رمسيس مرزوق... جُمجمة أدخلته التصوير وأنتجت 100 فيلم

الجمعة 6 أغسطس 202110:16 ص

"إننا نقضي وقتاً طويلاً من حياتنا الواعية محاطين بالصور الفوتوغرافية المتحركة، التي أصبحت تحتل موقعاً محورياً في تجاربنا، حتى أنه من غير المعتاد أن يمضي يوم واحد دون التعرض لهذه الصور المتحركة". "دافيد كوك، تاريخ السينما الروائية، ترجمة أحمد يوسف".

ليس من المصادفة أن تعرف السينما في بدايتها بـ "فن الصور المتحركة"، فبرغم تعدد عناصر العمل السينمائي واندماج وسائطه بين السمعي والمرئي؛ تبقى الصورة بمثابة الباب الرئيسي للولوج إلى عالم الفيلم؛ لاسيما وقد كان الفيلم في البداية يُنسب للمصور الذي كان يقوم بدور المخرج ضمنياً، متأثراً بالحركة الخاصة بالمسرح؛ حيث المنتصف تماماً هو أنسب مكان للرؤية، لذلك بقيت الكاميرا ثابتة، يتوالى عليها الممثلون داخل كادر واسع وضعت في منتصفه، ولم تُعرف وظيفة الإخراج السينمائي سوى بتحريك الكاميرا.

وبقي المصور العين الفعلية التي ترى المشهد، فيما تتخيله عين المخرج ضمنياً وهو لايزال على الورق، لذلك استحق أن يكون حارس الباب البصري للسينما. وعبر قرن وربع، سجّل تاريخ التصوير السينمائي عدداً من الحرّاس لهذا الباب، أُطلق عليهم اسم "المصورين" أو "مديري التصوير"، من بينهم المصري رمسيس مرزوق، الذي غادر عالمنا في الثاني من يوليو الجاري، بعد شهر واحد من بلوغه الثمانين.

لقبوه بـ"ساحر السينما" وأطلق عليه مدير التصوير الكبير سعيد شيمي "قديس التصوير"، على الرغم من أن حلمه الأول في فترة الشباب كان يبتعد كثيراً عن تلك الغاية، إذ أراد أن يكون عالم ذرة، وإثر الرسوب المتكرر في لغتي "الإنجليزية والفرنسية"، قرّر العدول إلى كلية الفنون التطبيقية، ليكون على موعد مع جمجمة بشرية فتحت له آفاق من التصوير، تلوّنت وتشكلت على مدار ما يقارب نصف قرن، كان نتاجها مائة فيلم.

"ساحر السينما" و"قدّيس التصوير"، رمسيس مرزوق، جاء من التصوير الفوتوغرافي وصور 100 فيلم، قبل أن يرحل في 2 تموز/يوليو الجاري

في حلقة سابقة من برنامج "المشهد – البي بي سي 2018"، يحكي مرزوق عن بداية رحلته مع التصوير وهو طالب في كلية فنون تطبيقية، تُعلن وزارة الداخلية عن مسابقة في التصوير حول مكافحة المخدرات، أحضر الشاب مرزوق جمجمة بشرية مصنوعة ووضع بجوارها "جوزة" وسجل اللقطة التي حازت على الجائزة الأولى، واحتلت غلاف كتالوج المسابقة.

رمسيس مرزوق وسعيد شيمي

واظب مرزوق على حصد مرتبة الشرف طوال فترة دراسته بمعهد السينما فيما بعد، الأمر الذي جعل الرئيس عبد الناصر يكرمه وقتها، إلى جانب العديد من التكريمات، كان آخرها وسام الفروسية في الفنون من فرنسا.

قام أيضاً بتدريس التصوير والمشاركة في أكثر من مهرجان سينمائي، وشارك في حركة الثقافة السينمائية من خلال العديد من الندوات وحلقات النقاش مع شباب السينمائيين والمصورين، كما أصدر من مجلة "كاميرا" ثلاثة أعداد ثم توقفت مثل بقية التجارب المستقلة، والتي قال عنها: "إنها ثمرة إصرار عدد من محبي فن التصوير الضوئي وحرصهم على إصدار مجلة تنشر هذه الهواية بين القراء، وتغذي المهتمين والمختصين بالمعلومة والصورة والخبر على امتداد الوطن العرب".

زهور برية وزائر الفجر... لعبة البدايات

لم يكن رمسيس مرزوق وحده من يمارس التصوير لأول مرة في فيلم "زهور برية 1973 – إخراج يوسف فرنسيس"، فهذه هي التجربة الأولى للمخرج أيضاً، مثلما كان الأمر مع حسين فهمي في أولى بطولاته. بالنسبة لفرنسيس، طغت خلفيته التشكيلية على معظم تجربته السينمائية كمخرج، الأمر الذي أظهرته كاميرا مرزوق في بدايتها البكر؛ حيث المغايرة بمثابة الحافز الأول لرسم الكادر السينمائي.

يتجلّى ذلك بشكل أوضح في فيلم "زائر الفجر- ممدوح شكري 1973" من حيث تبنّي الكاميرا للكادرات المُغلقة التي تضم أكثر من شخصية في حيز ضيق، في معادل للتضيق السياسي الذي تعاني منه الشخصيات في حقبة السادات.

أنهى مرزوق عقد الثمانينيات بتصوير فيلم "سرقات صيفية" ليسري نصر الله، ليبدأ مرحلة تسعينية مع مجموعة من الأسماء، قدمت موجة "ما بعد جديدة" في تاريخ السينما المصرية والعربية أيضاً

في هذا العقد، تبرز ثلاث مفردات لوصف المُشكّل الجوهري لأسلوب مرزوق في التصوير "الليونة. التكيف. والتطويع"، بداية من فيلم "الطاووس – كمال الشيخ 1982"، "عصر الحب – حسن الإمام 1986"، "وصمة عار- أشرف فهمي" وغيرها من الأسماء الأخرى، وهي خليط متعدد من أساليب الإخراج ومن اللغات السينمائية المختلفة التي قد لا يحمل بعضها أسلوبية خاصة؛ باستثناء كمال الشيخ الذي تعاون معه أيضاً في فيلم "قاهر الزمن 1987" وهو من التجارب القليلة في الخيال العلمي، بمعايير تلك الفترة تحرّكت الكاميرا لخلق الإثارة ونجحت في ذلك إلى حد كبير.

يُنهي مرزوق العقد بتصوير فيلم "سرقات صيفية – يسري نصر الله 1988" ليبدأ مرحلة تسعينية مع مجموعة من الأسماء، قدمت موجة "ما بعد جديدة" في تاريخ السينما المصرية والعربية أيضاً؛ أمثال "رضوان الكاشف - ليه يا بنفسج 1993، وفي نفس العام "مرسيدس" لنصر الله، وقبلهما "شحاتين ونبلاء 1991" رائعة المخرجة أسماء البكري. وكلها تجارب مزجت الواقعية بالواقعية الجديدة، التجريب بالكلاسيكي، الفنتازي والرومانسي.

نتج عن هذه المباراة أيضاً تجارب تجارية بحتة، ابتعدت كثيراً عن تحقيق الجمالية البصرية لصالح التكنيك التسليعي، وهي الفترة التي شهدت ظهوراً متتالياً لمرزوق كممثل في بعض المشاهد السينمائية أو في الدراما التليفزيونية، وفي فوازير "زي النهاردة 1996".

مع يوسف شاهين... بين الفوضى والجنون

تعاون المخرج يوسف شاهين مع رمسيس مرزوق في أربعة أفلام، منها جزءان ضمن رباعية شاهين الذاتية؛ "اسكندرية كمان وكمان 1990، واسكندرية نيويورك 2004"، أما الفيلمان الآخران فهما "المهاجر 1994"، و"هي فوضى 2007"؛ آخر أعمال "جو" بمشاركة تلميذه خالد يوسف. وقد أشيع عن شاهين جنوح موضوعاته وأسلوبية الإخراج، بالإضافة إلى اختيار زوايا التصوير،.

لذلك لم يكن من السهل تحويل هذه الرؤية إلى صور متحركة، قادرة على تقديمها وتمثيلها ومشاركتها أيضاً في خلق جمالية بصرية للعمل، هنا تظهر الأهمية لمرونة الكاميرا وإحساسها المُتشكل وفق الحالة أو الشخصية ومكان التصوير، وهنا مكمن مهارة مرزوق في تصويره لأفلام شاهين.

نقلت كاميرا رمسيس مرزوق الحسّية في فيلم يوسف شاهين "المهاجر" دون فجاجة، حافظت على الحالة الشبقية مستفيدة من تاريخ طويل من البصريات المختلفة لعدة حضارات

تعرّض فيلم "المهاجر" إلى المحاكمة عقب عرضه، وكان الاتهام الرئيسي هو تناول قصة النبي يوسف بشكل مباشر وصريح، سيما وأن الأزهر حظر تجسيد الأنبياء والرسل والصحابة، إلا أن اتهاماً آخر أظنه كان مبعث الضجة ومحركها، يتمثل في علاقة الثلاثي "يوسف – امرأة العزيز- فرعون مصر" التي فاضت بالحسية -المبالغة أحياناً- وبخاصة في الإشارة إلى عجز الفرعون الجنسي، وتجسيد مشهد المراودة بين يوسف وامرأة العزيز، في صورة خالد النبوي ويسرا.

نقلت كاميرا رمسيس مرزوق تلك الحسية دون فجاجة، وتعاملت مع سقوف شاهين العالية بإدارة جمالية، حافظت على الحالة الشبقية مستفيدة من تاريخ طويل من البصريات المختلفة لعدة حضارات، كانت الفرعونية إحداها بالطبع. انتقل مرزوق في مشاهد الفيلم بين اللقطات الواسعة والمحدودة محتفياً بالجسد من منظور "تحتي" يتناغم مع من حوله من إكسسوار وخلافه، وفي نفس الوقت يُظهر أحجام الشخصيات الحقيقة الضمنية والمعنوية.

في "اسكندرية كمان وكمان" ظهرت قدرة الكاميرا الشقية، على ملاحقة انتقالات المخرج الكثيرة بين الواقعي والفانتازي وقليل من الاستعراض، داخل عوالم من الهواجس الذاتية الممزوجة من الرغبة والحلم والخوف أحياناً. فغلبت الكادرات المفتوحة على بعض المشاهد لتضخيم مأساة البطل، ولكن بألوان من الكرنفالية البصرية الساخنة والباردة.

قديس التصوير... صديقي الغالي

"قديس التصوير.. صديقي الغالي"، هكذا نعى مدير التصوير سعيد شيمي صديقه عبر صفحته الشخصية، مكملاً: "حان الميعاد... يا قديس التصوير كما كنت أحب أن أناديك... هل تصدقوا أنه منذ 62 سنة وأنا معجب بصوره الفوتوجرافية". في منتصف الخمسينيات وعقب مشاهدة أحد الأفلام، عرجت قدما شيمي إلى صالة مجاورة تعرض صوراً فوتوغرافية "أبيض وأسود" وكانت المرة الأولى التي يقرأ فيها اسم رمسيس مرزوق، ومن يومها "أصبح فن رمسيس مرزوق الفوتوغرافي والسينمائي نبراساً لجيلنا كله من المصورين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard