"الحصانة الدستورية للوظيفة وليس الرجل"... هل الرئيس الموريتاني السابق محصن في قضايا فساد؟

الجمعة 12 مارس 202103:00 م

بعد أشهر من النقاش والجدل السياسي أحالت مديرية مكافحة الجرائم الاقتصادية يوم الثلاثاء، 9 آذار/مارس 2021، إلى النيابة العامة الموريتانية نتائج تحقيقاتها وطالبت بمتابعة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ونحو عشرة أشخاص ضمنهم أحد أصهاره، بتهم فساد فيما أصبح يعرف محليا بملف "فساد عشرية محمد ولد عبد العزيز".

يشتبه المحققون في تورط عدد من الأشخاص بينهم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وموظفون سامون سابقون ورجال أعمال، في ارتكاب مجموعة من الأفعال التي يعاقب على القانوني الجنائي الموريتاني

وتعود خيوط القضية إلى عمل لجنة تحقيق برلمانية تم تشكيلها للتحقيق في مجموعة من ملفات الفساد يشتبه أنها حدثت في عهد الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، وكانت تلك الملفات والقضايا من اختيار البرلمانيين. وحسب بيان النيابة العامة فقد: "شملت عمليات البحث الابتدائي تعقب وجمع ودراسة واستغلال آلاف الوثائق، والاستماع لعشرات الأشخاص، ومواجهة بعضهم ببعض، والقيام بمعاينات في أماكن مختلفة في مدن نواكشوط ونواذيبو والترارزة وإينشيري، فضلا عن جمع كم كبير من المعلومات من هيئات رسمية، ومكاتب مهن قانونية، ومؤسسات خصوصية".

تجميد أموال 

توصلت نتائج التحقيقات إلى الاشتباه في تورط عدد من الأشخاص بينهم موظفون سامون سابقون ورجال أعمال، في ارتكاب مجموعة من الأفعال التي يعاقب عليها القانون الجنائي الموريتاني. كما كشفت عن مشاركة مسؤولين سابقين في ارتكاب تلك الأفعال أو المساعدة في ارتكابها.

وأكد بيان النيابة العامة تمكُّنَ المحققين من اكتشاف وتجميد وحجز أموال وممتلكات منقولة وعقارية، تم الحصول عليها بشكل غير مشروع، من خلال ارتكاب عدة جرائم سببت " إضرارا بالمجتمع وذلك رغم محاولة بعض المشتبه بهم عرقلة سير العدالة وعدم التعاون مع المحققين".

هذه العملية أدت إلى تجميد أكثر من واحد وأربعين مليار أوقية، تعود 29 مليارا منها لواحد منهم، وما يزيد عن تسعة مليارات أوقية قديمة لشخص على صلة مصاهرة به، وحوالي مليارين وسبعمئة مليون، لمدير سابق لإحدى الشركات الوطنية، وذلك حسب بيان النيابة العامة.

بعد اتهاهه في قضايا فساد، الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ظل يرفض الإجابة عن أسئلة المحققين والنيابة العامة مشهرا ورقة الحصانة الدستورية

 وقررت النيابة العامة متابعة 13 شخصية ووضعتهم تحت الرقابة القضائية، من ضمنهم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ووزيران أولان سابقان ووزراء آخرون، ومدراء لشركات عمومية، إضافة إلى رجال أعمال مقربين من الرئيس السابق. وأصدرت أمرا باعتقال متهم خارج موريتانيا، فيما تم حفظ الدعوى عن مشتبه بهم، لأسباب مختلفة منها: "عدم كفاية الأدلة وغياب العنصر الجزائي في بعض الوقائع، أو عدم ملاءمة المتابعة بعد ضمان مصالح الدولة الاقتصادية والمالية".

ووجهت النيابة مجموعة من التهم للمجموعة الأولى كانت كالتالي: "تبديد ممتلكات الدولة العقارية والنقدية والحصول على مزايا مادية غير مستحقة، منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية، استغلال النفوذ، الإثراء غير المشروع، إخفاء العائدات الإجرامية، إعاقة سير العدالة، غسل الأموال" إلى جانب تهم أخرى باختلاف القضايا التي يتابع فيها المشتبه بهم.

ورقة الحصانة الدستورية

أثار المسار القانوني للقضية جدلا واسعا. فالرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ظل يرفض الإجابة عن أسئلة المحققين والنيابة العامة مشهرا ورقة الحصانة الدستورية. فيما ظل فريق دفاعه يكرر أنه محصن من المحاسبة، وأن التعامل معه عبر القضاء العادي غير قانوني. لكن هذا الرأي خالفه الكثير من القانونيين.

في تصريح لرصيف22 قال الأستاذ بجامعة نواكشوط، الدكتور أحمد ولد جدو أعلي إن "المسار القانوني للقضية سليم تماما. فالحصانة التي يقول بها البعض تأسيسا على المادة 93 من الدستور الموريتاني هي مؤسسة تهدف إلـى حمايـة الوظيفة لا إلى حماية صاحبها. وإن كانت مطلقة طيلة المأمورية (العهدة الرئاسية) فإنها تنتهي بانتهائها. ويجب العلم أن حماية الوظيفة تقتضي حمايتها ضد من يتقلَّدها أولا. لهذا إذا ما تخلف عن أداء واجباته في بعض الظروف يقتضي عزله مبكراً قبل انتهاء مدة ولايته".

قضية محمد ولد عبد العزيز والمحاسبة تصيب الدولة العميقة وعناصرها بالهلع، لما فيه من رسائل تضر المفسدين، بحسب البعض

وأوضح أعلي أن الرقابة القضائية "المشددة" التي فرضها قاضي التحقيق على الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز بطلب من المدعي العام "تعتبر نظاما وسطا بين كل من الحبس المؤقت والإفراج. والهدف منها تجسيد قرينة البراءة التي يتمتع بها المتهم طوال إجراءات التحقيق. هذا من جهة، ومن جهة أخرى السعي للكشف عن الحقيقة، وعن مدى تورط المتهمين الذين وضعوا تحت الرقابة القضائية للتحقيق معهم. وحين يكتمل ذلك تتم إحالتهم إلى القضاء للبت في التهم الموجهة إليهم".

وأكد أعلي قائلا: "أما قرار الحفظ فهو إجراء للنيابة العامة وهو إجراء إداري صدر عنها بوصفها السلطة الإدارية التي تهيمن على البحث، وهو على هذه الصورة لا يقيدها ويجوز العدول عنه في أي وقت بالنظر إلى طبيعته الإدارية البحتة، وأظن أن النيابة العامة استخدمته لكي تتابع أي مشمول في هذا الملف استفاد من الحفظ بمجرد وجود أدلة جديدة".

وأضاف: "في حالة الإدانة ستتراوح العقوبات بين الحبس من ستة أشهر إلى 10 سنوات، والغرامات المالية من 5 آلاف أوقية إلى 10 مليون أوقية".

زلزال يضرب "الدولة العميقة"

اختلفت الآراء حول مسار "ملف العشرية" وتقييمه، إذ أن هناك من يراه "خطوة مهمة في مسار دولة القانون ومحاسبة الفساد والمفسدين"، ومن يراه مجرد "مسرحية هزلية ولا علاقة له بمحاربة الفساد" بل هُو مجرد تصفية حسابات بين من  يصفهم البعض "بالمافيا الحاكمة" لموريتانيا. فعدد المتهمين في القضية والمبالغ المعلن عن تجميدها ضئيل جدا مقارنة بحجم الفساد في الجمهورية، بحسبهم.

وفِي حديث لرصيف22 قال الناشط الموريتاني ناصر ودادي: "ما يحدث اليوم هو بمثابة زلزال، فنحن في موريتانيا تعودنا على الإفلات من العقاب وغياب مبدأ المساءلة، ونتعامل بمبدأ عفا الله عما سلف وبمنطق قبَلِّي لا محاسبة فيه. وبالتالي محاسبة المفسدين تعد سابقة حقيقية في موريتانيا، رغم تفشي الفساد، والدولة الموريتانية كانت حلما عند جيل التأسيس لكن منذ وصول العسكر إلى الحكم عام 1978 بدأ ذلك الحلم يتلاشى، وتحول مشروع الدولة الذي بدأها جيل التأسيس بعد الاستقلال إلى شركة قابضة خاصة في عهد محمد ولد عبد العزيز".

وبالنسبة إلى الناشط فهي رسالة إلى ما يصفه بالدولة العميقة منبها إلى أن:" هذه القضية والمحاسبة تصيب الدولة العميقة وعناصرها بالهلع، لما فيه من رسائل تضر المفسدين". وخلص قائلا: "طبعا نطالب بالمزيد من المحاسبة وهذه بداية فقط، وهي بداية جيدة فما كان ينقص هو المحاسبة والعقاب. ففي موريتانيا كانت هناك بعض الحرية رغم إفراغ الأنظمة لها من أي محتوى لكنها كانت تفتقد للمحاسبة، وتواجدهما معا بالتأكيد مفيد للبلد. ومن المؤكد أن هناك من يرى أن ما يقع مجرد مسرحية هزلية ويشكك في الأمر ورأيه يحترم".

وبدوره يعتقد أحمد جدو ولد أعلي أن هذه اللحظة سوف تسطر تاريخا جديدا للحياة السياسية في موريتانيا. الأستاذ الجامعي يرى أنها: "مرحلة جديدة وجميلة لتطبيق القانون والعدالة لكل من اقترف جرائم فساد وتسلط واستبداد وعدم مراعاة للحقوق وستكون رادعة للغير في السنوات المقبلة إذا حافظنا على هذه المكتسبات".

وعلق محمد جميل منصور الرئيس السابق لحزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" المعروف اختصارا بـ"تواصل" على الحدث، وكتب على فيسبوك: "منذ حين أرى عدم الاستعجال، والابتعاد عن الخلاصات الجاهزة. المهم قانونيا احترام المساطر وضمان المحاكمة العادلة، والمهم عند الرأي العام استعادة المال العام، وإظهار جدية حقيقية في التعامل مع من يثبت عليه الفساد. لابد من انتظار المخرجات، وستكون الخلاصة حينها".

تمخض الجبل ليلد فأرا

أما الناشط أحمد سالم ولد أمبخوخة، فعبر عن أسفه لمخرجات الملف وكتب : "ملف لجنة التحقيق البرلمانية الذي يتكون من 500 صفحة ذكر مئات الأشخاص وعشرات القضايا وكلف الملايين، وتحقيقات الشرطة التي أخذت كل هذا الوقت وكلفت كل هذه الأموال انتهت بمتابعة 13 شخص غالبا سيبرأ أغلبهم عن طريق القضاء". ليختم تدوينته "تمخض الجبل ليلد فأرا ".

وعلى نفس النهج سار الناشط باب ولد إبراهيم، إذ كتب: "للحالمين بمكافحة الفساد كامل التعازي، وأرجو لهم العودة إلى مكانهم المرموق، والاستيقاظ من التنويم الغزواني، والاضطلاع بدورهم المهم، والاستمرار في كفاحهم ضد النظام العسكري الفاسد المفسد. لعلنا نتدارك يوما شيئا من هذا الوطن المنكوب".   وهو يشير "بالتنويم الغزواني"، إلى الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الغزواني.

أما النائب البرلماني محمد لمين ولد سيدي مولود وهو عضو لجنة التحقيق البرلماني، فقد استغرب إسقاط بعض قضايا الفساد من ملف التحقيق، وقال:" إسقاط ملف إفلاس سونمكس المسؤولة عن توازن السوق في وقت تبلغ الأسعار السماء غريب!".

وتساءل الكاتب الموريتاني محمد المنى عن طبيعة تصور الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني لمكافحة الفساد، وكتب:" لم تؤد نسخة «عزيز» من «الحرب على الفساد» في عام 2009 إلى إنهاء وقطع دابر هذه الآفة الخطيرة التي أكلت أحلام الموريتانيين وأوصلت مشروع دولتهم إلى حافة الإفلاس والسقوط، وذلك باختصار لأنها كانت نسخة محدودة وجزئية وانتقائية وانتقامية بشكل واضح وفج. فماذا عن نسخة غزواني لعام 2019 من «الحرب على الفساد»؟ وهل أفلحت في تحاشي تلك النقيصة المعيبة والمميتة؟".

 



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard