شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
المرشد والرئيس… إيران تحت حكم عمامتين سوداوين

المرشد والرئيس… إيران تحت حكم عمامتين سوداوين

سياسة

الخميس 24 يونيو 202112:46 م

في أعقاب فوز المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، يختلف المحللون حول خطوات طهران القادمة، فهنالك مَن يتحدث عن أنها ستنتهج سياسات أكثر تشدداً وهنالك آخرون يتوقعون سعياً إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار.

يحلّ رئيسي المدعوم بشكل واضح من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي محل الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، صاحب العمامة البيضاء والأكثر اعتدالاً، في آب/ أغسطس القادم، بعد أن فاز، بسهولة، في انتخابات شهدت إقبالاً منخفضاً، ما يشير إلى تراجع ثقة الإيرانيين بجدوى الآلية من الأساس.

تغييرات في الداخل

يشير الدبلوماسي الإيراني السابق سيد هادي أفقهي إلى أن رئيسي أعلن في حملته الانتخابية أنه سيكون مرشحاً مستقلاً ورئيساً لكل الإيرانيين ولجميع التيارات والانتماءات، وبرأيه لن يكون مفاجئاً حينما يعيّن مستشارين ووزراء من المعسكر الإصلاحي.

وتشخص الأبصار إلى ما سيحدث في إيران في السنوات القليلة القادمة بشكل خاص لأنه يبدو أن خامنئي البالغ من العمر 82 عاماً يمهد لخلافته، واسم رئيسي مطروح، وبرأي الباحث في مجموعة الأزمات الدولية علي فائز، ستكون هذه "لحظة محورية للغاية" بالنسبة إلى إيران، وخامنئي يبحث عن "حليف موثوق به" للتأكد من أن الانتقال سيحدث بسلاسة.

ويتوقع فايز أن تشهد إيران مزيداً من القمع "على المدى القصير"، ويحذّر المسؤولين من أنهم "يجلسون على قنبلة موقوتة" بحال فشل النظام في الاستجابة للصعوبات الاقتصادية.

وبعد إشارته إلى أن "صحة خامنئي الذي يبلغ من العمر 82 عاماً ويُعتقد على نطاق واسع أنه مصاب بسرطان البروستاتا هي واحدة من أسرار الدولة الإيرانية الأكثر إحكاماً"، يشير الباحث في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي كريم سجادبور إلى أنه "على الرغم من أن خامنئي قد يرغب في أن يخلفه رئيسي، إلا أن عمليات تسليم السلطة في الدول الاستبدادية لا يمكن التنبؤ بها بطبيعتها".

ويتابع في مقال نشره في مجلة "ذا أتلانتيك" أنه "من المحتمل أن تتضاءل شعبية رئيسي، التي هي محدودة بالفعل وهذا اتضح من الانخفاض القياسي في إقبال الناخبين، بمجرد توليه منصبه وتحميله المسؤولية عن اقتصاد معطّل غير قادر على إصلاحه، والقمع السياسي والاجتماعي الذي سيكثف من تراجع شعبيته".

أمام هذه الظروف المعقّدة، توقّع الصحافيان ديفيد سانغر وفرناز فاسيحي، في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" أنه "إذا نجح تخفيف العقوبات، يمكن للحكومة المحافظة الجديدة بقيادة رئيسي أن تنسب لنفسها الفضل في حدوث انتعاش اقتصادي".

ويلفت سجادبور إلى أن أحد مفاتيح خامنئي السياسية منذ عام 1989 هو "قدرته على استخدام المؤسسات الإيرانية غير المنتخبة لتعزيز سلطته واستخدام المؤسسات الإيرانية المنتخبة في الوقت نفسه لتجنب اللوم"، ويضيف أنه "يمكنه الاستعانة بالحرس الثوري في القمع السياسي، بينما يحمل الرئيس المنتخب المسؤولية عن الاقتصاد الفاشل في البلاد"، ومن هنا فإن انتخاب شخص يُعتبر تلميذه، يجعل من الصعب عليه الاستمرار في إلقاء اللوم على رئيس البلاد.

ويستبعد سجادبور حدوث انتفاضة على النظام، ويقول: "كل عقد، يتوصّل جيل جديد من الإيرانيين المحبطين إلى استنتاج مفاده أنه لا يمكن إصلاح الجمهورية الإسلامية عبر صناديق الاقتراع"، ولذلك يهاجر مَن يستطيع الهجرة بدلاً من البقاء والمخاطرة بحياته بسبب معارضته للنظام، مشيراً إلى أن وزير العلوم والتكنولوجيا الإيراني السابق صرح ذات مرة أن هجرة الأدمغة تكلف البلاد 150 مليار دولار سنوياً، أي أنها تخسر أكثر مما يمكن أن تجنيه من عائداتها النفطية.

إحدى أوراق خامنئي السياسية هي قدرته على استخدام المؤسسات الإيرانية غير المنتخبة لتعزيز سلطته، واستخدام المؤسسات الإيرانية المنتخبة في الوقت نفسه لتجنب اللوم، ولكن انتخاب "تلميذه" إبراهيم رئيسي سيجعل من الصعب عليه الاستمرار في إلقاء اللوم على رئيس البلاد

ويضيف: "النظام يبدو حالياً غير قابل للإصلاح وغير قابل للكسر. وطالما ظلت قوات الأمن الإيرانية موحدة ومستعدة للقتل الجماعي، وظل المجتمع الإيراني مفككاً وغير راغب في الموت بشكل جماعي، فإن الأمر سيستمر في التحوّل لصالح النظام".

بعد خروجهم من المشهد، يحاول الإصلاحيون إعادة تنظيم صفوفهم، معتمدين على أن انخفاض الإقبال على الاقتراع هو مؤشر على استياء الناس، وفي هذا السياق أصدر الرئيس الأسبق محمد خاتمي بياناً قال فيه إنه "يحني رأسه" لكل مَن لم يصوّت، مضيفاً أن تدنّي نسبة الاقتراع هو "علامة على خيبة أمل الناس ويأسهم".

سياسة خارجية جديدة؟

يرى محللون أن انتخاب رئيسي يعني استمرار الدعم الإيراني للاعبين من غير الدول في المنطقة، مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والحوثيين في اليمن، والميليشيات الموالية لطهران في العراق، وحزب الله في لبنان.

ولكن هذه الملفات في الأساس هي بيد الحرس الثوري، وليست بيد الرئيس. ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن التوافق بين الحرس والرئيس سيعطي زخماً لهذه السياسات، إذ لن تكون موضع صراع.

يقول مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط، أليكس فاتانكا: "ليس لدى رئيسي ما يقدّمه من حيث السياسات الإقليمية. هذا ليس مجاله. طوال 42 عاماً من حياته المهنية في الجمهورية الإسلامية كان في الفرع القضائي. إنه أكثر خبرة في التعامل مع إصدار الأحكام والسجن وفي بعض الحالات الأمر بإعدام السجناء السياسيين المحليين. ليس لديه الكثير ليقدّمه في تشكيل سياسة طهران الإقليمية، على الأقل، ليس على المدى القصير. سوف يدعم ببساطة رؤية آية الله خامنئي والحرس الثوري".

"النظام الإيراني يبدو حالياً غير قابل للإصلاح وغير قابل للكسر. وطالما ظلت قوات الأمن الإيرانية موحدة ومستعدة للقتل الجماعي، وظل المجتمع الإيراني مفككاً وغير راغب في الموت بشكل جماعي، فإن الأمر سيستمر في التحوّل لصالح النظام"

يكرر ذات الرأي سجادبور، إذ يعتبر أن رئيسي، مثله مثل جميع الرؤساء الإيرانيين، سيلعب دوراً ضئيلاً في تشكيل السياسة الخارجية للبلاد، وستستمر هوية الجمهورية الإسلامية قائمة على أساس معارضة أمريكا وإسرائيل، وستواصل طهران تسليح وتمويل وكلائها وحلفائها في الدول الفاشلة، بما في ذلك سوريا ولبنان واليمن والعراق وفنزويلا، أي في ما يُسمّى بـ"محور المقاومة".

ويشكك سجادبور في استجابة رئيسي لرغبة الرئيس الأمريكي جو بايدن في التفاوض على اتفاقية أوسع تخفف من مخاوف الدول الخليجية، ويقول: "يشير اختيار رئيسي إلى أن إيران ستقاوم رغبة إدارة بايدن في التفاوض على اتفاقية جديدة تتناول برنامج طهران الصاروخي وطموحاتها الإقليمية. قد يخلق هذا معضلة لبايدن: إذا حاولت واشنطن إجبار إيران على التفاوض بفرض عقوبات جديدة، يمكن لطهران الرد من خلال استئناف أنشطتها النووية ومهاجمة الولايات المتحدة، ومصالحها والحلفاء في الشرق الأوسط عبر الوكلاء، مع العلم أن إدارة بايدن تسعى إلى تقليص الوجود الإقليمي لأمريكا".

وبالفعل، قال رئيسي إن الصواريخ الباليستية الإيرانية وسياساتها الإقليمية "غير قابلة للتفاوض". وفي تحليل لتصريحاته، رأى حميد رضا عزيزي، الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: "كان ذلك متوقعاً تماماً، فهو يعرف الكثير عمّا لن يفعله أكثر مما عمّا سيفعله في ما يتعلق بأي خطط محددة في السياسة الخارجية، لقد كان فقط يردد المواقف العامة للجمهورية الإسلامية".

عن سؤال عمّا إذا كان سيقابل بايدن، أجاب رئيسي بكلمة واحدة: "لا". ويعزو عزيزي هذا الحزم اللافت للنظر إلى افتقاره إلى الخلفية الدبلوماسية، وقال: "لم تكن اللهجة دبلوماسية، وهذا شيء سنشهده أكثر خلال فترة رئاسته لأنه ليست لديه خبرة في الدبلوماسية".

ومع ذلك، يرى محللون في طهران أن انتخاب رئيسي سيكون فرصة لتحقيق السلام في المنطقة، على عكس الحال مع روحاني الذي كان يركز اهتمامه على توطيد العلاقات مع الغرب فحسب.

يقول أفقهي لرصيف22 إن رئيسي أعلن أن أولويته ستكون تحسين العلاقات مع دول الجوار، بعكس روحاني الذي أهمل الدول المحيطة، وركز على الانفتاح على الدول الغربية، وفشل في ذلك، وكانت النتيجة خسارة من كل النواحي وغضب ناخبي التيار الإصلاحي.

وكان رئيسي قد أشار إلى رغبته في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية، والتي انهارت عام 2016 بعد أن اقتحم إيرانيون السفارة السعودية في طهران، احتجاجاً على إعدام المملكة لرجل الدين الشيعي البارز الشيخ نمر النمر، ما دفع الرياض إلى سحب بعثتها.

تشير صحيفة "طهران تايمز" إلى أن وسائل الإعلام صوّرت رئيسي على أنه سياسي ذو آراء محافظة، حتى أن البعض وصفه بأنه "متشدد" وسيواجه صعوبة في تحسين علاقات إيران مع المجتمع الدولي، لكن العكس تماماً سيحدث، على الأقل مع بعض جيران إيران العرب الذين اشتكوا منذ فترة طويلة من افتقار روحاني إلى الصلاحيات الكافية لإصلاح العلاقات معهم.

وتذكّر الصحيفة المحافظة بأن إيران سعت إلى تهدئة مخاوف جيرانها العرب بشأن الاتفاق النووي من خلال تقديم مبادرة سلام سمّيت مبادرة هرمز للسلام، لكن السعوديين رفضوا مناقشتها، باعتبار أنها من بنات أفكار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي يعتبرونه منفصلاً عن دوائر السلطة الحقيقية. وبرأيها، "مع تولي رئيسي، من المعسكر المحافظ، المنصب في آب/ أغسطس، لن يكون لديهم أي عذر لرفض عروض إيران بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين".

Website by WhiteBeard