ملكيّون يحاصرون الملك… حماة عرش الأردن لا يتوقفون عن إحراجه

الثلاثاء 20 أبريل 202106:21 م

للأديب الفرنسي رينيه دوشاتوبريان (أحد أبرز رواد المدرسة الرومانتيكية في القرن التاسع عشر) عبارة خالدة صارت مثلاً من بعده حين قال واصفاً أزمة الثورة الفرنسية "لا تكن ملكياً أكثر من الملك" مستنكراً سلوك جوقة "نابليون"، قبل أن يستقيل من منصبه كسفير في ايطاليا ويتفرغ للأدب تماماً.

واليوم، بعد أكثر من 200 سنة لا يوجد أصدق من مقولة دوشاتوبريان الشهيرة لوصف اشكالية الحكم في الأردن، أزمات متعاقبة، وهواجس تحيط بالقصر، ومستشارين يتبرعون بالسعي لغلق الابواب والنوافذ، مسببين حرجاً مجانياً للملك وللدولة الهاشمية. وباتوا جميعاً ملكيين أكثر من الملك.

وضع ملتهب

أسابيع قليلة فصلت بين حزمة قرارات وصفها البعض بالمقيدة للحريات في الأردن، بدأ من طلب الحكومة من محكمة قضائية حلّ حزب الشراكة والإنقاذ الجديد، على خلفية موقف الحزب من قرار حلّ نقابة المعلمين، وهو القرار الذي تزامن مع ازدياد الحدة النسبية للحراك، وما صاحبه من تضييقات على الصحافيين أصدرت حيالها منظمة هيومن رايتس ووتش بياناً رصدت فيه تلك الانتهاكات، وطالبت الحكومة الأردنية أن تتصرف بحزم لمحاسبة المسؤولين عن مضايقة وترهيب الصحافيين.

وسرعان ما تصاعد التهاب الوضع بالكشف عن محاولة انقلاب على الملك عبدالله، اتهم فيها الأمير حمزة أخو الملك، وهو الاتهام الذي حامت حوله أسئلة عدة بدأ من حقيقة ما حدث، انتهاء بدور الامير حمزه فيه، وهي الأسئلة التي أخمدها إعلانه الولاء لأخيه الملك وظهورهما معاً في صورة جمعتهما بالأمير الحسن عم الملك.

"لا تكن ملكياً أكثر من الملك"... بعد أكثر من 200 سنة لا يوجد أصدق من مقولة دوشاتوبريان الشهيرة لوصف اشكالية الحكم في الأردن، أزمات متعاقبة، وهواجس تحيط بالقصر، ومستشارين يتبرعون بالسعي لغلق الابواب والنوافذ، مسببين حرجاً مجانياً للملك وللدولة الهاشمية. وباتوا جميعاً ملكيين أكثر من الملك

التوتر يسيطر على الإدارة

رغم هدوء المشهد في قمة الهرم في عمان، يبدو التوتر جلياً في مستويات أدنى من الإدارة الأردنية. إذ تفاجأ الجميع بصدور قرار قضائي يقضي بسجن مواطنة أردنية لمدة عام مع وقف التنفيذ بتهمة إطالة اللسان على الملك، فيما تزامن القرار القضائي مع قرار إداري من إدارة التلفزيون الأردني يمنع عرض مسلسل درامي خلال رمضان لتضمنه إسقاطات سياسية.

القراران تسببا في إحراج غير مبرر للنظام الأردني، انتهى أحدهما بتدخل الملك شخصياً لاحتوائه، وظل الآخر تائهاً في دهاليز الإدارة الحكومية.

تحتاج فلسفة الإدارة ذاتها بالأردن لإعادة نظر، وربما تنسيق أكثر، أو ربما لشجاعة وثقة بالنفس أكثر من قبل المسؤولين، لتجنيب العرش الأردني مغبة إحراج غير مبرر بات يتكرر كثيراً أخيراً

أبوي أحسن من الملك

القضية الأولى التي تسببت في أزمة غير مبررة كانت بطلتها "آثار الدباس". الفتاة الأردنية التي حُكم عليها بالسجن مع وقف التنفيذ لقولها جملة "أبوي أحسن من الملك"، خلال مشاجرة مع سيدة أخرى، حول اصطفاف مركبتهما.

الحكم على الفتاة خلق حالة من التعاطف الشعبي ظهر من خلال تصدر وسم "أبوي أحسن من الملك" تويتر، مسبباً إحراجاً للنظام، لم ينهه سوى تدخل العاهل الأردني مباشرة، إذ اتصل بالفتاة الدباس قائلاً لها "حقك تفتخري بابوكي وكلنا معاكي".

تدخل الملك عبدالله كشف فجوة بين منطق التفكير في قمة الهرم الحاكم في الأردن، وطبقات الدنيا. ففي حين تسبب البعض في أزمة للنظام، نجح العاهل في احتوائها بذلك الاتصال ليتبع الاتصال حكماً من محكمة الاستئناف بعدم مسؤولية آثار، وهو الحكم الذي ألقى بظلال قاتمة على حقيقة استقلال القضاء بالأردن.

حرج "أم الدراهم"

وفي مشهد أكثر دراماتيكيًا من قصة محاكمة الفتاة الدباس التي انهاها تدخل الملك عبدالله. قررت إدارة التلفزيون الرسمي الأردني، وقف مسلسل "أم الدراهم" خلال رمضان، بعد أيام من عرض "البروموشن" الخاص به، لتضمنه إسقاطات سياسية.

المسلسل الذي يحكي قصة قرية ريفية تحتضن مزارعين وعمالاً وفاسدين، بالاضافة إلى سماسرة يشكّلون معاً "مجلس المخاتير"، ويُساعد المجلس بـ"المختار أو الزعيم"، على البطش بالمواطنين، وفي نهاية العمل الدرامي، تشهد القرية ثورة على المختار، ويتم وضع مختار أخرس، وعند ذاك تثور ثائرة المختار السابق، فيحاول بكل قوته العودة إلى الواجهة.

"العمل الكوميدي قوبل بتصرف حكومي اتسم بـ"الخوف وعدم الموضوعية غير مبررين "على حد تعبير الناقد الفني، داوود جلاجل، الذي وصف القرار بأنه "جريمة" من قبل الإعلام الرسمي.

وسرعان ما تسبب القرار في هبوب موجة استياء ممزوجة بسخرية بين الأردنيين، الذين رأوا القرار تضييقاً على الحريات وتحكم فيما سيشاهد المواطن الأردني، وكأن زمن الشاشة الواحدة في ستينيات القرن الماضي سيعود من جديد.

وفي محاولة لاحتواء الموقف صرح مدير عام التلفزيون الرسمي محمد بلقر أن وقف المسلسل جاء بعد رفضه من قبل لجنتين رقابيتين لجملة من الأسباب، نافياً أن يكون السبب وجود إسقاطات سياسية. إلا أن ذلك النفي لم يزد المدونين إلا غضباً.

ملكيون يحرجون من الملك

القضيتان اللتان أثارتا الشارع الأردني في توقيتهما وغرابتهما، دون مبرر قوي او داع منطقي، تدللان على سوء تصرف، الإدارة الوسطى في الأردن، التي صار أصحابها ملكيين أكثر من الملك، وباتت قراراتهم سبباً دائماً لأزمات تطول النظام بلا داعٍ.

ورغم تدخل الملك لإنهاء بعض تلك الأزمات أحياناً، تحتاج فلسفة الإدارة ذاتها بالأردن لإعادة نظر، وربما تنسيق أكثر، أو ربما لشجاعة وثقة بالنفس أكثر من قبل المسؤولين، لتجنيب العرش الأردني مغبة إحراج غير مبرر بات يتكرر كثيراً أخيراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard