لجان تسلّم لجاناً… قيود تكبّل الإصلاح السياسي في الأردن

الخميس 24 يونيو 202102:57 م

تتسع الفجوات الفكرية بين القوى السياسية المختلفة في الأردن، شيئاً فشيئاً، تجاه الإصلاح السياسي الذي تسعى إليه البلاد منذ سنوات طويلة، خصوصاً بعد إطلاق العاهل الأردني لجنة تحديث المنظومة السياسية الملكية، لتقديم تعديلات في قوانين الحياة الحزبية والسياسية في المملكة.

اللجنة التي بدأت بعقد اجتماعاتها خلال الأسابيع الماضية، وضمّت 92 عضواً، من وزراء، ونواب سابقين، وقيادات من حزب جبهة العمل الإسلامي (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين)، ومن أحزاب يسارية، وناشطين سياسيين، تواجه سخطاً شعبياً، حمل موقفاً مسبقاً من نتائج عملها، ورأياً سياسياً مختلفاً.

بيئة سياسية عرفية

ويرى المناهضون للّجنة أن الإصلاح السياسي والاقتصادي المطلوب، يمكن تحقيقه من خلال إرادة سياسية لدى النظام الحاكم، خاصةً وأن أولى خطوات الإصلاح قرار تنفيذي لا يحتاج إلى لجان، ويتمثل في عدم تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية، سواء في أي انتخابات تشهدها البلاد، أو في عمل الأحزاب السياسية، أو في التضييق على المعارضة، ما يعني تهيئة البيئة السياسية في المملكة للمكونات السياسية المختلفة.

الاعتقاد السابق، جاء بعد أن عاش الشارع الأردني تجارب طويلة وفاشلة مع اللجان التي أُطلقت في عهد الملك عبد الله الثاني، حتى باتت عبارة "إذا أردت أن تُفشل قضية، فشكل له لجنة"، متداولة ومتعارفاً عليها في المملكة. وكانت أولى اللجان التي شُكلت، لجنة الأجندة الوطنية التي باشرت عملها خلال العام 2005، وضمت نحو 450 شخصية أردنية من مختلف التيارات السياسية، بيد أن توصياتها لم تُنفّذ. كما شُكلت لجنة الحوار الوطني الأردني مطلع آذار/ مارس عام 2011 بتوجيه من الملك إلى الحكومة بضرورة إجراء حوار وطني حول الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد، وذلك في غمرة المطالبات بالإصلاحات السياسية والدستورية التي اجتاحت الشارع الأردني منذ نهاية العام 2010، إلا أنها واجهت المصير نفسه.

عاش الشارع الأردني تجارب طويلة وفاشلة مع اللجان التي أُطلقت في عهد الملك عبد الله الثاني، حتى باتت عبارة "إذا أردت أن تُفشل قضية، فشكل له لجنة" 

"المؤشرات السياسية الحالية لا تشير إلى الإصلاح". هكذا يعتقد النائب الأول لحزب الشراكة والإنقاذ سالم الفلاحات، فالملاحقات الأمنية، والمحاكمات غير الدستورية للناشطين والحزبيين مستمرة، وأزمة نقابة المعلمين عالقة، والحريات العامة في أضعف مراحلها، وأصبحنا نعيش في مرحلة "عرفية"، والمنظومة الكاملة للحياة السياسية لا تفيد بأن هناك إصلاحاً حقيقياً.

في المقابل، يتفق الكاتب وعضو اللجنة الملكية عريب الرنتاوي، مع الفلاحات، إذ يرى أن هناك قوى تعرقل خطوات الإصلاح، وليس من مصلحتها السير في المشروع الإصلاحي، وأن البلاد تحتاج إلى خطوات متدرجة في الإصلاح، وليس إلى قفزات في المجهول، شريطة أن تتوافق الخطوات مع خط نهاية واضح الأهداف، ضمن جدول زمني واضح، خاصة وأن البلاد خطت خطوات إصلاحية مرة واحدة، ثم عادت إلى الوراء.

ما هي أهداف الإصلاح؟

ويحاول الفلاحات، خلال حديثه مع رصيف22، تلخيص مطالبات الإصلاح الكبيرة، من خلال نقاط عدة أبرزها: انتخابات نيابية نزيهة بقانون انتخابات عصري، وأحزاب سياسية فاعلة من خلال قانون جيد، وفصل السلطات بحيث يكون هناك تكامل لا تصادم، بالإضافة إلى تعديلات دستورية في الكثير من المواد، حتى في التعديلات الدستورية لعامي 2014 و2016.

اللجنة الملكية التي حدد الملك عملها في رسالته إلى رئيس اللجنة، تلخصت أهدافها في ثلاث نقاط:

* قانون للانتخابات

* قانون للإدارة المحلية (البلديات ومجالس المحافظات)

* قانون للأحزاب

ويعني ذلك الخوض في تعديلات دستورية للمادتين 34 و35 من الدستور الأردني، غير أن ذلك لا يُعدّ كافياً بالنسبة إلى المطالبين بتعديلات دستورية للمواد من 33 إلى 40 من الدستور. وتختص تلك المواد في صلاحيات الملك في حل مجلسي النواب والأعيان، وتشكيل الحكومات وإقالتها، وتوقيع الاتفاقيات الدولية والمعاهدات.

المعضلة الأكبر

يبدو أن المعضلة الأكبر بين دعاة الإصلاح في المملكة، هي التعديلات الدستورية. يكشف عن ذلك نقاش الإصلاح المطروح على الطاولة الأردنية. ويقول الفلاحات إنه من حق الشعب الأردني على الملك عبد الله الثاني، أن ينشئ في عهده دولة كاملة الأركان، ومن مصلحة القصر أن ينتج ملكية دستورية، يتحمل الشعب فيها نتيجة خياراته وتوجهاته، مما يعني أن يكون الملك رأس الدولة، وليس رئيس السلطات، وهذا الأصل، والحاجة إلى ذلك أصبحت كبيرة.

بين الخطوات التي تسير بها اللجنة الملكية الساعية إلى تحقيق إصلاحات سياسية، ترتفع أصوات أخرى داعية للبدء في تعديلات دستورية أوسع وأشمل، ليكون الإصلاح "كامل الدسم"، لا مجرد تجميل للتشوهات السياسية

في المقابل، يؤكد الرنتاوي أن التعديلات المطلوبة في الدستور، والتي تنادي بها بعض القوى السياسية، غير متوقعة في المدى القريب، لكنها ممكنة خلال الفترة البعيدة، وأنه لا يجوز إغلاق الباب أمام الاحتمالات تجاه ما هو مطلوب، إلا أن سعي القوى السياسية إلى ذلك يجب أن يستمر لمنع حدوث أي ردة على الإصلاح، كما حدث عام 2011 من خلال لجنة الحوار الوطني.

تعديلات دستورية متعددة

لجنة الحوار الوطني قدمت تعديلاتها إلى الملك عام 2011، وتضمنت تعديل 45 مادة، ووضع 15 مادة جديدة، وإلغاء العديد من المواد. وتتعلق التعديلات بشكل أساسي بتعزيز صلاحيات السلطة التشريعية، وتحصين مجلس النواب من الحل، والنص على إنشاء هيئة مستقلة للانتخابات، وأن يكون الطعن في نيابة أعضاء مجلس النواب أمام القضاء العادي.

وتعرض الدستور الأردني لتعديل آخر في 2014، حين أقر البرلمان تعديلات نصت على نقل صلاحيات تبعية القوات المسلحة الأردنية، وجهاز المخابرات العامة، إلى الملك مباشرة، وعليه بات هذان الجهازان خارج ولاية الحكومة المسؤولة أمام البرلمان.

وعام 2016، وفي خطوة مفاجئة، أُقرّت جملة من التعديلات المقترحة على الدستور الأردني، من أبرزها إقرار صلاحيات منفردة للملك في تعيين ولي العهد، ونائب الملك، ورئيس مجلس الأعيان وأعضائه، ورئيس المحكمة الدستورية وأعضائها، وقائد الجيش، ومدير المخابرات، ومدير الدرك، من دون توقيع رئيس الوزراء، ولا مجلس الوزراء.

بين الخطوات التي تسير بها اللجنة الملكية الساعية إلى تحقيق إصلاحات سياسية، ترتفع أصوات أخرى داعية للبدء في تعديلات دستورية أوسع وأشمل، ليكون الإصلاح "كامل الدسم"، لا مجرد تجميل للتشوهات السياسية، وحواراً لتضييع المزيد من الوقت، مع دخول البلاد في المئوية الثانية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard