناس معه كما لـو كانوا يتعاملون مع (كائن)، لا ينتمي لدنيا البشر، يخافونه أبلغ ألوان الخوف، ويرهبون مجرد ذكـر اسـمه، ويتعاملون معه كظاهرة مرعبة مـن ظواهر الطبيعـة؛ لا يستطيعون لها صدّاً، ولا يقدرون على مواجهتها".

وُلد منصور في قرية درنكة القديمة بمحافظة أسيوط، مطلع القرن الماضي، ولقي مصرعه خلال تبادل لإطلاق النار مع الشرطة في أواخر الأربعينيات، ولم يكن قد بلغ من العمر 40 عاماً بعد، لكنه بات أشهر مجرم في تاريخ البلاد، وأول مجرم يحصل على لقب "الخُط"، الذي يعود إلى لقب عائلته "الخُت"، وجرى بعد ذلك تحريفه إلى "الخُط". وهو نفس اللقب الذي أُطلق فيما بعد على عدد كبير من عُتاة المجرمين، كان آخرهم "نوفل" خُط محافظة قنا.

ويقول عيسى إن بطل الكتاب كان لدى مولده صبياً عادياً، مثل كل صبية صعيد مصر من ضحايا الفقر والجهل والمرض، وقتها. ولم يلاحظ عليه أحد من الناس أي ميول إجرامية في صباه المبكر أو شبابه. وكان جده من حفظة القرآن الكريم، وفقيها في الدين، وتلقى الخُط على يديه تعليماً أولياً، فأجاد القراءة والكتابة، كما حفظ بعض قصار السور، لكي يضمن له أهله أن يسلك طريق الزراعة فلاحاً متعلماً، وقد كان.

كان "الخُط" في طفولته صبياً عادياً غير أنه لقي اضطهاداً من شيخ الخفراء في قريته ما دفعه لارتكاب أول جريمة في حياته... خُط الصعيد، أشهر مجرمي مصر

غير أن الفتى منصور لقي عنتاً واضطهاداً من شيخ الخُفراء في القرية، بسبب التنافس على أسبقية الري، فتعدى عليه هذا بالضرب أكثر من مرة، وصفعه على وجهه، وهدده بأنه "سيموت هدراً"، أي بلا طائل، لأن شيخ الخفر فوق مستوى الشبهات باعتباره أحد رجال الحكومة، ما دفع منصور إلى ارتكاب أول جريمة في سجله الإجرامي، فقتل نجل شيخ الخفراء انتقاماً منه، وهرب إلى الظهير الصحراوي لقريته، حيث التحق بـ "مطاريد الجبل" من الخارجين على القانون، وصار زعيم عصابة صغيرة، مارست أعمال السلب وتجارة مخدر الأفيون على نطاق واسع.

ولأن لكل فعل انتقامي في الصعيد رد فعل، ربما يكون أشد قسوة ودموية، قتل شيخ الخفراء وأقربائه أحد أعمام "منصور" ثأراً لمقتل نجله، فما كان من "الخُط" إلاّ أن هبط من الجبل مع أعوانه فقتلوا 12 شخصاً من عائلة الخصم دفعة واحدة، ولاذوا بالفرار.

وعلى عكس نظرية لومبروزو التي تؤكد أن الإجرام ينعكس غلظةً وقبحاً على ملامح المجرمين، بحيث يبدو الجنوح جليّاً على صفحات وجوههم، كان المجرم الشاب "منصور" وسيماً، أشقر الشعر أزرق العينيّن، وهو ما مكنّه من التنكر في زي الأجانب أحياناً، وفي ملابس الشرطة أحياناً أخرى، وجعل من القبض عليه مهمة شبه مستحيلة.

ووفق الكتاب، كان منصور شخصاً بالغ الذكاء، واسع الخيال، يتمتع بحس فكاهي رغم جرائمه الدموية، وهو ما جعل الناس في صعيد مصر وقتها تتناقل بشغف حكاياته المثيرة، فقد دخل ذات مرة دار سينما في المدينة بمفرده، وجلس في الصالة شبه المظلمة بجانب مأمور شرطة أسيوط. والأنكى من ذلك، وفق الحكاية الشعبية، أنه أشعل سيجارة للمأمور الذي لم يعرفه. ثم بعث له برسالة مكتوبة في اليوم التالي، أخبره فيها أنه هو الذي أشعل له السيجارة في السينما، متهماً المأمور بأن "غفلته" هي السبب في عدم القبض على واحد من أخطر المجرمين!

فرقة الموت

كان الشاعر عزيز أباظة، هو مدير أمن أسيوط وقت وقوع جرائم "الخُط" المروعة. وينقل صلاح عيسى عن عدد مجلة "المصور" الصادر في 28 يوليو/ حزيران 1947، خبراً هذا نصه: "خلال الاحتفال بعيد ميلاد جلالة الملك فاروق السابع والعشرين، وفيما كان الملك يصافح المدعوين من كبار الشخصيات، جاء دور صاحب السعادة عزيز باشا أباظة، مدير مديرية أسيوط، فبادره الملك بعبارة ذات مغزى خاص فهمه الشاعر الكبير، إذ قال له الملك: يا عزيز باشا، (الحظ)، بنقطة فوق الخاء ولا نقطة فوق الطاء؟! وكان ظاهر العبارة أن الحظ يلازم الخُط، الذي كانت أخباره ملء السمع والبصر. لكن المعنى المبطن هو فشل مدير المديرية في القضاء على الخُط، ونوع من اللوم في ثنايا الدبلوماسية الملكية".

ويحكي المؤلف واقعة ذات دلالة على مدى الرعب الذي أحدثه خُط الصعيد في قلوب معاصريه، بما في ذلك رجال الشرطة أنفسهم، قائلاً: "حدث في أحد الموالد الشعبية التي أُقيمت في دائرة نُقطة البوليس، أن نزل الخُط ورفيقه أبو الصالحين يتفرجان، في أثناء تجوالهما صادفهما ضابط نُقطة الشرطة وجهاً لوجه، فما إن وقع نظر الضابط على الخُط حتى أُرتج عليه، وارتجفت أوصاله، واصفرّ وجهه، ثم سقط مغشيّاً عليه. ولمّا أُسعِف تبيّن أنه أصيب بشلل نصفي!".

وأحدثت جرائم الخُط ضجة كبيرة في مصر وقتها، وصار الناس يتبادلون أخباره في كل مكان، خاصة بعد أن وصل عدد ضحاياه إلى أكثر من 25 قتيلاً، فصدر على إثر ذلك قرار من وزير الداخلية، قضى بتشكيل فرقة خاصة لملاحقته من شرطة مركز منفلوط، بقيادة البكباشي محمد سعيد هلال، كانت مهمتها هي ملاحقته في كل مكان، والقبض عليه حياً أو ميتاً، بعد أن أرعبت جرائمه الرأي العام، لذلك أُطلق عليها اسم "فرقة الموت".

أحدثت جرائم الخُط ضجة كبيرة في مصر، وصار الناس يتبادلون أخباره بعد أن وصل عدد ضحاياه إلى أكثر من 25 قتيلاً، فصدر على إثر ذلك قرار من وزير الداخلية، قضى بتشكيل فرقة خاصة لملاحقته من شرطة مركز منفلوط أُطلق عليها اسم "فرقة الموت"

وأحدثت جرائم الخُط ضجة كبيرة في مصر وقتها، وصار الناس يتبادلون أخباره في كل مكان، خاصة بعد أن وصل عدد ضحاياه إلى أكثر من 25 قتيلاً، فصدر على إثر ذلك قرار من وزير الداخلية، قضى بتشكيل فرقة خاصة لملاحقته من شرطة مركز منفلوط، بقيادة البكباشي محمد سعيد هلال، كانت مهمتها هي ملاحقته في كل مكان، والقبض عليه حياً أو ميتاً، بعد أن أرعبت جرائمه الرأي العام، لذلك أُطلق عليها اسم "فرقة الموت".

وتمكنت هذه الفرقة من القضاء على الخُط، حيث لقيّ مصرعه في 6 أغسطس/ آب عام 1947، بعد معركة بالرصاص مع الشرطة ورجال العُمدة، حمدي خليفة، أحد خصومه، استمرت نحو 3 ساعات. وأُسدل بذلك ستار النهاية على واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ مصر الحديث، تلك الصفحة التي تؤكد أنه لا أحد يُولد "مجرماً بالفطرة"، وأن الإجرام هو - في النهاية- محصلة ظلم اجتماعي، قد يتحوّل بسببه شخص ما من حمل وديع إلى ذئب مفترس.

قدّم عيسى، في الكتاب، شكلاً جديداً من أشكال كتابة التاريخ، جمع بحرفية بالغة بين مزايا الكتابة التاريخية الأكاديمية، من حيث الدقة، ومقارنة حكايات شهود العيان ببعضها بعض، وبين جمال "الحدوتة" واستخدام بعض تقنيات الرواية كالفلاش باك وغيرها، ليحقق لقارئه واحداً من أهم عناصر الكتابة العربية المفقودة، وهو عنصر الإمتاع.

والكتاب، في التحليل الأخير، سيرة اجتماعية وسياسية واقتصادية لأحد الجوانب المظلمة في تاريخ مصر خلال تلك الفترة، مع التركيز على ظاهرة "أولاد الليل" الباحثين عن نهار تُردّ فيه المظالم، "أبيض على كل مظلوم، أسود على كل ظالم"، كما تقول العبارة الشعبية الشائعة. ويبحث المؤلف عن نشأة هذه الظاهرة، وعلاقتها بالسياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقتها.

كما يمكن اعتبار الكتاب، بشكل ما، دراسة ميدانية عن أسباب انتشار السلاح وأسباب الفقر المدقع في الصعيد، والأسباب الاجتماعية التي جعلت "الشخصية الصعيدية" مختلفة عن غيرها، ثم الطبيعة الجغرافية للمكان ودورها في دعم عصابات "أولاد الليل"، التي كان لها - رغم إجرامها- ظهير شعبي، وعلاقة أعيان وأثرياء الريف بهذه العصابات، وموقف الأحزاب السياسية منها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard