كيف حدث هذا مع الأخوين رحباني؟ عن أخوّة اللحن والكلمة

الخميس 15 يوليو 202102:13 م

"الكلمة أخت النغمة"... عبارة شكّلت وما تزال تشكل، دستوراً للتلحين، قالها الأب بولس الأشقر، لتلميذيه، عاصي ومنصور الرحباني، أثناء تلقيهما التعليم الموسيقي على يديه، وهذا ما أكّده عاصي الرحباني في حفل تكريم الأب بولس الأشقر، عام 1963.

نوتات متقافزة مع الكلمة

منطوق هذه العبارة يلخّص فكرة الترابط بين مساري اللحن والكلمة، ويمكن تفسيره بشكل مبدئي على أنه جريان اللحن، في حركته وتكوينه ومقامه وإيقاعه، مع الكلمة بدقة، فلو كان النص المغنّى يشي بعاطفة الحزن أو الفراق أو الضيق، فمن المعروف أن يلجأ الملحّن في البداية إلى تركيبات لحنية بطيئة الإيقاع، متثاقلة النقلات، تشبه حركة الشخص الحزين ونبرة صوته.

فيختار مقاماً حزين الطبع (صبا-حجاز)، كما فعل زكريا أحمد في أغنية أم كلثوم الشهيرة من مقام الصبا "هو صحيح الهوى غلاب"، أو أغنية "سمعت الجيران بيقولوا" للأخوين رحباني.

وكلما كان مضمون كلمات الأغنية يميل إلى الفرح، يميل معه الملحنون لاختيار تركيبات لحنية ذات إيقاع سريع ومن مقامات موسيقية شاع استخدامها في المناسبات الفرحة، مثل البيات والراست والسيكا وغير ذلك. وكمثال واحد من آلاف الأمثلة أذكر أغنية "يا حلو يا حلو يا قمر"، للأخوين رحباني من مقام السيكا.

إذن، فالمبدأ التلحيني هذا يتطلب أن يرسم اللحن بحد ذاته، صورة صوتية تحاكي الصورة التي يرسمها النص، ويتم ذلك باستخدام تركيبة معينة للحن، وحركته والمسافات الموسيقية المستخدمة فيه وإيقاعه.

على سبيل المثال، إذا كان النص يشكو من الفراق والهجر، كأغنية "غيرة" للسيدة فيروز، فهل سيتقبل لاوعينا لحناً فرحاً ورشيقاً، يتنقل على إيقاع سريع وخفيف ومتقافز، أثناء القول: "سمعت الجيران بِقولوا/ يمكن يكون عم يضحك عليها/ وعينك تشوف الليل بِطوله/ ما نشفت الدمعة بعينيها".

في نصّ يشكو من الفراق والهجر، كأغنية "غيرة" للسيدة فيروز، صاغ الرحابنة بداية الأغنية بدون إيقاع تماماً، أي على طريقة موال، لحنه مشغول على مقام الصبا المشهور باستخدامه في الحزن والحنين والعواطف المؤلمة

الإجابة طبعاً لا. لذلك وضع الأخوان رحباني لهذه الكلمات لحناً نلاحظ فيه أن بداية الأغنية قيلت بدون إيقاع تماماً، أي على طريقة الموال. كما أن لحن هذا الموال مشغول على مقام الصبا المشهور باستخدامه في الحزن والحنين والعواطف المؤلمة، أما التركيبة اللحنية، فهي عبارة عن جمل موسيقية طويلة غير موقعة، لم تتجاوز نوتات جذع مقام الصبا الحزين، إلا بلمسة واحدة لآخر نوتات الأوكتاف الأدنى (الليل بطوله).

وحركة اللحن تبدأ من ثالثة جنس الصبا، وتتقلب بين نوتاته بشكل إيحائي، يقابل حالة الفتاة موضوع الأغنية في لياليها الحزينة، إلا أنها تعود للاستقرار على الثالثة، لأنها نوتة حائرة بين المستقر والذروة.

باعتقادي أن هذه الصورة الصوتية قد حيكت بدقة متناهية لترسم صورة فتاة "بعمر الهوى زغيرة"، تسمع جيرانها يتقوّلون على حبيبها بطريقة تثير فيها حزناً بالغاً. هنا نجد الالتزام المطلق بالكلمة، والأخوة هنا تكاد تكون توأمةً بين الكلمة والنغمة.

أغنية "تعا ولا تجي" مثال على رسم الموسيقا المنسجم مع الكلمة، فالنص متذبذب بين "تعا" و"لا تجي"، وقد عبر الأخوان رحباني عن مضمونها بمقدمة موسيقية تتميز بالاهتزاز المتردد بين درجتين، للوصول إلى قمة المقام، ومن ثم الانكسار إلى المستقر

في أغنية "تعا ولا تجي" كمثال آخر على رسم الموسيقا المنسجم مع الكلمة، نلاحظ أن النص متذبذب بين "تعا" و"لا تجي"، وقد عبر الأخوان رحباني عن مضمون هذه الصورة الشعرية بمقدمة موسيقية تتميز بالاهتزاز المتردد بين درجتين، على ثلاث دفعات متصاعدة الطبقة، للوصول إلى قمة المقام، ومن ثم الانكسار إلى المستقر، ولكن بطريقة ترسم خطاً لحنياً احتار أين يستقر، هل يستقر في الذروة، أم في الأسفل؟ لذلك اختار استقراره على منطقة وسطى تقريباً من سلم المقام.

جَرْسُ صوت الآلة

بالمقابل، نجد أن بعض الألحان لا تكتفي بتركيبة اللحن كما شرحت سابقاً، بل تعتمد على الأداء الغنائي وعلى التوزيع الموسيقي وجرْسِ الآلة الموسيقية (TIMBRE) في إيصال فكرة النص موسيقياً، وهنا بعض الأمثلة على ذلك:

في مطلع أغنية "يا طير" نسمع مقدمة قصيرة تؤديها آلة الأوبوا. لحن بسيط يحاول أن يبقى في القمة التي بدأ منها (القرب من الحبيب المهاجر) ولكنه يتهادى عبر حركات متشابهة وهادئة إلى الأسفل، ليستقر في أسفل المقام (الفراق) مكرراً نفس الحركة التي أداها في البداية، في دلالة على بقاء جذوة الشوق للقاء مرتقب. والسؤال الذي يقدم نفسه هنا هو: لماذا اختار الملحن آلة الأوبوا في هذه المقدمة؟


تخيّلوا معي أن هذه المقدمة مؤداة بواسطة الناي، بالتأكيد سيعجب بها البعض، ولكنها كانت ستوحي لنا بجرعة أكثر حزناً وأقل أملاً مما فعله الأوبوا، لارتباط الناي بالأحزان. وكذلك الأمر فيما لو اخترنا آلة الفلوت، فهذا كان سيعطينا إحساساً أقل بالحزن المتأمل الرصين الشفيف والأكثر قرباً من عناصر الطبيعة، بينما الأغنية تركز على المشاعر الإنسانية البحتة المرافقة للفراق، بالرغم من ذكر الكلمات لعناصر طبيعية، مثل الطير والأفق (طراف الدني) الشمس، الحجر.
كان من الممكن أن تؤدي آلة كمان منفردة (سولو) هذا المقطع، وكان سيوحي بالكثير أيضاً، ولكن ذلك كان سيعتمد على التقنية التي يؤدي بها العازف هذه القطعة، بحيث تصل الرسالة كما أرادها كاتب النص، نص الأغنية ونص الفيلم الذي يضمها.

وهنا يؤدي  جَرْسُ صوت الآلة دوراً مهماً في وعي ولاوعي المستمع. مع أن هذا المقام (دو ماجور أو عجم) لم يكن من المقامات المفضلة للتعبير عن الحزن في الأغنية العربية، بل إنه مقام الفرح والقوة والمجد في الموسيقا الغربية.

كما أن هذه الآلة بالتحديد (أوبوا) ليست معروفة بشكل كبير بين أوساط المستمعين العرب العاديين، ولعل اختيار الملحن لهذه الآلة كان لهذا السبب تحديداً، أي لسحب المستمع إلى مشاعر مختلفة عن المشاعر المألوفة والسائدة في مواقف كهذه، والتي اتخذت شكلاً تقليدياً جداً في الموسيقا العربية، فقد كان من السائد أن تستخدم آلة الناي في التعبير عن الأصوات الحزينة، أو استخدام تقنية الكمان المجروح (العزف على الكمان بتوضع خاص للقوس على أوتار الكمان، ما يعطي صوتا خاصاً حزيناً جداً).

الأخوان رحباني عبرا في بعض الأحيان عن حالة من الاختلاف المقصود بين الموسيقا لحناً وتوزيعاً من جهة، والكلمة من جهة أخرى، حيث تُجسّد الموسيقا موقفاً فكرياً أو عاطفياً مختلفاً عن الموقف المتضمّن في النص، بل قد يتناقض معه تماماً

الآلة التي تشرح الأغنية

وكمثال آخر عن استخدام اللحن أولاً، إضافة للتقنيات الخاصة في العزف على آلة معينة ثانياً، لإيصال الرسائل أذكر المثال التالي: في المقطع الأخير من أغنية " أمس انتهينا"، نلاحظ أن عبارة أمس انتهينا تتكرر ثلاث مرات. وبالاعتماد على اللحن، فهي ملحنة بلحن بسيط وبطيء نسبياً ولا يتجاوز ثلاث نوتات من مقام الحجاز الذي يحمل أيضاً نكهة الحزن.

بعد غناء هذه الجملة في المرة الأولى، نسمع دخولاً لمجموعة الكمان بجملة موسيقية تصعد ثلاث نوتات للأعلى بسرعة، ثم تنزل ولكن ببطء على نفس النوتات نحو مستقر المقام. هنا لا بد من الانتباه إلى أن دلالة كلمة "انتهينا"، هي دلالة تشكل نمطاً لاشعورياً عاماً يشترك فيه كل البشر.

فالنهايات غالباً مرتبطة بأهم تجسّد لها وهو الموت. وإذا أردنا تخيل صورة بصرية مطابقة لهذه الجملة من وحي النص، فيمكننا أن نتخيل طيراً سقط على الأرض مصاباً بطلقة صياد، حيث ينتفض بدافع غريزي، لكن حركته تتخامد وتهبط بعد ذلك ببطء. ثم يتكرر المشهد مرة ثانية، وهذا منطقي جداً وواقعي، إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الصورة الصوتية المتخيلة، ولكن بعد تكرار الجملة للمرة الثالثة، تكون النهاية:

تعزف مجموعة الكمان نوتة واحدة فقط، بطريقة النقر على الأوتار (بيزيكاتو)، وهي آخر ما نسمعه في هذه الأغنية، ولعل المستمع سيدرك فوراً الشبه بين هذه النقرة، وبين النقطة التي نضعها في آخر سطر من الكتابة، ولسان حال الموسيقا يقول: أمس انتهينا " نقطة انتهى"، وبذلك ترسم الموسيقا صراعاً بين الرغبة بالحياة (الاستمرار بالحب) والموت (انتهاء العلاقة).

ويمكن في هذه القطعة من الأغنية أن نلاحظ أيضاً ذلك الأداء الرائع والدقيق والمعبر للسيدة فيروز، الشبيه بالكلام المحكي الذي يمكن أن نسمعه في حياتنا اليومية عن موقف عاطفي مشابه.

جزء مهم من أغاني الأخوين الرحباني  لُحِّنت على قالب الطقطوقة، التي يتكرر فيها نفس لحن المقاطع على كلام مختلف المضمون، ولكن مع ذلك، بقي اللحن منسجماً بشكل عام مع روح الأفكار الأساسية في النص

 غير أن الأخوين رحباني عبرا في بعض الأحيان عن حالة من الاختلاف المقصود بين الموسيقا لحناً وتوزيعاً من جهة، والكلمة من جهة أخرى، حيث تجسّد الموسيقا موقفاً فكرياً أو عاطفياً مختلفاً عن الموقف المتضمّن في النص، بل قد يتناقض معه تماماً. ويمكننا أن نجد مثالاً على ذلك في أغنية "يمّي ما بعرف كيف حاكاني"، حيث هناك مقطع يقول: "يحكي ويحكي وصرت اسمعلو/ والحكي كيف كان طايعلو/ صاروا الزنابق حدنا يعلو/ ولو ضل كان الورد خباني".

إذا دققنا في لحن الجملة التي تقول "صاروا الزنابق حدنا يعلو"، سنلاحظ أن اللحن هبط عند كلمة "يعلو" تحديداً، من رابعة المقام إلى أساسه، وهنا نجد تناقضاً ظاهرياً بين حركة النص الصاعدة وحركة الموسيقا الهابطة.

كيف حدث هذا مع الأخوين رحباني؟

لو سألنا أي شخص عن تفسيره لهذه الصورة الشعرية سيفسرها على الأرجح بأن الزنابق قد تنامت على خلفية كلام الحب والعشق وبدأت بالارتفاع، وسيكون هذا التفسير مقبولاً جداً، بل شائعاً أيضاً.
و لكن لنلق نظرة على رأي الملحن في هذا المقطع:

الملحن ارتأى أن يصور الحركة الأهم في هذا المشهد، وهي بالتأكيد ليست حركة الزنابق، بل حركة الفتاة التي تحكي لأمها عن لقائها الغرامي، فمع فيض كلام الحب والعشق مع من كان "الحكي طايعله"، بدأ العاشقان بالنزول إلى أسفل والاقتراب من الأرض، وهذه حركة تبدو طبيعية جداً في ظرف كهذا.

وبهذه الحالة فإن تلك الفتاة العاشقة الذاهلة، بدل أن تنتبه إلى هبوطها مع حبيبها، انتبهت إلى ارتفاع الزنابق التي تحيط بهما، وبالتالي، كان خيار الملحن أن يرسم حركة العاشقين في المشهد، وهي حركة هابطة وليست صاعدة. وهنا نكون أمام لمحة تلحينية فريدة وغريبة، ناقضت تماماً المنطوق الظاهر لعبارة "الكلمة أخت النغمة". وهناك الكثير من الأمثلة على هذا النمط من العلاقة بين الموسيقا والكلمة، خصوصاً في أغنية "حبوا بعضن".

ومن الجدير بالذكر أن ما تحدثت عنه أعلاه لا ينطبق على كل ما أنتجه الأخوان رحباني من موسيقا، فجزء مهم من أغانيهم تم تلحينها على قالب الطقطوقة، التي يتكرر فيها نفس لحن المقاطع على كلام مختلف المضمون، ولكن مع ذلك، بقي اللحن منسجماً بشكل عام مع روح الأفكار الأساسية في النص، وعادة هذا النوع من الألحان الشرقية تميل كثيراً إلى التجريد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard