اعتماد خورشيد... الموتة الأخيرة لامرأة صعدت شهرتها فوق لهب القش

الثلاثاء 29 يونيو 202112:39 م

بموت اعتماد خورشيد، الأحد 27 يونيو 2021، تأكد لي أمران، أولهما أنها كانت لا تزال تمارس الحياة، في الظل، بل في ظلام تلى أضواءً كاذبة تنتهي عادة باكتئاب، وثانيهما أنني لن أبحث في مكتبتي عن كتابها "شاهدة على... انحرافات صلاح نصر"؛ لأنه اختفى، وكنا في الجامعة نحجز قراءته، وتدور نسخه بين الأيدي، وتتلصص الأعين على ما في سطوره، وما بينها، من قصص وأساطير ونمائم واتهامات شملت نجوم الستينيات، ولم يسلم منها أحد ربما باستثناء جمال عبد الناصر، ولعل الكاتب الحقيقي للكتاب رأى تحييده، لإثبات الاتهامات على الآخرين، من مدير المخابرات صلاح نصر، ووزير الثقافة ثروت عكاشة، إلى نجوم السينما والغناء.

صدر الكتاب عام 1988، وتوالت طبعاته، وزادت مبيعاته على مبيعات أي كتاب آخر في مصر. أثبت الكتاب صدق مقولة "رواج البضاعة أهم من جودتها"، وحقق الكتاب المنسوب إلى اعتماد خورشيد عائداً من الشهرة، وربما من الأموال، أكبر مما جنته من إنتاج الأفلام. ولم يكن القارئ المتلصص آنذاك ليسأل عن التاريخ الكتابي لامرأة وضع اسمها على الغلاف كمؤلفة، ففي الأجواء الساخنة والمتوترة يسعى الجمهور - الجمهور لا القارئ الواعي - إلى معرفة "ماذا" يقال، ولا يتحرى الدقة ولا يفرق بين العقلانية والأوهام، ولا يجيب عن سؤاليْ: كيف؟ ولماذا؟ أرضى الكتاب شرائح من القراء، المنزهين لعبد الناصر، والكارهين لدولة يوليو، والطاعنين في أخلاق الفنانين.

أثبت الكتاب صدق مقولة "رواج البضاعة أهم من جودتها"، وحقق الكتاب المنسوب إلى اعتماد خورشيد عائداً من الشهرة، وربما من الأموال، أكبر مما جنته من إنتاج الأفلام

الشهرة الكاذبة، المفتقدة إلى جذور وأسس، تثير الريبة، ولا تخدع الجمهور طويلاً. وعلى من يلقي نكتة أن يعي ذكاء جمهور يغري المغفلين باستحسان النكتة، ويعرض عنها إذا ألقيت للمرة الثانية، وينفض عن قائلها حتى لو ألقى نكتة جديدة.

لو أن اعتماد خورشيد نجت بكتابها وتوقفت، لصار مثل مقذوف رصاصة. وللمقذوف صلاحية لمرة واحدة فقط، وقد يُميت في هذه المرة إذا أصاب الهدف. وصاحب الرصاصة الذكي لا يبحث عن المقذوف، ولا ينشغل بمعرفة انتزاعه من الجثة أو دفنه معها. ولكن الكاتب الخفيّ لكتاب اعتماد خورشيد، إن وجد هذا الكاتب وأعلن يوماً عن نفسه، أعمته إصابة الهدف، فتخيل أن السحر في المقذوف.

الرواج التجاري للكتاب الأول لاعتماد خورشيد فاجأها، فأغراها باستثماره. النجاح السريع قاتل أحياناً لصاحبه، إلا أن يمنحه الله حظاً من الرزانة يعصمه من الجنون. بحثت المرأة في جثة صلاح نصر عن المقذوف، واستعادته وصنعت منه عدة نسخ، ونشرت كتابيها "حكايتي مع عبد الناصر"، "ودخلت القصر". رأيت الكتابين عند باعة الصحف، ولم أهتم بشراء أي منهما، ولم أحاول قراءتهما بالاستعارة من صديق. ولعلها نشرت كتباً أخرى زهد فيها القارئ، فذهنية جمهور كتابها الأول غير مستقرة، جمهور "البست سيلر" تكفيه من البحر موجة واحدة، وينتهي الفضول بتذوق الطعم، لا باستساغة الفائدة غير الموجودة، ومتى خلفت نار القش جمراً؟ نجاح زائف وشهرة كاذبة.

صرفني عن اعتماد خورشيد، عام 1988، سؤال: امرأة تدعي إكراهها على الزواج من مدير المخابرات الحديدي، هل تعجز عن الخلاص منه؟

صرفني عن اعتماد خورشيد، عام 1988، سؤال: امرأة تدعي إكراهها على الزواج من مدير المخابرات الحديدي، هل تعجز عن الخلاص منه؟ بنحره أو انتحارها؟ وانشغلت عن السؤال، وانشغل قارئ البست سيلر بموجات من اهتمامات عاصفة بدأت بدخول جيش صدام حسين للكويت، وحرب الخليج، وعواصف السلام مع العدو الصهيوني، وصعود طالبان، وجولات تنظيم القاعدة، وتفجيرات 11 سبتمبر 2001، واصطناع السلطة العسكرية أجيالاً من السلفيين يحاربون بهم الإخوان، وشجعت الاثنين معاً على وضع ما لديهم من عصيّ في عجلات الثورات العربية فتوقفت إلى حين، ومن جراب الدولة العميقة خرجت عصا موسى، فأبطلت عمل السحرة الهواة، ثم فوجئنا بأن اعتماد لا تزال موجودة.

توفيت اعتماد خورشيد عن 82 عاماً، منها ثلاثون سنة من التجاهل، ولم تشفع لها شهرة وضعتها فوق اللهب، ولكن لهب القش قصير العمر والأثر. عبرة ثلاثين سنة من العتمة لن يعتبر بها أحد، وفي هذا الطابور كثيرون، أكتفي منهم بنموذج واحد هو إسماعيل ولي الدين. في عام 1969 صدرت روايته "حمام الملاطيلي". من فاتته الرواية شاهدها فيلماً لصلاح أبو سيف. وتوارث المشاهدون ملاحقة الفيلم المختبئ في أشرطة الفيديو، في جلسات سرية، للتلصص على جسد بطلته نجمة الإغراء. استغنى ولي الدين بالشهرة عن النقد الذي تجاهله، وعن النقاد مستبدلاً بهم جمهور السينما، وكانت "رواياته" تنتقل من سخونة المطابع إلى أشرطة السينما.

لو أن اعتماد خورشيد نجت بكتابها وتوقفت، لصار مثل مقذوف رصاصة

لولي الدين أكثر من 20 فيلماً، لأجيال من نجمات الإغراء؛ "حمام الملاطيلي" لشمس البارودي، "الباطنية" لنادية الجندي، "أبناء وقتلة" لنبيلة عبيد وإخراج عاطف الطيب، "حارة برجوان" لنبيلة عبيد وإخراج حسين كمال، "درب الهوى" ليسرى ومديحة كامل وأحمد زكي ومحمود عبد العزيز، "الوحوش الصغيرة" لسهير رمزي وهياتم. وفي القاهرة تأسست دار نشر، واستوى عودها اعتماداً على "روايات" ولي الدين. وقال لي صديق إن ولي الدين كان ينشر المسودات، فلا وقت لديه لإعادة النظر في ما يكتب، ورواج البضاعة يغني عن جودتها. وبعد هدوء غبار المطابع وضجيج عجلة السينما، اختفى اسم ولي الدين. فلم يعد على قيد "الكتابة"، وإن كان على قيد الحياة.

رغم محاولات النحر والمضايقات والتهميش، لا تزال في الضمير الثقافي المصري بقايا حياة، هناك قضاة تكفي شهادتهم لتعميد كاتب. هذا الضمير يرصد بأناة التطور الطبيعي للمواهب، في الإبداع والبحث. قبل نشر نصر حامد أبو زيد كتابه "مفهوم النص... دراسة في علوم القرآن"، سبقته دراسات متفرقة، تؤكد انشغاله بهذا الأمر، فجاء الكتاب منتمياً إلى تاريخ كاتبه. هذا الضمير يزدري حملة جوائز شيوخ النفط ومفاتيح خزائنهم، ويستخف بموالي نصبوا حفلة الزار للقذافي، ورأوا في قصص تحمل اسمه "كتابة" تصمد للنقد في معرض الكتاب بالقاهرة، وفي ليبيا أيضاً. أكاد أخالف ما ألتزم به، من بقاء كلامي داخل البيت المصري، وعليّ أن أنهي المقال.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard