رندلى والقمر‎

الثلاثاء 27 أبريل 202110:02 ص

قبل الإبحار في أغنية "من روابينا القمر"، يجب علينا ربط أنفسنا في صواري السفن وربط الدفّة باتجاه ثابت، لكي نحتفظ بفرصة عودتنا إلى الواقع بعد رحلة السحر الموسيقي والشعري التي نخوضها في هذه الأغنية، مقلدين البحارة في الأساطير القديمة عند اجتياز منطقة الجزر التي تسكنها الحوريات (السيرانة)، واللاتي كن يجذبن السفن بغنائهن لتتحطم على الصخور.

هي رحلة في عالم الفلسفة والشعر والموسيقا والغناء، نعتلي من خلالها قمم الجمال.
إذا أردنا أن نفهم موسيقا هذه الأغنية، فلا بد لنا حتماً من معرفة ماذا يريد سعيد عقل من قصيدة "القمر"، وهنا نصبح مضطرين للبدء من نهاية النص، حيث التساؤل الأهم: "يا ترى العمر قمر؟".

"والمساء المنتحي

بعد هاتيك الصورْ

ذاهلٌ شالَ به

صوتُ نايٍ مُبْتَكَرْ"

سؤال فلسفي جاء بعد جوابه، خلافاً للمألوف. وحتى لو بحثنا عن الجواب، فلن نجده أيضاً على دفعة واحدة كعادة الأجوبة العادية، بل سنجده على شكل مقادير صغيرة من العسل، موزعة في خلايا شهد الأغنية، نجمعها رويداً رويداً، لنحصل على غلّة وافرة من المتعة العقلية والروحية.
نتساءل: ما المشترك بين العمر والقمر حتى يطرح سعيد عقل سؤاله السابق.

ذلك الجرم المحيِّر والجميل، القريب البعيد، تراه يظهر في الليل أو النهار، لا يثبت على حال، يبدأ صغيراً و يكبر فَيَصِل إلى اكتماله بدراً، ثم يبدأ بالانحدار أهلّةً متدرجة النقصان حتى الاختفاء الكامل، ليعود ثانية مكرراً دورته السرمدية هذه.

فهل هو حال العمر أيضاً؟

تبدأ الأغنية بتصوير مشهد إشراقة القمر، الذي يبدأ بنقرات بيانو بسيطة قوامها نوتتين  فقط، ولكن بإيقاع ثلاثي مبتكر التركيب (فالس وهو إيقاع اشتهر كثيراً في حفلات القصور وصالات الرقص الجماعي) يمهّد للظهور البهي، وكأنه حارس مراسم يعلن وصول الملك إلى مجلس أُنسِه الليلي .

ثم يطل القمر بكل بهاء ثوبه المضيء، محمولاً على جملة موسيقية رشيقة تؤديها آلتا الفلوت والأوبوا معاً، فتأخذانا فوراً إلى تلك الأجواء السحرية الموحية بفردوس ليلي يشاركنا فيه القمر.

تعيد مجموعة الكمان نفس الجملة، وتختم بتكرار جملة البيانو الأولى بطريقة النقر (بازيكاتو)، مشكلة مع خيط الفلوت نسيجاً موسيقياً يثير الإحساس بأن كل عناصر المشهد تأهبت لاستقبال بطل القصة الأزلية... القمر.

تكتمل الصورة بصوت فيروز التي تتساءل:

من روابينا القمر... فيسأل الكلارينيت: ماذا؟
جاءه أم لا خبر؟

 فيسأل الكلارينيت مرة أخرى باستفهام أقوى وأوضح:

أي خبر؟
وهنا تَرِدُ أولى إشارات الاستفهام في نص القصيدة الموجودة في ديوان رندلى لسعيد عقل، والتي تشكل بورودها في ثلاثة مواقع، نقاط دلالة على طريق الجواب الصحيح للتساؤل الأساسي في الأغنية.

يحاكي سعيد عقل في قصيدته "رندلى" مشهداً شهيراً من حكايانا الشعبية، حيث تترك الأميرة المخطوفة مزقة من ثوبها عند كل منعطف في طريق خاطفها، لتدلّ الباحثين عنها إلى مكان وجودها

ويحاكي سعيد عقل هنا مشهداً شهيراً من حكايانا الشعبية، حيث تترك الأميرة المخطوفة مزقة من ثوبها عند كل منعطف في طريق خاطفها، لتدلّ الباحثين عنها إلى مكان وجودها.

نلاحظ الاستفهام أيضاً بلحن الجملة التي تغنيها فيروز "جاءه أم لا خبر؟"، حيث نزل اللحن في قول "أم لا" وعاد للصعود في كلمة خبر، وهي نبرة استفهام نعرفها جميعاً حتى في الكلام العادي، حيث نرفع طبقة نهاية الكلمة الحاملة للسؤال.

ما هو الخبر؟
تجيب فيروز:

جايلته رندلى ودمى الحسن الأخر.
تبدو "رندلى" في الصورة ندّاً للقمر، وحولها وصيفاتها (دمى الحسن الأُخر)، لذلك أُفرِدَ للفظ اسمها جملةً موسيقيةً طويلة، جليلة، جميلة، منحنية ونَدِيّة.

تساؤل ودهشة وتهامُس

تأتي بعد ذلك مجموعة من الجمل الموسيقية التي تصوِّر لنا بتركيبتها الحوارية والمتنوعة والديناميكية والآلات المستخدمة فيها، حركة وحالة انتباه وتوجه أشخاص المشهد نحو مصدر الخبر، بحالة تساؤل ودهشة وتهامُس، لذلك يعاد الخبر ذاته، وتعاد نفس الجملة الاستفهامية بعد كلمات فيروز، ولكن بواسطة آلة "الأوبوا" هذه المرة، مع توزيعات جميلة ومتنوعة للوتريات في الخلفية، بهدف إعطاء إحساس بازدحام المشهد، وهو ما حرص على إبرازه الأخوين رحباني طوال الأغنية، إذْ كيف يمكن لنا تصوير الجنة بدون هذا الحشد من الجمال؟

وبالتالي فإن التأويل اللغوي لنص هذا المقطع يصير على الشكل التالي: هل جاء للقمر من روابينا خبر أم لا، بأن رندلى قد جايلته، هي ووصيفاتها؟

بعد ذلك تعاد مجموعة الجمل الموسيقية مصورةً استجابة الأشخاص في المشهد، ليبدأ المشهد الثالث من هذه اللوحة الفردوسية:

طالما فاجَأْنَه/ حافياً فوق الزهر.

في خلفية هاتين الجملتين، نسمع تدحرجاً حاداً وسريعاً وعلى دفعتين (دفعة مع كل جملة) لصوت مجموعة الكمان، يُظهِر "تورط القمر" بالنزول متسللاً حافياً إلى مرج الزهور.
لماذا يتورّط القمر بذلك؟ ما هو الدافع؟

يبدو أن لديه "نزواتٌ لا تذر"، تدفعه لذلك. و لأن لا شيء بدون ثمن، فإن تلك النزوات تقتات على مِزَقٍ من ثوبه المضيء، تقضمها قضمة فقضمة، ،فيبدأ بالتضاؤل و النقصان، مُقلعاً في رحلة التحول إلى هلالٍ مرةً أُخرى.

وهنا تظهر ثاني إشارات الشبه بين العمر والقمر، وهي علاقة التناسب العكسي بين حجمهما وحجم نزواتهما، بعد الإشارة الأولى المضمرة، وهي صيرورة البداية الضئيلة، الوسط المزدهر وضآلة الشيخوخة في النهاية، وهي إشارة بديهية يعرفها الجميع، لم يكلف الشاعر نفسه عناء ذكرها. في بداية المشهد الرابع من الحدث الفردوسي، يتغير المقام والمزاج العام للحن بتمهيد بسيط من آلة "الأوبوا"، التي يبدو أنها الشخصية الأكثر فضولاً بين الحضور، كما يبدو أيضاً أن أخباراً أخرى في طريقها إلى مسامع تلك المجموعة الفردوسية، التي تعيد التمهيد على خلفية إيقاع الفالس ذاته، ولكن بتنويع أقل من ذي قبل، ليعود الأوبوا مرة أخرى مؤكداً فضوله بانتظار تتمة الحكاية.

بشكل يواكب موسيقياً مرة أخرى ظهور إشارة الاستفهام الثانية في النص (كما وردت في نص القصيدة من ديوان رندلى)، تتساءل فيروز: هُمَّ؟ سؤال، تغنّيه فيروز بلهجة استفهامية أيضاً. أي هل تأثر القمر (هُمَّ أي أصابه الهمّ) بما حدث له من تمزيق ثوبه من قبل النزوات المتوحشة، التي لا تُبقي ولا تَذَرْ؟

أما الجواب، فيأتي استطراداً على لسان فيروز ذاتها: ما هُمَّ ... ومن غزلنا يُكسى القمر.

القمر الذي مزّقت النزوات ثوبه المضيء فبدأ بالاختفاء، يعود ليكتسي ويظهر من جديد، ولكن كيف؟ هنا يأتي دور رندلى ووصيفاتها، فبغزلهن يصنعن ثوباً جديداً للقمر ليعود من جديد إلى ممارسة هذه الدورة السرمدية. فها هن يتجمّعن حوله كعقد الشرر، بصورة من أبدع الصور، يغزلن بالحب والفرح والمرح والغناء كساءً جديداً.

"رندلى والقمر": القمر الذي مزقت النزوات ثوبه المضيء فبدأ بالاختفاء، يعود ليكتسي ويظهر من جديدـ، لأن رندلى ووصيفاتها يغزلن ثوباً جديداً للقمر ليعود من جديد إلى ممارسة هذه الدورة السرمدية

ولنلاحظ هنا عبارة "ضحكة طافرة"، حيث تعبر عن مظهر من مظاهر المرح المنتشرة في أرجاء مجالس الأنس والحب والغزل والفرح، حيث نسمع ضحكة أنثوية مجلجلة ومثيرة تطلقها جميلة من الجميلات المتواجدات في هذا السمر الفردوسي، ولنلاحظ أيضا تصوير الموسيقا لهذه الضحكة، بجملة تؤديها آلة الفلوت بتنقلها بين نوتة "مي" ونوتة "صول" بطريقة تشبه كثيراً الضحكة، وتتكرر تلك الضحكة ثلاث مرات تماماً، ولكن من نوتات مختلفة متدرّجة الانخفاض، كما  هو حال الضحكة تماماً، وذلك في خلفية أداء فيروز لجملة "ضحكة طافرة و نشيد في الأثر".

نسمع بعد ذلك ثلاث نوتات من المقام الأساسي (سي بيمول ماجور) تمهيداً لبداية المشهد التالي:
"والمساء المنتحي
بعد هاتيك الصور
ذاهلٌ شالَ به
صوتُ نايٍ مُبْتَكَرْ".

تُؤَدّى هذه العبارات بلحن مطابق تماماً للحن البداية، وتصور تنحّي الليل على وقع صوت الصباح القادم، بعد ذهول الليلة الفردوسية، فيحمله صوت ناي الصباح ويرميه خلف المشهد.
ومع صوت ناي الصباح المبتكر، تبدأ الروابي بالنهوض في الأفق. ونلاحظ في الخلفية الموسيقية، تلك التركيبات اللحنية المتصاعدة لآلة الأوبوا، التي تجسد صوتياً الحركة المتصاعدة للصورة الشعرية. وأخيراً تظهر إشارة الاستفهام الثالثة، التي تعقد صلة الشبه المؤكد بين العمر والقمر:

يا ترى ... العمر قمر؟

وتعود الموسيقا إلى تكرار ما فعلته في البداية تماماً، مجسدة رمزية الأفعى التي تعض ذيلها، فتكمل الدائرة ليعود كل شيء من جديد. فهاهو العمر تقصره النزوات، ولكن بغزل الحب والغناء والفرح، تُخْلَقُ حياة جديدة، مبتكرة، والعمر قمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard