مرخى على الشعر شال... قصيدة سعيد عقل وعبقرية الغناء والتلحين

الثلاثاء 25 مايو 202110:06 ص


عند بوابة هذه الأغنية، لا يترك لنا البيانو أي خيارات للتخيل، فهو "ينثرنا" كحفنة نجوم إلى سماء الشال الليلكي، نتموج مع تموجاته، نهبط ونعلو، كما تلك النوتات المنثورة مثلنا على مفاتيح البيانو، راسمةً أروع ما يمكن للموسيقا والشعر أن يرسماه سوية، عبر ثماني نثرات (آربيجات)، تؤدي غرضاً واحداً، هو إشباع خيال المستمع بصورة الشال المتموّج.

سحر البيانو

بالتدقيق نجد أن  إحساسنا بالتموّج بين نقطتين ناتج عن احتواء هذه الآربيجات على تموجات كبيرة، (نهاية كل آربيج التي تتناوب بين علامتي ري وصول) وتموجات صغيرة (ضربات البيس الداخلي في كل آربيج حيث تتناوب بين صول-ري  ومي-ري)، وهذا التنوع في مقدار الاهتزازات يقرب صورة التموج من الواقع بشكل كبير.

هذه الانطلاقة الابتدائية تمهد لمشهدٍ آخر أكثر روعة و تدقيقاً في التفاصيل، حيث ترسم الموسيقا هنا إقبال الشخصية الأساسية في هذه اللوحة (رندلى) بشالها  الليلكي، على مسرح الأحداث المفترض في هذه القصيدة (الأغنية)، فينطلق إيقاع "التامبورين" مرافقاً لخطواتها، ويتحرك البيانو بخفة و رشاقة مجسداً من جديد حركة الشال الذي ترتديه، وتصور الموسيقى هذه الإطلالة بحفاوة ودقة.

لو دققنا في الصورة الصوتية لموسيقا هذا المقطع، سنجد أنه يتألف من ثلاث انطلاقات، تتجه عموماً نحو الأسفل، وتتشابه في أنها تبدأ وتنتهي بنوتة طويلة تشبه الوقفات الطويلة، تحصر بينها خطوات سريعة ومرتبكة، مع تفصيل يخص كل انطلاقة لوحدها.


ففي الانطلاقة الأولى، نرى رندلى تبدأ بـ"النزول"، بعد وقفة الإطلالة الأولى التي تنطلق منها، تليها خطوات سريعة جداً، ثم وقفة قبل متابعة النزول إلى مكان اللقاء، و تتمثل هذه الوقفة بالنوتة الطويلة التي تنتهي فيها هذه الجملة الموسيقية، أما تموجات الشال الناتجة عن هذه الحركة فيجسدها البيانو في الخلفية، كعادته منذ بداية الأغنية.

ويتكرر هذا المشهد مرة أخرى، ولكن من درجة أدنى، أي أقرب إلى مستقر اللحن، في دلالة موسيقية عن اقتراب رندلى أكثر من مسرح الحدث.

في النقلة الثالثة والأخيرة، يتغير النمط بما يناسب الوصول المفترض إلى المحطة الأخيرة، فنسمع درجات متفاوتة السرعة ونقلات موسيقية غير مألوفة، ولكنها منسجمة مع المقام، ما يشبه تماماً مشاعر وحركة رندلى الخجولة المترددة والمرتبكة.

وقد يخطر على بال البعض هنا السؤال التالي: لماذا لم يعبر عن الوقفة بالصمت بدلا من النوتة الطويلة؟ أعتقد أن الصمت يعبر عن الوقوف السلبي الذي لا تخالطه الرغبة في الإقبال، بينما يمكن للنوتة الطويلة المنسرحة أن تتضمن معنى الوقوف الإيجابي الذي يتضمن الرغبة في المضي، بالمقارنة مع نوتات الدحرجة السريعة التي تتناوب معها.

في قصيدة "شال" لسعيد عقل الني غنتها فيروز:  ترسم الموسيقا هنا إقبال رندلى بشالها الليلكي، على مسرح الأحداث المفترض،  ويتحرك البيانو بخفة و رشاقة مجسداً من جديد حركة الشال الذي ترتديه، وتصور الموسيقى هذه الإطلالة بحفاوة ودقة

ولنلاحظ هنا أن ما يمكن اعتباره وصولاً إلى مكان اللقاء، أو ما يمكن اعتباره درامياً مسرح الحدث، لم يكن موسيقياً على درجة مستقر المقام كما هي العادة، أو الفطرة، بل على ثالثته، باعتبار المقام هنا هو صول ماجور (أو عجم صول)، ولكن لماذا هذا الخروج عن مألوف التدوين الموسيقي العربي، حيث لا يلامس اللحن مستقر مقامه إلا قليلاً جداً؟

أعتقد أن تلك النقلات الموسيقية في لحن الأغنية، والتي تُعتبر من خارج مقام صول ماجور، والتقاطعات الكثيرة للحن مع سلم الكروماتيك، واستقرار اللحن على ثالثة المقام، هي عوامل ثلاثة تُفقِد المستمع الإشباع الحسي التقليدي بالنغمة، وهذه هي غاية الملحن بالضبط، لأنه يترجم موسيقياً ما يتحدث عنه النص من ابتعاد عن الإشباع المادي، والبقاء معلقاً ومتوهجاً في فضاء العفة الجسدية.

والملاحظة العامة على حركة اللحن في هذه المقدمة، هي وضوح القصد في توجيهه من الأعلى إلى الأسفل، وهذا يتضمن أولى الإشارات غير المباشرة إلى فكرة أفضلية وسمو موقع رندلى (العفيفة، النظيفة، غير الممسوسة) بالنسبة للشاعر.

وبالنظر إلى نمط حياة سعيد عقل، وتعصبه البالغ تجاه مواضيع كثيرة في الحياة، فإنه هنا يعكس إعلاءه لشأن العفة الجسدية في الحب، وهذا ما لاقى صدى، ولو بصورة أقل تعصباً، لدى الأخوين رحباني، وخصوصاً منصور، و هو معروف بالتزامه بهذا المبدأ حسب الروايات.

حلم رندلى الشجي

بالعودة للأغنية، تعيد آلة الأوبوا نفس المقطع السابق بمرافقة البيانو في الخلفية، والاحتمال الأرجح هو أن تكون هذه الإعادة تصويراً موسيقياً بواسطة صوت الأوبوا للعبق الذي رافق مرور رندلى، و هذا الاحتمال مستند إلى ما يقوله الشاعر في مكان متقدم من القصيدة، حيث يتحدث عن حواس ثلاث في تناول الشال : يا طيب شال  تُلمّْ عنه النجوم/ وبي هموم/لأن يُرى أو يُشمّ

أنا شخصياً أميل إلى ترجيح ذلك، لأن البيانو يقوم منذ البدء بدور رسم تموجات الشال كما رأينا، وبالتالي لا حاجة لان تعيد أداءه آلة الأوبوا.

وهكذا تكون الوتريات قدمت صورية بصرية أولاً، تلتها الأوبوا لتقدم صورة شمية بالتقاط ذكي من قبل الملحن للفكرة.

وقبل أن تدخل الكلمة والصوت الفيروزي إلى جوقة الممثلين على مسرح هذه الأغنية، تهيئ مجموعة الكمان لهذا الدخول بالتفاتتها الواضحة نحو الأعلى عبر خمس نوتات تدور فيها الرؤوس والأنظار إلى مصدر الحدث، لتدخل بعدها فيروز بصوتها الرائع: مرخىً على الشعر شال.

لم ثنية تشتكي ثم تغيب، هم يا حبيب، بلوني الليلكي.
هم لا تقرب يدا، هم بالنظر، أبقى الأثر ما لم يزل موصدا

سنلاحظ من الآن فصاعداً تكراراً متنوعاً وجميلاً للحركات الأساسية في هذه اللوحة، وهي حركات الهبوط والتموج والرفرفة والتهادي، وسيتم ذلك بأكثر من طريقة موسيقية وغنائية وشعرية أيضاً، وإليكم الأمثلة على ذلك:

أولاً، انقسام لحن كلمة مرخىً إلى قسمين، أعلى (لا-سي)، وأسفل (صول)، وهذا متطابق مع واقع نزول الأشياء المرخية إلى الأسفل بتأثير ثقلها.

ثانياً، منحنى الغناء هنا يتخذ أيضاً مساراً هابطاً كمقدمته الموسيقية، مع بعض التنويعات التي تميزه عن المقدمة، وقيامه بدور درامي في تصوير المشهد، إذ يظهر كما لو أن الشاعر يقوم بانحناءة تبجيل للجمال ثم العودة إلى الوضعية الطبيعية، وهو ما يظهر جلياً عند جملة "هلا هلا به بها بالجمال"، فاللحن هنا ينحني بلطف و بطئ إلى الأسفل، ثم ينتصب مجدداً إلى مستوى الاستقرار المحوري للحن.

نلاحظ في هذا المقطع المطابق بلحنه للمقطع الذي يليه مع اختلاف الكلمات، أن المرافقة الموسيقية هنا تقتصر على البيانو والتامبورين، و مثلث معدني يضرب ضربات متباعدة طيلة الأغنية، حيث يقوم البيانو بمتابعة دوره بخفة في تجسيد حركة الشال، والإيقاع مسموع بوضوح ليعطي إحساساً بالحركة.

اللحن الحسّي المائس

المقطع التالي مشغول على نفس اللحن تماماً، ولكن بكلمات مختلفة، وثبات بإيقاع التامبورين والمثلث، مع مرافقة خفيفة جداً للبيانو للتمهيد إلى تدخل مميز للوتريات، حيث تقول: من يا حباب الكؤوس، من جمّلك/ من فصّلكْ/ حلواً كحلم العروس؟

وكعادة سعيد عقل، يعبث هنا بالترتيب المألوف للكلام في هذه الأسئلة، مستخدماً تشبيهاً رائعاً للشال، وهو حباب الكؤوس، ومن المعروف أن حباب الكؤوس هو تلك القطرات المتكاثفة على الجدار الخارجي لكاس بارد في جو حار.

هو تشبيه حسي بليغ بدون شك، استطاعت الموسيقا التعبير عنه بخفة وعبقرية في جملة بمنتهى البساطة تلي هذا المقطع الشعري، حيث توصل هذه الجملة البسيطة رسائل متنوعة وبليغة بالنظر إلى تكوينها وطريقة أدائها، فهي بمسمعها المنزلق تعطينا إحساساً قوياً بحركة انزلاق حباب الكؤوس على جدار الكأس، وبطريقة أدائها (كريشاندو) توحي بدلع وحياء المتغزل بها، أما ببساطتها وشفافيتها ونعومتها، فإنها لا شك تصور ذلك الإحساس الجميل الطبيعي والأصيل عند رؤيتنا لهذا المشهد (مشهد القطرات على الكأس البارد في ظهيرة صيف حار).

و لننتبه هنا أيضاً إلى تلك الجملة التي تؤديها آلة الأوبوا أيضاً بمرافقة كلمة العروس، وهي جملة ندية ومتمايسة تُظهِر رؤية الملحن لهذه الصورة الشعرية، وتبين لنا بتمايلها بداية تصاعد تعبيري هائل القوة والجمال في الصورة الموسيقية لهذا المقطع، وهذا التصاعد يبدأ في الجملة التالية التي تؤديها مجموعة الوتريات، حيث ينفجر حلم رندلى، ويندفع محلقاً في السماء كزوبعة من الشهب في ليلة صيفية.

ولكن هذه الاندفاعة التي بلغت موسيقياً ما يعادل 5.5 بعد موسيقي، تبدو خجولة بالمقارنة مع الاندفاعة الثانية التي بلغت 8.5 بعد موسيقي، لتهدأ اندفاعة الحلم تدريجياً بعد ذلك، وصولاً إلى مستقر المقام، وفي هذا دلالة بالمقارنة مع استقرار اللحن في مكان سابق على ثالثته كما رأينا.

وكعادة سعيد عقل، يعبث هنا بالترتيب المألوف للكلام في هذه الأسئلة، مستخدماً تشبيهاً رائعاً للشال، وهو حباب الكؤوس، ومن المعروف أن حباب الكؤوس هو تلك القطرات المتكاثفة على الجدار الخارجي لكاس بارد في جو حار

فبعد الحلم حدث إشباع معين رمز له الملحن بالعودة إلى مستقر المقام، مقدماً بعض الراحة لأذن المستمع، في استقرارها هناك حيث ترغب فطرياً، و ليعود الشاعر إلى الغزل بالشال مجدداً في ابتعاد واضح جداً عن التغزل المباشر برندلى، ووصفه لثنية الشال المشتكية من النسمة أو من خصلة الشعر التي  تحتها.

ولا شك أن المستمع العادي سيلاحظ تلك الثنية في  لحن كلمة "الثنية "، وسيلاحظ أيضاً تخامد صوت فيروز ثم غيابه، في أداء كلمة "تغيب"، لنصل إلى مقطع : همّ يا حبيب/ بلوني الليلكي.

و تجدر الإشارة هنا إلى ملامسة اللحن لثالثة المقام مرتين في هذه الجملة القصيرة جداً، حيث لامسها بوضوح في كلمة  حبيب، وكلمة "الليلكي"، في تأكيد آخر على فكرة الهيام في المنطقة التي تقع بين الحاجة الكاملة والإشباع الكامل.

بعد ذلك: همّ لا تقرب يدا/ همّ بالنظر/أبقى الأثر/ مالم يزل موصدا
وهنا  تؤكد الموسيقى على الفكرة: "همّ لا تقرب يداً، همّ بالنظر"، عبر تكرارها لجملة موسيقية مؤلفة من أربع نوتات (سي دو ري مي) بعد كل شطر من هذه العبارة، كما تثبت أيضاً بجملة الأوبوا بعد عبارة "أبقى الأثر"، التي يوحي تكوينها بديمومة الأثر.

إذن الكلام واضح وصريح هنا : لا تقرب يداً، هم بالنظر أبقى الأثر... فماذا ستكون استجابة الطرف الموصى بذلك؟

سيحدث شيء مقابل أو مناظر  تماماً لحلم العروس، وقد رأينا فيما سبق كيف اندفع حلم العروس على لسان الوتريات وحلق في الأعالي، وهنا يحدث نفس الشيء تماماً وبنفس اللحن، ولكن بنسخة ذكورية تؤديها آلة البيانو، فتضج أحاسيس الشاعر، ويحلق حلمه بالوصول إلى ما خلف الأبواب الموصدة، بحيث نكون أمام تناظر الرغبة المتبادلة بين الطرفين، تناظر يعبر عنه التطابق باللحن، واختلاف بين الجنسين يعبر عنه الاختلاف بين الآلات المنفذة، والتقنية المستخدمة في الأداء.


كذلك يتخامد حلم العاشق ويسود الهدوء، ويعود الشاعر مجدداً للتغزل بالشال (يا طيب شال تلمّ عنه النجوم)، فنلاحظ ذلك الهدوء اللافت في مرافقة الغناء في هذا الجزء من المقطع، في تعبير طبيعي عن اختلاف المزاج والجو العام عن صخب المقطع السابق، ونلاحظ تغير المقام من صول ماجور إلى صول مينور، ثم  تنشط الوتريات بعد ذلك في الخلفية بطريقة تصور، عبر توزيعات متقافزة ومتنقلة بشكل بديع، الحركة الموحية بعملية التقاط النجوم عن الشال.

حيث دخلت هنا حاسة اللمس إلى مجموعة الأحاسيس المعبّر عنها في القصيدة، وتعود الأوبوا لتأكيد دورها في حاسة تمثيل حاسة الشم عبر جملة تشبه في تركيبتها نفحة العطر.

أخيراً... و بعد كل هذا الكم الهائل من الأخيلة و الأمنيات و الصور، هل تحقق حلم الشاعر؟ وهل قُيّض لسعيد عقل ذلك الموعد  في ظل شال؟

خيبة الخيال وخذلان الحب

بالنظر إلى ذلك الانكسار أو الخيبة التي يتصف بها لحن هذه الجملة، و ما يلي ذلك من دلائل شعرية، يمكن الاستنتاج أن كل ما تحدث عنه الشاعر في هذه القصيدة كان خيالاً.
من روابينا القمر، جاءه أَمْ لا خبرْ/ جايَلَتْهُ رِنْدَلَى ودُمى الحُسن الأُخَرْ/ طالما فاجَأْنَهُ، حافياً فوق الزَهَرْ/مزّقتْ من ثوبِهِ نَزَوَاتٌ لا تَذَرْ

و يتساءل الشاعر في القصيدة: هل الخيال سكنى ومستنجد؟

ومن الطبيعي أن التعبير بالموسيقى عن تساؤلات فلسفية كهذه يبدو في غاية الصعوبة، و لكن من الواضح أن الأخوين رحباني قد تفوقا بعبقريتهما هنا، كما يتضح من التفاصيل التالية:

من حيث الإيقاع بدأ تسريع ضربات المثلث المعدني التي كانت بطيئة طيلة الأغنية، وتسريع ضربات التامبورين اعتباراً من كلمة موعد. في التوزيع والمرافقة فقد امتلأ المقطع بجمل موسيقية تشبه إشارات الاستفهام بالنظر إلى صورة منحنى مسارها الذي يشبه شكل إشارة الاستفهام، كما نحس من أسلوب أدائها بأن درجاتها تدفع بعضها بعضاً إلى الأمام كما لو أنها تستعجل الإجابات.

أما من حيث اللحن الميلودي، فإن الصياغة كانت صياغة حائمة وحائرة وتنتقل انتقالات قلقة وتتضمن شيئاً من الهدوء القلق، ومتقافزة إلى مستويات مختلفة في الارتفاع والهبوط.

يتكرّر هذا المقطع مرتين بلحن متشابه، ومرة ثالثة بلحن مختلف ينطلق من مستوى أعلى، ويتطابق في جزء منه مع لحن جملة "وبي هموم" المكرّرة مرتين في مكان سابق، وفي ذلك ربط بين الرغبة بتناول الشال بالنظر واللمس والشم، وبين القدرة على إشباع هذه الرغبة بالخيال.

بعد ذلك يعود اللحن إلى ما كان عليه في بداية الأغنية، ويكرر نفس اللحن بتوزيع مختلف وكلام مختلف ونهاية مختلفة، فنرى صمتاً مطبقاً للبيانو في هذا الجزء من المقطع، ثم ظهوراً خجولاً جداً لدرجة لا يمكن تمييزه بسهولة بين الحضور القليل في الخلفية، ولم نعد نسمع  في الخلفية سوى صوت ضربات البيس وصوت خطوات التامبورين التي بقيت مخلصة للموسيقا والغناء من بداية الأغنية إلى النهاية.

كما نسمع جملة الأوبوا في آخر "جملة مالي سألت الزهر" حيث ترد على السؤال بسؤال آخر ولسان حالها يقول: عمَّ سألت الزهر؟

وفي المرحلة ما قبل الأخيرة من عمر قصيدة "شال" لسعيد عقل، يعرج صوت فيروز بمن سرى إلى لقاء رندلى، إلى منعرج خفي وبعيد وعالٍ، حيث يصطف في دوره هناك، خلف القمر، فنسمع عندئذٍ كل الآلات الموسيقية تكرر قصة إسراء ومعراج هذا الشاعر إلى منزله، خلف القمر

وفيما يلي ذلك تراجع واختفاء تدريجي لكل الآلات الموسيقية، وصولاً إلى صمتها الكامل، وترك صوت فيروز يرسم الفرق الأخير بين بداية الأغنية ونهايتها حيث يحلق صوت فيروز إلى ما خلف القمر. خلف القمر؟ لماذا خلف القمر؟ ألا يمكن أن نقول عند القمر؟ أو فوق القمر أو تحت القمر أو عند القمر، ولن يختل الوزن الشعري، فلماذا اختار الشاعر هذه الكلمة تحديداً؟ لا بد لنا هنا من العودة إلى أغنية قصيدة أخرى من نفس الديوان لسعيد عقل "ديوان رندلى"، هي قصيدة القمر، والتي غنتها فيروز أيضاً من ألحان الأخوين رحباني، حيث يقول فيها الشاعر:

من روابينا القمر/ جاءه أَمْ لا خبرْ/ جايَلَتْهُ رِنْدَلَى/ ودُمى الحُسن الأُخَرْ/ طالما فاجَأْنَهُ/ حافياً فوق الزَهَرْ/ مزّقتْ من ثوبِهِ/ نَزَوَاتٌ لا تَذَرْ

إذاً من هي رندلى؟ هل هي حبية الشاعر، أم حبيبة القمر؟
هنا تتكشف الخيوط ويظهر لنا كم هو تعس هذا الشاعر المغرور الذي ينافس القمر على رندلى، فهذا القمر نفسه،  ضبطنه "دمى الحسن الأُخر" متلبساً في قصيدة أخرى، يتسلل حافياً فوق الزهر، ليصل إلى رندلى، ومزقت النزوات من ثوبه المضيء حتى اختفى، ثم عاد من جديد يكتسي بغزلنا.

ورندلى في هذه الحالة تكون حبيبة خيالية، لا حبيبته الفعلية الواقعية، لأنها صنف من البشر "جايل القمر"، أما هو فصنف من الشعراء "نافس القمر"، و بهذا يجيب الشاعر عن السؤال الكبير بأن الخيال سكنى ومستنجد، لأنه يعيش في الخيال منافساً القمر على رندلى.

و يسأل هذا الشاعر الزهر الذي شهد تسلل القمر مرةً، عن منزله، وما نلاحظه هنا هو استخدام مفردة منزل، لا مسكن أو بيت أو وطن، وهذا ما سيفسره جواب الزهر حين قال له : هناك خلف القمر، لأن رندلى حبيبة القمر، فعليك أن تعرف منزلتك بالنسبة إليه... أي  خلفه.

وفي المرحلة ما قبل الأخيرة من عمر هذه القصيدة الأسطورة، يعرج صوت فيروز بمن سرى إلى لقاء رندلى، إلى منعرج خفي وبعيد وعالٍ، حيث يصطف في دوره هناك، خلف القمر، ثم تلحق به كل عناصر الخيال التي عاش معها عمر هذه القصيدة، فنسمع عندئذٍ كل الآلات الموسيقية تكرر قصة إسراء ومعراج هذا الشاعر الخيالي إلى منزله، بل منزلته الحقيقية، هناك... خلف القمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard