قتل واغتصاب وطعن... مخاوف من تصاعد الجريمة في موريتانيا

الثلاثاء 22 يونيو 202104:10 م

في مشهد غير مألوف، خرجت مئات من الموريتانيين في العاصمة نواكشوط يوم الجمعة 18 حزيران/ يونيو للتنديد بما يعدّونه موجة عنف تجتاح العاصمة، بعد عمليات قتل واغتصاب وطعن حدثت في شوارعها.

خروج السكّان للاحتجاج جاء بعد انتشار خبر يفيد عن قيام عصابة إجرامية باغتصاب أرملة أمام ذويها في حي في مقاطعة توجنين شرق العاصمة نواكشوط.

تزايد حالات العنف والقتل والسرقات المسلحة دفعت السكان في نواكشوط إلى الاحتجاج. هل هناك مخاوف من انفلات أمني في موريتانيا ؟

وسادت حالة من الغضب بين المواطنين تجلت في النقاشات في الأماكن العامة، كما ارتفعت حدة الانتقادات للسلطات الأمنية على شبكات التواصل الاجتماعي، وطالب المتظاهرون الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني بالاقتصاص من المجرمين، وتوفير الأمن للمواطنين، معربين عن خوفهم على بناتهم من بطش المجرمين.

موجة عنف أم تضخيم للواقع

تم تفريق هذه المظاهرة التي خرجت بعد صلاة الجمعة من المسجد السعودي باتجاه ساحة الحرية في العاصمة نواكشوط بالقوة، والقنابل المسيلة الدموع، من قبل قوات مكافحة الشغب.

وسبقتها بيوم مظاهرة في مقاطعة توجنين حيث وقع الحادث، وأخرى في ساحة الحرية للمطالبة بتوفير الأمن.

الحادث الذي أثار الغضب ليس معزولاً، فقد عاش الموريتانيون قبل أسابيع أجواء مشابهة بعد أن أقدمت عصابة على قتل الأستاذ الجامعي والفقيه والشاعر أحمد سالم ولد ألما، الذي تعرض لطعنات عدة في الصدر بالأسلحة البيضاء، توفي في إثرها مباشرة، بينما كان يسلك أحد الشوارع القريبة من بيته في أحد أحياء مقاطعة توجنين. مقتل الرجل المعروف في منطقته، أثار الكثير من الغضب في أوساط السكان، واندلعت احتجاجات وقتها للمطالبة بالأمن، والاقتصاص من القتلة. حوادث السرقة والعنف لم يسلم منها حتى رجال الدولة، إذ تعرض مسؤول حكومي لعملية سطو وتهديد بالسلاح، وهو في طريقه إلى المسجد، بالإضافة إلى عمليات طعن وسطو عدة تداول أخبارها الإعلام، وسبقت ذلك موجة عنف في مدينة نواذيبو، وعمليات قتل وسطو، وهو ما جعل الكثيرين يدقون ناقوس الخطر.

هناك من يعتبر أن العنف أصبح جزءا من المجتمع الموريتاني بسبب التحول العمراني واتساع المدن، ومن يقول إن السلطات الأمنية عاجزة عن إيجاد حل. لكن حالات السرقات والقتل والاغتصاب تقلق المجتمع

موجة العنف، أو عمليات القتل والسطو هذه، أثارت الكثير من الجدل في موريتانيا بين مهوّل ومخوّف من انفلات أمني، وراءٍ أن الأجهزة الأمنية غير قادرة على إدارة هذا الملف، ومطالبٍ باستقالة وزير الداخلية، واتّباع سياسات أكثر نجاعة. ويُرجع هؤلاء الوضع إلى فشل ينسبونه إلى الحكومة والرئيس في تسيير شؤون الدولة، ويعدّون أن هناك إخلالاً في القوانين والآليات المتبعة.

في الجهة الأخرى هناك من يروج للأمر على أنه مجرد مؤامرة على النظام من قبل بعض المناوئين له. وفي حديث لرصيف22، قال الناشط الحقوقي سيدي عثمان ولد الطالب أخيار: "بخصوص وجود موجة من العنف، فإن الظاهرة كانت موجودة وبحدة، لكنها كانت غائبة عن التناول عبر مواقع التواصل الاجتماعي. أعتقد أن الترسانة القانونية كفيلة بمعاقبة المجرمين، وإن كان هناك خلل في بعض العقوبات مثل العقوبات المتعلقة بالحماية الجنائية للطفل".

أما المحامية عائشة السالمة منت المصطفى فقالت لرصيف22 إنها تعتقد أن "العنف الجنسي كان موجوداً. إذ ندُر أن يمرَّ يوم من دون وقوع جريمة اعتداء جنسي في نواكشوط على الأقل". وترى المحامية أن الترسانة القانونية الحالية غير كافية لمواجهة هذه الظاهرة، ووجه النقص فيها غياب تعريفات واضحة للعنف الجنسي، وغياب الفحص الجنائي، والخلط بين مفهومي الزنا والاغتصاب".

استغلال سياسي؟

وقال الخبير الأمني الدكتور سليمان ولد الشيخ حمدي لرصيف22: "فعلاً هناك أحداث لوحظت، والسبب في ذلك هو أن الفترة التي سبقتها كان فيها بعض الهدوء، لكن الهدوء لا يعني أنه لا توجد جرائم. فخلال الأشهر الماضية حصلت مئات الجرائم لكنها كانت جرائم ضمن التطور الطبيعي للمجتمع. وهي جرائم قتل، وجرائم اغتصاب وسرقة، لكن لا يسلط عليها الإعلام الضوء، وتبقى ضمن تحقيقات الشرطة، وأمام العدالة من دون أن تثير انتباه الرأي العام، لكن حين يسلط الإعلام الضوء على الجرائم، تبدأ في الطفو فوق السطح، ويتطور الأمر إلى متابعات على شبكات التواصل الاجتماعي، ثم تنتقل إلى الانتشار في الشارع كشائعات، ثم تصل إلى مرحلة أن تتعامل الدولة معها بشكل جدي".

وأضاف شارحاً: "أعتقد أن هناك عناصر عدة تميز هذه الظاهرة الأخيرة، منها أن الفترة التي سبقت هذه الحالة كانت فترة هدوء نسبي، وأن هذه الجرائم يصاحبها دائماً شحن إعلامي، فتجد أنه مع بساطة الجريمة، على الرغم من أنه لا توجد جريمة بسيطة، يتم توثيقها بالصوت والصورة حتى تنتشر، لذلك اعتقد أن تسليط الضوء على هذه الجرائم، وتسويقها للشعب، ووضعها كمادة للمناقشة تقف وراءها جهة ما. فما يميز هذه الموجة هو الشحنة الإعلامية التي تواكبها، والتي جعلتها تخرج من طور الحدث الأمني، إلى طور الشائعة، فطور الفوبيا، ثم إلى طور الهلع عند المجتمع، وهذا ما يجعلني أعدّها ظاهرة غير طبيعية. وما يحدث يقول إن هناك أيادياً خفية لها هدف، ويجب أن نبحث عن المستفيد من تعميم الفوضى في موريتانيا، ومن فقدان المواطن ثقته في الدولة".

وتابع موضحاً: "الانفلات الأمني يُعرف بقيام مجموعة كبيرة غير منظمة، أو منظمة، بأعمال عنف، وسطو مسلح، أو غير مسلح، وعمليات إفساد في وضح النهار، وفِي مجابهة مباشرة مع قوات الأمن مهما كان نوعها، وبعدم سيطرة قوات الأمن على المشهد. وهذا لم يحدث. إذ لم نشهد صولة على الأسواق في وضح النهار، ولا إحراقاً للمحالّ، أو لأحياء سكنية، وهذا يدل على أن الفاعل يستخدم مجموعة من الأفراد، وعصابات صغيرة، ويخاف. وحسب تحليلي هناك فاعل يريد أن يعبث بالأمن ليرسل رسالة معينة، وأعتقد أن الجهاز الأمني تنبه للأمر".

ترييف المدينة من أسباب الجريمة

موجة العنف هذه فتحت النقاش حول أسباب الجريمة في موريتانيا، إذ يرجعها البعض إلى انتشار المخدرات، وإلى التسرب المدرسي، والتفكك الأسري، ولكن هناك من يرى أن ترييف المدينة عبر نزوح أهل الريف إليها لأسباب عديدة، وغياب سياسة ملاءمة المدن لتوافق هذا التطور؛ أي زيادة عدد سكان العاصمة من دون وجود خطط تنموية لاستيعاب ذلك، من أسباب انتشار العنف. فالمدن الحديثة تتطلب أن تكون الخدمات المقدمة فيها كافية للجميع، من مدارس، ومستشفيات، ومرافق عمومية، وفرص عمل تضمن العيش الكريم.

"اعتقد أن تسليط الضوء على هذه الجرائم، وتسويقها للشعب، ووضعها كمادة للمناقشة تقف وراءها جهة ما."

ومع انتشار أحزمة الفقر تتوافر أسباب الجريمة، إذ يأتي أبناء الريف إلى العاصمة فيضيعون في زحامها، ويُحرمون فرص العيش الكريم، هذا بالإضافة إلى مشاكل التفاوت الطبقي، والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالبلد، وغياب الأمل عند الكثيرين من أبناء الشعب.

وفي تدوينة للكاتب والمحامي الموريتاني محمد ولد أمين حول نقاش أسباب الجريمة، فإن هذه الفوضى تعود إلى "أسباب انتخابية إذ تم تقسيم عشرات آلاف القطع الأرضية في ضواحي نواكشوط عشوائياً خلال السنوات 2008 و2009 و2010، ما أدى إلى نزوح مباغت لربع مليون شخص من الأرياف إلى أحزمة الفقر في نواكشوط".

ويضيف الكاتب أنه لا توجد في هذه الأحزمة مدارس، ولا بنى أمنية، ولا مرافق صحية كافية. ولهذا فقد أدى هذا "الارتحال العشوائي إلى خلق نفسية ممزقة لدى الأطفال والمراهقين، ما سهّل انتشار المخدرات الرخيصة، وفاقم الأزمة. كان الأمثل بناء مدن جديدة تراعي الخريطة المائية".

ويقترح الكاتب مثل كثيرين أن تطوّر الدولة سياسة بناء مدن جديدة تستجيب للحاجيات العصرية، وتوفر السبل كلها للعيش الكريم للسكان، لكيلا ينقادوا إلى الفقر، وأحياناً إلى الجريمة.

ويضيف: "الأفضل هو بناء مدن غير متباعدة على طول الساحل الموريتاني، والأمثل أن تكون أكثر قرباً من الوادي الكبير الذي هو الرافد الوحيد المستمر للماء في موريتانيا كلها".

ويرى سليمان الشيخ حمدي من جانبه أن التربية، ومحاربة تجارة المخدرات، جزء من المعادلة لحل أزمة العنف، قائلاً: "نحن نعرف أن المجتمع منفتح من حيث وسائل الإعلام ووسائل التواصل، وليس هناك تحصين أو خبرة لدى المجتمع، لذلك تشيع فيه جرائم المخدرات، ونحن لا نقول إنه أصبح مثل كولومبيا، لكن هناك جرائم مخدرات تنتج عن تعاطي أشخاص بسيطين لها، لا عن عصابات مخدرات. وموريتانيا تُعدّ معبراً أساسياً للمخدرات، وما يُروّج منها هنا يأتي من الشمال والجنوب، وبحجم السوق المحلي فحسب. إذاً، انتشار المخدرات ساعد على انتشار الجريمة، كما ساعد على انتشارها تسرب الشبان من المدارس، إلى جانب التفكك الأسري الذي سبّبته الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في المراكز والمدن".

وفي انتظار حلول مناسبة للظاهرة التي تطفو فوق السطح، أصبح الموريتانيون أكثر يقظة، ويطالبون الدولة بالتدخل للخروج من نفق العنف المظلم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard