الخيط الغليظ بين الثوب والأرض... كيف نستعيد ما نهبه الاحتلال

الأحد 27 يونيو 202109:59 ص

يتعدى الثوب التقليدي الفلسطيني، خصوصاً النسائي منه، كونه مجرد ثوب عادي، ويبرز كثوب فريد ومتميز ينبئ عن ارتباط وثيق، ومعرفة ودراية عميقة بالأرض الفلسطينية، وثقافتها، وجغرافيتها، ليدل على معانٍ دقيقة في البيئة المجتمعية، والتفاصيل الحياتية والثقافية التاريخية والمعاصرة للشعب الفلسطيني في أرض فلسطين التاريخية.

ويمكن سرد نماذج عدة في هذا الصدد لأثواب فلسطينية متمايزة، قد تعبّر من خلال خيوطها عن المنطقة التي تنحدر منها المرأة التي تلبس ثوباً معيناً منها. إذ تختلف أثواب مدن الشمال مثلاً، عن أثواب مدن الغرب، أو الوسط، أو الشرق، أو الجنوب، لما فيها من الميزات، والعلامات الفارقة، التي تجعل من الثوب وسيلة للتعبير عن الحالة الاجتماعية للمرأة، أو عن الوضع المادي والاقتصادي للعائلة، وتعبّر، أيضاً، عن تاريخ العائلة، أو التاريخ الحضاري للمدينة. وخير مثال على هذا التباين، أو التمايز بين هذه الأثواب هو ثوب العاصمة الفلسطينية، القدس، الذي يشير من خلال قطعة القماش على منطقة الصدر، والمسماة بـ"قَبة ملكات الكنعانيين"، ومنطقة الذراعين، إلى أثر العصور والحضارات التاريخية المتعاقبة كلها على القدس، منذ فجر التاريخ وحتى النكبة، بحسب المتخصصين. ويتمثل ذلك في حياكة دقيقة تُبرز ذاك التعاقب، وأبرز معانيه، حتى أنها توضح في الجزء الخاص بالتطريز في فترة "النكبة"، علامات تبيّن أن التطريز في هذا الجزء تم بالاستعانة بـ"الماكينة"، في دلالة على الحالة النفسية والاجتماعية المضطربة التي تحول دون التفرّغ للتطريز بشكل فني وإبداعي، بالإضافة إلى الدلالة على الوضع الاقتصادي المتأزم في تلك الفترة.

في العام 1993 سجلت إسرائيل ثوب مدينة بيت لحم التقليدي في الموسوعة العالمية للشعوب، على أنه ثوب تقليدي إسرائيلي

وترمز ألوان القماش على جوانب الأثواب الفلسطينية، كما تقول مصادر توثيقية، إلى رايات الكنعانيين بحسب منطقتها في فلسطين التاريخية، والتي صار يستعاض عنها في التاريخ المعاصر والحاضر بالعلم الفلسطيني، إبّان حظر سلطات الاحتلال رفعه وحمله لفترة طويلة منذ العام 1967، لتتزين به النساء الفلسطينيات، ويحملنه، ويرفعنه على أثوابهن، كتحدٍ منهن لسلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ومع فترة النكبة، وما تلاها من اغتراب، ولجوء، ونزوح، وانشغالات في الحياة اليومية الفلسطينية، واختلاط بالثقافات المجاورة والبعيدة، بدأ العزوف عن ارتداء الثوب التقليدي الفلسطيني، ليغدو ثوباً تراثياً وطنياً تلبسه بعض الجدات في مناسبات خاصة فحسب. وفي خضم محاولات الاحتلال الإسرائيلي سرقة التاريخ وتزويره، ومسح الوجود الفلسطيني الذي تكمن أهم ملامحه في عناصره الثقافية والحضارية، كان الثوب الفلسطيني حاضراً منذ عقود، كواحدٍ من أهم تلك العناصر المعرّضة للسرقة، وأبرزها في العام 1993 حين سجلت إسرائيل ثوب مدينة بيت لحم التقليدي في الموسوعة العالمية للشعوب، على أنه ثوب تقليدي إسرائيلي. وبعد نضال من "مركز التراث الفلسطيني" في بيت لحم، للانتصار في هذه الجزئية من القضية الكبيرة، نجح المركز في إزالة الثوب من القائمة على أنه ثوب إسرائيلي، وذلك من دون التوصل إلى إقناع الجهات المعنية في الموسوعة بأنه ثوب فلسطيني، لتقف الموسوعة على الحياد بإزالة الثوب من السجل العالمي، من دون نسبه إلى أي من الطرفين.

وتثبت مصادر عربية وعبرية كذلك، بأنه، وقبل ذلك بعقود، كانت روث دايان، زوجة وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان، مواظبة على حياكة الثوب الفلسطيني وارتدائه في المناسبات الرسمية، وعدّه ثوباً إسرائيلياً، مثلما اشتركت مع زوجها في سرقة قطع الآثار الفلسطينية أيضاً، ونسبها إلى دولة الاحتلال، بحسب المؤرخين الفلسطينيين.

لماذا لا يكون الثوب الوطني الفلسطيني زياً رسمياً في المدارس الفلسطينية مثلاً، أو رداء رسمياً، وثوباً في حفلات التخرج من الجامعات الفلسطينية؟

أما شركة الخطوط الجوية الإسرائيلية "إلعال"، فتحاول جاهدة حتى اليوم ترسيخ صورة الثوب الفلسطيني في الأذهان، عالمياً، على أنه ثوب إسرائيلي، من خلال "أسرلته" باعتماده لباساً رسمياً لمضيفات الطيران على متن طائراتها، بحسب مصادر عربية عدة من ضمنها ما أورده وثائقي "الأرض المسلوبة" الذي أنتجته قناة "العربي" الفضائية، وبثّته. كذلك، ظهرت وزيرة الثقافة الإسرائيلية، ميري ريغيف، مؤخراً في مهرجان "كان" السينمائي، بفستان يحمل صورة البلدة القديمة في العاصمة الفلسطينية القدس، وذلك ما كان أولى بنا وأجدر، من تمثيل دولي في جزئية بث الحقيقة الفلسطينية التي تدحض الدعاية الإسرائيلية، وكمسؤولية ملقاة على عاتقنا للترويج لقضيتنا، وسرد رواية الحقيقة الفلسطينية العادلة والمحقة بدرجة أكبر على المستوى العالمي.

وليصبح الأمر اعتيادياً شيئاً فشيئاً، باتت تنشط في الآونة الأخيرة الهيئات الإسرائيلية، والأفراد الإسرائيليون، في المشاركة في مهرجانات إسرائيلية مقامة في الأراضي المحتلة، لعرض تصاميم أزياء إسرائيلية مسروقة ومنسوخة عن الأزياء التقليدية والتراثية الفلسطينية، تارة بحجة التعايش، ملبسين هذه العروض عباءة "السلام"، وتارة أخرى بوقاحة السرقة المتنكرة للحقوق الشرعية، وللتاريخ الفلسطيني.

هذه السرقات الإسرائيلية، وعمليات الاحتيال على التراث الفلسطيني، والإرث والتاريخ، تأتي ضمن حزمة كبيرة من الاستفزازات الإسرائيلية المعد لها مسبقاً، منذ نشوء فكرة دولة الاحتلال قبل سنوات طويلة، والتي تستهدف الوجود والهوية الفلسطينيَين. فعملية سرقة الثوب، أو الزي الفلسطيني، تأتي ضمن سياق ممنهج لسرقة التاريخ الفلسطيني، والإرث والحاضر. وقبل الثوب الفلسطيني كانت إسرائيل قد سرقت الأرض الفلسطينية، وسرقت اسم إسرائيل المنسوب إلى النبي العربي الكنعاني الفلسطيني يعقوب، كما سرقت العملة الكنعانية القديمة "الشيقل"، واللغة الكنعانية السريانية، والمطبخ الفلسطيني، وحتى الحكايات التراثية الفلسطينية، والعديد من العناصر المادية والتاريخية والحضارية الفلسطينية، ونسبتها إلى نفسها، في محاولتها الاستيلاء على المقعد الفلسطيني الكنعاني في التاريخ، وفي محاولة منها لبناء دولة تبدو أكثر إقناعاً للعالم، والابتعاد عن حقيقة وهن الدولة الإسرائيلية القائمة على الاحتلال والتزوير والأكاذيب، وفي محاولة لبناء جسد واحد للمستوطنين الذين حاولت الصهيونية العالمية لملمتهم من شتات الأرض، ومن مواطنهم الأصلية التي ينحدرون منها، وإقناعهم وإقناع العالم زوراً بانتمائهم إلى الأرض المقدسة التي لا تربطهم بها أي صلة مواطنة، أو أي صلة جذرية حقيقية.

إن هذه المعاني التي تحملها الأثواب الفلسطينية، باختلافها وتمايزها، تقدّم صورة مصغرة عن المبادئ التي نولد ونموت للحفاظ عليها، نحن الفلسطينيين.

وفي مواجهة هذه الموجة الاحتيالية الإسرائيلية، فإن المسؤولية التي تقع على كواهلنا ثقيلة في ما يخص حفاظنا على إرثنا الوطني، وتاريخنا الكنعاني، وحضارتنا الفلسطينية، وتمسكنا بهم. وما يمكن تنفيذه، والعمل عليه، في ما يخصّ الثوب الفلسطيني على وجه الخصوص، هو اتخاذ إجراءات وقرارات وطنية عدة، رسمية وشعبية. فعدا عن ضرورة التركيز على تكثيف الجهد التوثيقي الفلسطيني العالمي للثوب الوطني، والجهد الأكاديمي في إدخال الموضوعات المتعلقة به في المناهج الأكاديمية الفلسطينية من الجوانب كافة، بما في ذلك صناعته ورموزه ودلالاته على اختلافاتها، لماذا لا يكون الثوب الوطني الفلسطيني زياً رسمياً في المدارس الفلسطينية مثلاً، أو رداء رسمياً، وثوباً في حفلات التخرج من الجامعات الفلسطينية؟ وما العائق أمام وجود قرار وطني باعتماده زياً رسمياً للموظفات في الدوائر الرسمية الفلسطينية، في الداخل والخارج؟

وماذا لو أصبح الزي الرسمي للشخصيات الرسمية، وللبعثات الدبلوماسية الفلسطينية؟ ولماذا لا يكون لزاماً على الرئيس الفلسطيني ارتداء عناصر معينة من الزي الفلسطيني، مثل الكوفية الفلسطينية وغيرها، أو "الحطة والعقال" مثلاً اللذين التزم بهما الرئيس الراحل ياسر عرفات طوال حياته القيادية، كونهما رمزين وطنيين فلسطينيين بارزين، قبل أن يغدوا رمزاً تعبيرياً لشخصية الرئيس الفلسطيني الراحل، علماً أنهما يواجهان اليوم الحملة ذاتها التي يتعرض لها الثوب النسائي الفلسطيني.

ويجب ألا ننسى هنا أننا نملك أوراقاً قوية في العالم، لنجمعها ونوظفها في خدمة هذا المشروع الوطني الذي يتطلب منا ترويجاً عالمياً على أكبر مستوى، إذ نلقى منافساً شرساً في كل الميادين في العالم، يزاحمنا على مكاننا وهويتنا، ويتمثل في الاحتلال الإسرائيلي. ومن هذه الأوراق القوية التي تجب تقويتها، وتعزيز دورها للمحافظة على الثوب الفلسطيني تحديداً، الشخصيات السياسية والاجتماعية الفلسطينية، وكذلك الشخصيات الفنية والثقافية، ولا سيما عارضات الأزياء الفلسطينيات، ومصممو الأزياء الفلسطينيون ومصمماتها الذين يمتلكون شعبية ونجومية متميزتين على المستوى العالمي.

هذه بعض الخيارات العديدة التي يمكننا اعتمادها في سبيل ترسيخ هويتنا الفلسطينية في العالم، من خلال الثوب الفلسطيني الذي يحمل معان كثيرة تعبر عنا، وتكسبنا ثباتاً وحلفاء ومفاتيح لتأكيد وجودنا في العالم، سواء في التاريخ أو في الحاضر. إذ إن هذه المعاني التي تحملها الأثواب الفلسطينية، باختلافها وتمايزها، تقدم صورة مصغرة عن المبادئ التي نولد ونموت للحفاظ عليها، نحن الفلسطينيين.

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard