فضفضة وطبطبة وتدليك لـ"تصحيح المسار"... نساء غزة يتخلصن من آثار الحرب النفسية

الاثنين 21 يونيو 202104:11 م

ضحكت أمل (42 عاماً) على غير عادتها، طويلاً، وهي تحاول نفخ بالون ضمن جلسة تفريغ نفسي، وعندما انتهت تنهدت عميقاً، طلبت منها الأخصائية النفسية أن تضغطه بيديها حتى ينفجر، لتنهار بالبكاء والنحيب، دون أن تنطق بحرف.

"لا أنام الليل"

كانت أمل تتلقى، بمشاركة 15 امرأة أخرى، تدريباً في التفريغ النفسي بعد الحرب الأخيرة على غزة، في محاولة للخروج من الحالة النفسية التي ألمّت بها بعد أن فقدت جزءاً من منزلها في بيت حانون شمال القطاع.

"منذ انتهاء العدوان وأنا أشعر بغصة في قلبي، خصوصاً عندما أنظر إلى الطابق الثاني من منزلي، بعد أن أصابته قذيفة إسرائيلية، وأحرقته، والحمدلله لم يصب أحد من عائلتي" تقول أمل، وتستدرك: "رغم أن الألم النفسي أكبر بكثير من أي أذى جسدي أو خسارة مادية".


وتضيف أمل، وهي معلمة لغة عربية في مدرسة حكومية، موضحة تبعات العدوان النفسية عليها: "منذ الحرب وأنا عصبية، متوترة، لا أنام الليل، أشعر بالخوف الدائم، على عكس حالتي طوال الحرب، كنت متماسكة جداً، ولكن الآثار النفسية بدأت تظهر بعد ذلك حتى أنني فقدت القدرة على التركيز في عملي، وأظل أتابع الأخبار لحظة بلحظة، ولا أستطيع تخيل عودة الحرب مجدداً".

التحقت أمل بورشة التفريغ في برنامج غزة للصحة النفسية من باب التسلية، ولكنها اكتشفت خلال الجلسات كم هي بحاجة لهذا "التفريغ"، خصوصاً أن أعراض الصدمة تلاحقها.

جلسات "تركيز"

غادة رضوان (38 عاماً) منسقة مشروع "التركيز" ضمن مشاريع مركز فلسطين للصحة النفسية، وهو برنامج موجه للنساء اللواتي تعرضن لصدمات نفسية، ويتم العمل عليه منذ سنوات في قطاع غزة، وتوقف خلال الحرب، ثم قام المركز باستكمال أنشطته بشكل مكثف بعدها.

برنامج "التركيز" بحسب رضوان يعتمد على جلسات تفريغ نفسي مركزة، ومقننة بطريقة مهنية، ومن خلالها تكتشف الحالات التي تحتاج لعلاج أكثر تخصصاً.

"تكسرت الشبابيك وأنا شبه عارية على وشك علاقة حميمية مع زوجي، جريت، اتخبيت بالخزانة، كنت أبكي وأرتجف، وبعد الحرب كل ما قرب زوجي مني أصرخ"

تقول لرصيف22: "هنالك الكثير من النساء يعانين من الوصمة النفسية، ويخجلن من طلب العلاج النفسي بسبب الحروب أو فقدان أحد أفراد العائلة، وبالتالي نستهدفهن في هذه الجلسات حتى ندعم صمودهن النفسي".

وتضيف: "أثناء الجلسات نخاطب الروح والعقل والسلوك، ونحاول دفع النساء للحديث عما بداخلهن، وعن كل المشاعر التي مررن بها من خلال أنشطة مختلفة، إذ تدربنا عليها مسبقاً لأننا كلنا في المركز كأخصائيين نفسيين خضعنا لتدريبات مكثفة من قبل مشرفين نفسيين منذ سنوات، بالإضافة كل أسبوع يكون لنا إشراف دولي يقوم به مشرفون دوليون ومحليون لأننا نتعامل مع الناس نمتص منهم شحنات سلبية، وبالتالي نحتاج لعلاج وتفريغ بشكل خاص".

"قصفونا وأنا شبه عارية"

الحالة التي مرت بها دينا أحمد "اسم مستعار" ذات خصوصية دفعتها للحديث عنها جانباً مع الأخصائية النفسية، بعدما أجبرتها والدتها على المشاركة في ورشة التفريغ النفسي.

تقول دينا (33 عاماً) وهي ربة بيت: "في ليلة من ليالي الحرب طلب زوجي مني أن نقيم العلاقة الحميمية، ورفضت لأنه بصراحة الأجواء مش مناسبة، والخوف يمنعني، خصوصاً إنه عندي ولدين أقل من عشر سنوات، لكنه أصر، فوافقت غصباً عني، وبعد أقل من نصف ساعة صار قصف قريب جداً منا، وتكسرت شبابيك بيتنا، وكنت شبه عارية، فجريت، واتخبيت داخل الخزانة، وخرج زوجي يشوف وين القصف، وانا ضليت أكثر من ساعة بالخزانة بعيط، وبارجف، ومش قادرة حتى أطلع أحضن ولادي، وأنا سامعة صوت صراخهم".

وتضيف: "رجع زوجي، وطلعني، وصار يهديني، لكن للأسف صار معي زي حالة نفسية بتصيبني تشنجات مع صوت القصف، وحتى بعد انتهاء الحرب ضليت تقريباً أسبوعين ما أخلي زوجي يقرب مني، وأصير اصرخ".

ومع مرور أسبوعين على تلقي دينا للعلاج النفسي، بدأت تتحسن قليلاً رغم خوفها المستمر من عودة الحرب مجدداً.

تاتو ورقص وتدليك

خرجت النساء من الحرب، يلملمن أوجاعهن، ويرجعن للحياة من جديد، ولا أحب على قلوبهن من مركز التجميل، يعيد شيئاً لمشاعرهن التي سحقتها أصوات الصواريخ، وحولت وجوههن لبقايا نساء شاحبات، ولكن هذه المرة ليس بهدف التجميل فقط، إنما "قطع الخوفة" أو ما يسمى علمياً بـ"تصحيح المسار".

تقول روان الكتري، مديرة مركز "سوليه" للتجميل: "بمجرد انتهاء الحرب أعلنّا عن تقديم خدمة مجانية، وهو التدليك لتصحيح المسار، ووجدنا إقبالاً كبيراً جداً من النساء، كان معظمهن قد تعرضن للصدمات النفسية، وهذه الخدمة المجانية بينت كم المشاكل المتراكمة عند النساء، والضغط النفسي بداخلهن".

"ما كان يلفت انتباهنا أكثر هو رغبة النساء في التجميل، وصبغ الشعر، وعمل التاتو، والرقص أيضاً"، تقول روان صاحبة محل تجميل، أعلنت عن جلسات تدليك "تصحيح المسار"، مجاناً لنساء غزة

وتضيف لرصيف22: "عملية “قطع الخوفة” ترتكز على إعادة مسارات الأوتار والشرايين إلى مسارها الطبيعي، وهي تعمل على تحسين الدورة الدموية، التي تحدث فارقاً كبيراً في الحالة الجسدية والنفسية لدى المريضة".

وتستدرك روان، قائلة: "ما كان يلفت انتباهنا أكثر هو رغبة النساء في التجميل، وصبغ الشعر، وعمل التاتو، والرقص أيضاً، وغيرها من وسائل التجميل التي أعتقد أن الهدف منها هو تفريغ نفسي، وتغيير مزاج أكثر منه رغبة في التجميل".

تفريغ نفسي للصحفيات

اختتمت مؤسسة "فلسطينيات" مؤخراً برنامج التدخل الطارئ الأول في إطار الدعم النفسي الذي تقدمه للصحافيات في قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي، شمل ثلاث رحلات ترفيهية شاركت فيها 150 صحافية، تضررن من الاستهداف الإسرائيلي المباشر لأماكن عملهنّ، ولبيوتهنّ.

وتقول منى خضر، منسقة فلسطينيات في غزة، لرصيف22: "تأتي الأنشطة الترفيهية في إطار برنامج الدعم النفسي للصحافيات، فالتدخل الطارئ الأول هو تدخل "طبطبة"، يهدف لتجميع الصحافيات معاً ليتفقدن أنفسهن، ويتفقدن زميلاتهن وصديقاتهن، في مساحة مفتوحة وآمنة". مضيفة: "أهمية هذه المرحلة تكمن في التفريغ الانفعالي، والحديث قبل البدء في الكلام، وفتح الجروح للتعاطي مع مساحات الفقد والألم، والخوف الذي سنعمل عليه في المرحلة التالية، وسننفذ بالتعاون المشترك مع برنامج غزة للصحة النفسية جلسات علاج نفسي/رعاية جماعية تستهدف 120 صحافية و40 صحافياً، تليها جلسات علاج فردية مع أخصائيين".

"تركنا بيوتنا"

"أتينا اليوم لكي ننسى قليلاً ما حدث معنا خلال الحرب أو على الأقل نهرب مما عشناه خلال أيام عصيبة، ولكن هل هربنا فعلاً، وهل نستطيع نسيان ما حدث؟" تتساءل الصحافية أسماء الوادية. وتقول لرصيف22: "لا شكّ أن هذا اليوم الترفيهي مهم بالنسبة لنا كنساء، خصوصاً نحن الصحافيات إذ تعرضنا لصدمات نفسية مركبة، فالعائلة والخوف على أبنائنا من جهة، والمخاطر المهنية من جهة أخرى".

وتضيف:"ما فعله العدوان لم يكن هيناً، فأنا اضطررت لترك ابنتي في ظروف صعبة للغاية، وخرجت للقيام بواجبي، وكنت أعود في المساء لأعيش مأساة أخرى باستقبال الخوف، وكأن الليل ضيف ثقيل على قلبي، خاصة أن زوجي الذي يعمل صحافياً أيضاً اضطر لتركنا وحيدتين، أنا وبنتي ليواصل عمله".

كل النساء في قطاع غزة بحاجة ماسة لجلسات الدعم والتفريغ النفسي.

وتشاطرها الرأي، الصحافية حنان أبو دغيم (38 عاماً)، التي أكدت أن كل النساء في قطاع غزة بحاجة ماسة لجلسات الدعم والتفريغ النفسي للتخفيف من آثار الصدمة النفسية التي تعرضن لها خلال الحرب، وتقول أبو دغيم، التي فضلت السباحة في البحر مع بعض زميلاتها كنوع من التفريغ النفسي: "المطلوب الآن من كل المؤسسات النسوية وضع خطة طارئة للدعم النفسي للنساء خلال الشهور المقبلة، تضمن الوصول لأغلب النساء في كل المناطق عبر فريق نفسي اجتماعي متخصص، يساعدهن في الإفصاح عن مشاعرهن وتفريغ الانفعالات السلبية".

وتضيف: "إعادة الإعمار يجب ألا تتضمن الحجارة والمباني، بل إعادة إعمار النفسيات المدمرة أيضاً، وباعتقادي الأمر سيستغرق كثيراً حتى يستطيع الناس التخلص من الآثار النفسية للحرب، وهذا يحتاج تضافر كل المؤسسات النسوية والرسمية ومؤسسات المجتمع المدني".

"كله مخزن بالذاكرة"

"كانت التجربة قاسية جداً، كنت أنا وابني عمره سنة ونصف، وزوجي يعمل صحفي، كان يخرج من أول ليلة من العدوان وما كان برجع، كان مطلوب مني شغل، كنت بعمل أون لاين، وبحاول أوفق، قلت مش لازم استسلم للظرف اللي انا فيه لأنه كتير مهم إنه تستغل الفترة هاد للتغطية الاعلامية، والعالم تشوف ايش بيصير فينا"، تقول الصحافية مرح الوادية.

وعن أكثر الأوقات صعوبة، تشير مرح إلى الليلة التي هاتفها زوجها فيها، وقال لها: "أنا كتير خايف مش قادر أحمل الكاميرا". تقول: "هذه الجملة أرعبتني، هو خايف يفقد حدا فينا، كنت مش عارفة ايش أعمل أصبره ولا أصبر حالي".

خرجت مرح من الحرب منهكة القوى ما بين خوف على نفسها وابنها وزوجها وعائلتها، وما بين واجبها المهني، وحالة الصراع بين التغطية واحتضان صغيرها، وكله على حساب سلامها النفسي.

تضحك مرح، قائلة: "أجيت على الرحلة استجم على البحر، وأطلع من الحالة النفسية، لكن لقيت حالي بسمع قصص مرعبة من زميلاتي عن أوقات الحرب، يعني حتى في اليوم اللي فكرنا فيه ننسى طلعنا بنقلب المواجع، وبنطبطب على بعض لأنه ما في شي بيروح، كله مخزن بذاكرتنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard