بعد خرقه شروط "الإقامة الجبرية"... الرئيس الموريتاني السابق في السجن

الأربعاء 23 يونيو 202102:07 م

أحال قطب التحقيق في الجرائم الاقتصادية الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز إلى السجن، وذلك بعد استدعائه مساء يوم الثلاثاء 22 حزيران/ يونيو لاستجوابه حول تغيّبه عن التوقيع يوم الأحد الماضي. واتخذ قطب التحقيق القرار بناء على طلب من النيابة العامة. وكان عبد العزيز قد عاد إلى منزله من دون التوقيع، احتجاجاً على ما وصفه بقمع الشرطة لمرافقيه لمنعهم من مواصلة السير معه، ومناصرته.

ويُذكر أن قطب التحقيق في الجرائم الاقتصادية، قرر في أيار/ مايو الماضي وضع الرئيس السابق ولد عبد العزيز رهن الرقابة القضائية المشددة في منزله في مقاطعة لكصر في ولاية نواكشوط الغربية، وحدد حركته في أمور قليلة وخاصة، مثل التطبب، وتأدية الشعائر الدينية، والذهاب إلى التحقيق، أو التوقيع على الحضور وإثباته عند القاضي، إذ أُلزم ولد عبد العزيز بالتوقيع ثلاث مرات أسبوعياً.

ومثُل ولد عبد العزيز مرتين أمام قاضٍي التحقيق منذ أن وُجهت إليه تهم غسل الأموال، في آذار/ مارس الماضي. وجاء قرار سجن الرئيس السابق عقب أيام على قراره التوقف عن الحضور إلى مركز الشرطة، مخالفاً بذلك أحد شروط الإقامة الجبرية المفروضة عليه.

جاء قرار سجن الرئيس الموريتاني السابق عقب أيام على قراره التوقف عن الحضور إلى مركز الشرطة، مخالفا بذلك أحد شروط الإقامة الجبرية المفروضة عليه

وكان على الجنرال السابق، البالغ من العمر 64 عاماً، والذي تولى السلطة إثر انقلاب على أول رئيس منتخب في البلاد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في العام 2008، أن يحضر إلى مركز الشرطة ثلاث مرات في الأسبوع، وأن يسعى للحصول على الموافقة قبل مغادرة العاصمة.

وستتم إحالة ولد عبد العزيز إلى السجن بعد أن يقضي فترة اعتقال مؤقت داخل الإدارة العامة للأمن، وذلك ضمن الإجراءات الاحترازية من فيروس كورونا، إذ عمدت الجهات القضائية العام الماضي إلى إحداث مراكز خاصة بالاحتجاز ليقضي فيها المحالون إلى السجن فترة وجيزة للتأكد من عدم إصابتهم بفيروس كورونا، قبل إحالتهم إلى السجن العام.

ويواجه ولد عبد العزيز تهماً تتعلق بالفساد، واستخدام النفوذ، والكسب غير المشروع. وإثر قرار سجن ولد عبد العزيز، أعلن حزب "الرباط الوطني من أجل الحقوق وبناء الأجيال"، رفضه إحالة الرئيس السابق إلى السجن، وأكد أنه سينظم خلال الأيام المقبلة أنشطة احتجاجية لرفض هذا القرار.

وكان ولد عبد العزيز قد انضم إلى حزب "الرباط الوطني"، في نيسان/ أبريل الماضي، في محاولة منه لإنقاذ حياته السياسية بعد طرده من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، الذي كان قد أسسه سابقاً.

وتحالف حزب "الرباط" مع ولد عبد العزيز خلال الأشهر الأخيرة، وأصبح يدافع عنه، ويحاول جمع المتعاطفين مع الرجل، والداعمين له.

وعقد رئيس الحزب السعد ولد لوليد، مؤتمراً صحافياً بعد قرار إحالة ولد عبد العزيز إلى السجن، أكد فيه اعتزامهم تنظيم وقفات ومسيرات واعتصامات لمؤازرته.

سجن الرئيس السابق و "المدوّن" الحالي!

حين وُضع ولد عبد العزيز رهن الرقابة القضائية المشددة، وحُددت حركته، لم يرضخ للقرار، وقرر دخول عالم شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة موقع فيسبوك، إذ أعلن بعد نحو أسبوعين من القرار فتح حساب له على المنصة الاجتماعية، وقام في 30 أيار/ مايو بتفعيله، وراح يكتب المنشورات، ويعلّق على الأحداث، وواقعه هو، وواقع موريتانيا من منظوره، ثم انتقل من الكتابة إلى الظهور من خلال البث المباشر على فيسبوك. وظهر في فيديوهات عدة لينتقد طريقة تسيير الأوضاع من قبل الحكومة الحالية، ويتهمها بالفساد، ويدافع عن نفسه، وينتقد من تلوّنوا بعد خروجه من الحكم. وأصبح شديد الانتقاد والتأسف على واقع البلد، وحققت مقاطع الفيديو التي بثها نسب مشاهدة مرتفعة لفتت الانتباه.

وقال الرئيس السابق، والمسجون حالياً ولد عبد العزيز، إنه يتعرض للاضطهاد في محاولة لإبعاده عن السياسة، لكنه تعهد بأنه لن يذهب إلى المنفى.

تحوَّلَ إلى معارض فيسبوك بعد أن كان يصف ناشطي فيسبوك بـ"القطط" لكن رفضه الحضور إلى مركز الشرطة أدى إلى قرار سجنه. الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في السجن

الشكل الجديد لولد عبد العزيز، وظهوره على موقع فيسبوك، ذكَّر الناشطين على موقع التواصل الاجتماعي في موريتانيا، بموقفه السابق منهم، إذ كان قد شبههم بـ"القطط" أيّام حكمه، واتهامه الموقع بأنه موطن للمعارضة الافتراضية التي تحرّف الواقع، وتشوّهه. وسبق لولد عبد العزيز أن سجن في عهده عدداً من الناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي، ما يدفع الكثيرين الآن للسخرية منه.

وكتب محمد العثماني على حسابه في فيسبوك: "هذه الصورة عبرة التُقطت في مثل هذا اليوم 6/22 من العام 2019 حين كان ولد عبدالعزيز يحتفل بتزويره للانتخابات، وتسليم السلطة لزميله وذراعه اليمنى طوال 40 سنة ولد الغزواني".

وتابع العثماني: "اليوم ولد عبد العزيز يبيت ليلته الأولى في السجن بيد الرجل الذي صنعه في زنزانة نتنة من زنازين نواكشوط المليئة بالناموس، وفي صيف من دون مروحة".

وغرّد عضو جماعة الإخوان المسلمين، محمد المختار الشنقيطي، قائلاً: "إجراء موفَّق طال انتظاره".

ولم يكن موقع فيسبوك وسيلة ولد عبد العزيز الوحيدة التي حاول من خلالها أن يلفت الانتباه إليه، إذ كان يحاول فعل ذلك في كل مرة يتوجه فيها نحو إدارة الأمن للتوقيع على محضر "الحضور". واتّهم السلطات الموريتانية في بداية الأمر بمضايقته عند الذهاب في سيارته، والتعرض له، وقال بعض أنصاره إنه تعرض لمحاولة اغتيال، كما اتّهم النيابة بالقيام بأعمال استفزازية، ليقرّر بعدها أن يذهب سيراً على قدميه إلى إدارة الأمن للتوقيع، برفقة فريق من أنصاره، وكان يوثّق ذلك من خلال البث المباشر على فيسبوك عبر حسابات ومنصات مختلفة. وظلت إطلالاته تلقى الاهتمام والمتابعة، وعدّ البعض أن النظام أعطى ولد عبد العزيز فرصة لكسب تعاطف الناس، وانتقدوا إدارة الملف.

تباين في الآراء

تباينت الآراء حول إحالة ولد عبد العزيز إلى السجن، بين من يرحب بالقرار، ومن يعدّه غير مهم، ومن يراه استهدافاً، وتصفية حسابات. وفي حديث مع رصيف22، قال الناشط السياسي باب ولد إبراهيم: "الملف القضائي توقّف منذ أن اختُزل في ولد عبد العزيز. وأصبح تحريكه من السلطة يأتي كردّ على أي موقف، أو أي خطوة سياسية يقوم بها الأخير. وبذلك تم التخلي عن ولد عبد العزيز المفسد الذي كان من المفترض تقديمه إلى العدالة، إلى جانب المفسدين كلهم، واستُبدل بولد عبد العزيز السياسي المستهدف، وتلك ضريبة تتجاوز القانون العام، إلى إجراءات ردعية لشخص خارج من السلطة، والهدف منها تركيعه حتى يخرج من المشهد السياسي، أو أن يقبل بالمضي خلف رفاقه في مشروعهم السياسي".

كان البعض يقول إن النظام ضعيف ولا يستطيع أن يسجن ولد عبد العزيز، لكن بعد خرجاته في فيسبوك وخصوصا رفضه الحضور إلى مركز الأمن تقرّر سجنه

وأضاف ولد إبراهيم: "إن ظهور ولد عبد العزيز كسياسي يتعرض للتضييق والاستهداف على أساس مواقفه السياسية من النظام، يُكسبه التعاطف، والتضامن، من طرف من يرفضون الانتقائية والاستهداف والملاحقة على أساس المواقف السياسية من النظام".

وعلّقت الناشطة السياسية منى منت الدي على قرار سجن ولد عبد العزيز، قائلةً: "كان البعض يقول إن النظام ضعيف، ولا يستطيع أن يسجن ولد عبد العزيز. وكنا عندما نشرح لهم أن القضاء هو المعني بملفه لا يصدقوننا، ويقولون إنهم يخشون الرجل، ولا يستطيعون توقيفه. الآن وقد أحاله القضاء إلى السجن بعد أن رفض الذهاب للتوقيع عند الشرطة في انتظار محاكمته على التهم العظيمة التي وجهتها له النيابة، سيظهر أن لا أحد يستطيع أن يواجه القضاء والدولة، وأنه سيكون سجيناً مهيض الجناح كغيره من المساجين والمجرمين".

وأكدت منت الدي على أن "أهم ما في ملف ولد عبد العزيز هو المؤسسات التي تركت لها السلطات حرية ممارسة سلطاتها كاملة غير منقوصة، فبدا عمل السلطة التشريعية حراً، وجاء دور السلطة القضائية التي فتحت تحقيقاً، وارتأت المراقبة القضائية، بسبب طول التحقيق، واستحالة طمس أدلة الجرائم، والهرب. وها هي اليوم، بسبب سوء تقدير المتّهم، وعربدته، ورفضه لحكم القضاء بإلزامه التوقيع كل يومين في مركز الشرطة، تحيله إلى السجن ريثما تتم محاكمته، ويُحكم عليه أو يُبرّأ. ولا أتوقع براءته بسبب كثرة الأدلة والمضبوطات والمسروقات".

أما الباحث الموريتاني عباس أبرهام، فقال في منشور على صفحته على فيسبوك إن "جهد عزيز لم يضِع سدى، فقد أظهر، وإن كنا نعرف ذلك قبله، أنّ غزواني يعيش في جلبابه: صفقات الحكومة مشبوهة. النظام الجديد يلعب سياسات البحث عن الثراء نفسها التي لعبها سلفه: لوبيات، ودسائس، واسترزاق، وعودة إلى النظام الطائعي (نسبة إلى الرئيس السابق معاوية ولد الطايع)، نظام الأشراف والصفقات السياسية السرّية. ربما سيذهب عزيز فيها، ما لم يقايض صمته بما تبقى من ثروته، وبالتالي تقاعده المريح. إلا أن القصة الآن ليست قصة عزيز، بل قصة الباقين". مؤكداً على أنه: "لا بد من نضال حقوقي لمراقبة الثروة العامة، والتأكد من أن النهب الفاحش لثروة البلد الذي حصل في السنوات الماضية لن يتكرر. للأسف، المشكلة أن الجيل الجديد من الناشطين الميدانيين غير محترف في رصد الأشياء، والتعبير عنها، وأن المعارضة باعت المباراة. لا بد من مراصد جديدة للرقابة والتصفير على الأخطاء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard