منظمة التحرير الفلسطينية... كيف استُبدل الكفاح المسلح بطاولة

الجمعة 18 يونيو 202103:39 م

نستذكر محطات في تاريخ القضية الفلسطينية بمناسبة مرور 57 عام على انطلاق المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس, وكان بناء على توجيه من مؤتمر القمة العربي المنعقد في القاهرة عام 1964 ببناء كيان منظم يعمل على تمثيل الشعب الفلسطيني ويهدف إلى تحرير فلسطين وتقرير مصيرها. نستذكر مشهداً يذهب فيه  بعض الطلاب من الرابطة الفلسطينية في القاهرة، في خمسينيات القرن الماضي، إلى طبيب مشهور لاستئجار شقة خاصة به، بغرض استخدامها مقراً للرابطة، فيرفض قائلاً: "أنتم طلاب، وستخرّبون المصعد". وعندما علم الطالب ياسر عرفات، رئيس الرابطة، بالأمر، طلب إليهم أن يأتوا معه إلى العيادة مرة أخرى، وأخرج "بطاقة عمل" من جيبه، وأعطاها للممرضة ليأتي الطبيب مندفعاً، كما يحكي يحيى خلف على لسان سليم الزعنون، ويقبِّله، ويشير إليهم بالدخول. وفي الحال يوافق على طلبهم، ويوقّع على عقد الإيجار، ليتبين في ما بعد أن "بطاقة العمل" تعود إلى السيد زكريا محي الدين عضو مجلس قيادة ثورة 23 تموز/ يوليو في مصر.

"حين انطلقنا، لم تكن الأرض ممهدة أمام عملنا التنظيمي. إذ إن الظروف كلها، وفي المواقع كلها، كانت صعبة. لكننا بمزيد من التصميم على خلق الحالة الثورية الفلسطينية، كنا نواصل المسيرة، ونقوم بإجراء الاتصالات بالمواقع المختلفة لتجمعات شعبنا، ونتحرك للقاء تلك المجموعات، والتي سبق لنا التعرف إليها. فنتحرك في كل اتجاه سواء في المناطق المحيطة بأرضنا المحتلة في المخيمات، والمدن، والقرى، أو في تجمعات الغربة". يروي خليل الوزير في كتابه "حركة فتح: البدايات".

خذلت التجمعات المعتادة الجماهير، ولم تلبِّ رغباتهم في تحرير الأرض. وكان الإطار المفتوح، وعدم تبني أي أيديولوجيا بعينها، هما الركيزتين الأساسيتين للثورة فحسب؛ ثورة تأكيد الهوية، والإرادة الذاتية التي تجمع الفلسطينيين تحت شعارها، ما أسفر عن سرعة استجابة أبنائها لها. كانت تلك نقطة قوة في البداية. بعد ذلك، ومع إقرار الفصائل بأن الكفاح المسلح هو الحل الأمثل، ذهبوا بنا إلى الحل الدبلوماسي، وابتعدوا عن الهدف الذي لطالما نادوا به. ومع تقويض الثورة لإخضاعها لسياسة الغرب، ومع تمثيلها في أشخاص بعينهم، ذهبت العيون إلى الفصائل الإسلامية كونها الأكثر اتساقاً مع هدف الثورة.

بعد هزيمة 1948، استقرت كقناعة عند أبنائها المهزومين حقيقة أنه لن يتحرك ساكن إلا من الداخل الفلسطيني

البداية

بعد هزيمة 1948، استقرت كقناعة عند أبنائها المهزومين حقيقة أنه لن يتحرك ساكن إلا من الداخل الفلسطيني، وأن إسرائيل هي الطرف الرابح من هذا الوضع القائم. فأدركوا أهمية وجود كيان خاص يلتفون حوله، ويمثلهم، وذلك عندما بادرت فرنسا وإنجلترا وإسرائيل إلى مهاجمة مصر عام 1956، وهاجمت إسرائيل سيناء، وقطاع غزة مع انسحاب الجيش المصري منها.

يقول خليل الوزير: "في العام 1956، كان العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وجاء هذا العدوان ليحمل الدرس والعبرة لشعبنا في كل مكان. وكانت القوات الإسرائيلية قد تقدمت إلى القطاع بعد انسحاب الجيش المصري منه، بحيث وجد شعبنا نفسه هناك وحيداً أعزل ومن دون تنظيم ذاتي، ممّا أفسح المجال واسعاً أمام العدو لينكّل بشعبنا أيّما تنكيل، فعمّت المجازر كل القطاع، وكل الشرائح الاجتماعية".

كان الافتتان بالثورة الجزائرية، وقود فكرة القيام بثورة فلسطينية أخرى، حتى أنهم اختاروا اسماً مشابهاً لاسم "جبهة التحرير الوطني الجزائري" التي قادت الجزائر إلى التحرير. وقدّمت الجزائر الدعم الواجب، ففُتح أول مكتب لحركة فتح فيها. كانت البداية من خلال بعض الطلبة الفلسطينيين في جامعة القاهرة الذين تجمعهم أرضية مشتركة، مثل "اتحاد طلاب فلسطين"، وهو تجمع من ضمن التجمعات التي نتجت عن تهجير الفلسطينيين من أراضيهم عقب عام 1948. وبعد اجتماعات عدة، وبالتوازي مع فتح باب العمل في الخليج، أُسست الحركة، واتُفق على بيانها التأسيسي، ومن ثم صدرت مجلة "فلسطيننا نداء الحياة" في بيروت عام 1959 للتمهيد والاستقطاب، وعنوانها هزيمة الاستعمار، والكفاح المسلح، ولاقت قبولاً واسعاً لدى المهتمين.

يرى صلاح خلف في كتابه "فلسطيني بلا هوية"، أن الحركة تعتمد بشكل واضح في تأسيسها على الكفاح المسلح، وهذا قد يجرّ العرب إلى حرب ليسوا مستعدين لها مع إسرائيل. لكن بمجرد فتح أول مكتب للحركة في الجزائر، اعترفت الجزائر بها. ومن ثم أرسلت الحركة بعثات عدة إلى بلاد محررة حديثاً من الاستعمار، كفيتنام والصين ويوغوسلافيا، لاكتساب صفة "الدولية". وأعطت الصورة واللغة البطوليتان للكفاح المسلح جوهراً جديداً للمجتمع المتخيَّل للفلسطينيين الذين أخذوا الآن ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شعب ثوري يخوض كفاحاً فعلياً لتقرير مصيره، لا كمجموعة لاجئين عاجزين ينتظرون الإحسان.

كان الافتتان بالثورة الجزائرية، وقود فكرة القيام بثورة فلسطينية أخرى، حتى أنهم اختاروا اسماً مشابهاً لاسم "جبهة التحرير الوطني الجزائري"

انتصار الكرامة

وعلى طول الخط مع الأردن، في الأول من آذار/ مارس 1967، قام الجيش الإسرائيلي بهجوم واسع عرف بعد ذلك بـ"معركة الكرامة". اشتبكت قوات الاحتلال مع الفدائيين، والجيش الأردني. يُحكى أن الفدائيين اتسموا في تلك المعركة بقدرة عالية من الشراسة، حتى استطاعوا التصدي للقوات الإسرائيلية، وانسحبت إسرائيل. لمع نجم الحركة في سماء المجتمعات العربية والغربية، وارتبطت الحركة بالثورة، وازداد نفوذها.

أدركت الحركة قوتها على الأرض، فذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك؛ التفكير في السيطرة على السياسة الأردنية. وأدرك الأردن أنه من الواجب تحجميها. وكانت القشة التي قسمت ظهر البعير، وأنهت وجود الفدائيين في الأردن، عندما قام بعض أفراد حركة فتح بخطف أربع طائرات أُجبرت ثلاث منها على الهبوط في عمان، ما جعل السلطة الأردنية في وضع حرج مع المجتمع الغربي، ومع قادة جيشه أيضاً، إذ تنامى شعورهم بعدم سيطرة الملك على زمام الأمور، ما عجّل في عملية طرد الفدائيين من الأردن. أمر الملك بطرد الحركة من أراضيه إلى الأبد، وهاجم الجيش الأردني عام 1970 القوات الفلسطينية في المواقع حيث تمركزت، ما أدى إلى سقوط ضحايا من الطرفين، وعرفت هذه الأحداث بـ"أيلول الأسود".

منظمة التحرير إلى الشكل الرسمي

قامت فتح بالتغلغل في منظمة التحرير شيئاً فشيئاً، حتى استطاعت انتزاع السلطة، وإزاحة أحمد الشقيري، والسيطرة على اللجان، للحصول على الصورة الرسمية. أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وعُقد المجلس الوطني الأول لها في القدس، بدعم واضح من الرئيس جمال عبد الناصر، بهدف الحفاظ على شكل الدولة الفلسطينية من حيث التمثيل لدى العديد من الدول. وتندرج ضمن منظمة التحرير الفلسطينية فصائل عدة مثل حركة فتح "حركة التحرير الفلسطينية"، وهي الفصيل الأكبر في المنظمة، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، وفصائل عدة أخرى. ولا تندرج ضمنها بعض الفصائل الإسلامية، كحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وبعض الفصائل المنشقة.

طريق لبنان والانشقاق الأول

عن طريق اغتيال عدد ممن تسببوا في ما يعرف بأحداث أيلول الأسود في الأردن، ظهرت قدرة الحركة على الأرض. ومع وجود المخيمات الفلسطينية، وضعف القوات المركزية في لبنان، كان المناخ خصباً لإعادة تمركز القوات المتبقية من أحداث الأردن. واجهت الحركة صعوبات عدة أهمها عدم وجود أيديولوجيا، أو بنية فكرية واضحة، ووضع القرار في أيدي أشخاص بعينهم، والتعدد في التوجهات. فمع ظهور تيارات عدة داخل الحركة، وبعد قيام القوات الإسرائيلية بعملية قُتل فيها عدد من رجال المقاومة، والمدنيين اللبنانيين، في أيلول/ سبتمبر عام 1972، مما أسفر عن نبذ الحكومة اللبنانية ممثلة في جيشها، ومع تنامي اليمين الرافض للوجود الفلسطيني، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية والداخلية، كان لا بد من التفكير في حلول دبلوماسية تحقن الدماء، وتوقف استنزاف المقاومة.

عن طريق اغتيال عدد ممن تسببوا في ما يعرف بأحداث أيلول الأسود في الأردن، ظهرت قدرة الحركة على الأرض. ومع وجود المخيمات الفلسطينية، وضعف القوات المركزية في لبنان، كان المناخ خصباً لإعادة تمركز القوات المتبقية من أحداث الأردن

قامت منظمة التحرير عام 1974 بإقرار "برنامج النقاط العشرة" في المجلس الوطني الفلسطيني، والذي دعت فيه إلى إقامة دولة فلسطينية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية في مقابل الاعتراف بإسرائيل، بالتوازي مع اعتراف جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير كممثل وحيد للشعب الفلسطيني. ومع استمرار العمل الدبلوماسي، أصبح للمنظمة مكاتب في دول عديدة اعترفت بها. كما حصلت المنظمة أيضاً على مقعد في الأمم المتحدة، مع حفاظ كوادر المنظمة في خطاباتهم إلى الشعب الفلسطيني على التأكيد على أن البندقية هي الحل: "جئت حاملاً غصن الزيتون في يد، وفي الأخرى بندقية الثائر، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي. الحرب بدأت من فلسطين، ومن فلسطين سيولد السلام". (من خطاب ياسر عرفات في جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974).

ومع ذلك شهدت الثورة أول انشقاق فيها بواسطة صبري البنا، تعبيراً عن رفض أي حلول سلمية. يقول عضو اللجنة المركزية للحركة صخر حبش: "في هذه المرحلة، تعرضت فتح لأزمات ومشاكل، من أبرزها الانشقاق الداخلي الذي قاده أبو صالح، وأبو موسى، وأبو خالد العملة، ومن ثم أحداث طرابلس، وانشقاق أبي الزعيم" (جريدة الكرامة، 25 آذار/ مارس 2006). ومع اجتياح إسرائيل للبنان، وطردها الفصائل الفلسطينية جميعها عام 1982، فقدت الحركة آخر معقل لها على الحدود مع وطنها. وكانت انتكاسة بالنسبة إلى المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة فتح. لم يكن تدخّل إسرائيل هو السبب الوحيد، بل البنية الأساسية للنظام السياسي الفلسطيني أيضاً.

إلى الدبلوماسية... إلى أوسلو

كانت اتفاقية أوسلو نتاجاً طبيعياً لسلسلة من الاستخدامات للأداة الدبلوماسية من قِبل المنظمة، إذ كان اتفاق النقاط العشرة هو البداية، متزامناً مع انحسار شعبية حركة فتح.

"شكّل اتفاق أوسلو أول درجة في سلم هبوط شعبية حركة فتح. فلم تستطع السلطة الناشئة، بناء على الاتفاق، تحقيق الحلم الفلسطيني المتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية، والنهوض بالوضع الاقتصادي"، كما يقول عقل صلاح في كتابه "حركة فتح بين الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية".

وفي عام 1988، قامت منظمة التحرير في مؤتمرها المنعقد في الجزائر بالاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 و338 المتعلقين بانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها عام 1967، دون التي احتلتها عام 1948، ووقف إطلاق النار في حرب 1973، والاعتراف ضمنياً بدولة إسرائيل، ما سهل عملية الحوار مع الجانب الإسرائيلي.

وهنا يمكننا أن نقف أمام نقاط عدة، وهي اتفاق كامب ديفيد الذي انتزع مصر من الصراع، وانهيار الاتحاد السوفياتي، وهيمنة الولايات المتحدة، الحليف الأول لإسرائيل في العالم، وغزو العراق للكويت، بالإضافة إلى دعم الرئيس صدام حسين للمنظمة. تلك العوامل جميعها كانت سبباً في إضعاف نقاط التفاوض بقيادة منظمة التحرير.

ويمكننا في هذا الصدد أيضاً، أن نقارن أهداف الثورة الفلسطينية، في الخمسينيات، في تحرير الأراضي الفلسطينية كاملة عن طريق الكفاح المسلح، بأهداف التفاوض على إقامة سلطة في الضفة وغزة فحسب، وهذا هو المثال الأوضح لرؤية شكل التغيير الذي طرأ على القضية الفلسطينية.

أبعد من التطبيع

بعد الانتفاضة الثانية التي أجبرت التنظيمات كلها، وبالأخص فتح، على الانخراط فيها، ونظراً إلى إحساس الشعب الفلسطيني بأن "أوسلو" لم تكن تمثلهم، ولم تأتِ بأي نفع، وبعد وفاة ياسر عرفات، وتولي محمود عباس السلطة، أصبح لفتح توجه واضح أخيراً، مثلها مثل حكام الدول العربية. وتحوّل السؤال من كيفية دحض الاحتلال، إلى كيفية التعايش معه، مع الحفاظ، كمنتفعين، على مقاليد السلطة، بالإضافة إلى تلقي الدولارات من الولايات المتحدة، والتي أمر الرئيس السابق دونالد ترامب بقطعها، كأداة ضغط شاركت فيها دول عربية مطبّعة، ولم ترد عليها السلطة الفلسطينية بأي انتقاد.

نحن نذهب إلى أبعد من ذلك عندما تقوم السلطة بالقبض على ناشطين، ومواطنين، فلسطينيين، من بينهم أسرى سابقون في الضفة، على خلفية نشر كتابات، أو إقامة فعاليات مناهضة للاحتلال. ذلك علاوة على أن الأمن الوقائي الفلسطيني ينسق أمنياً مع الجانب الإسرائيلي منذ سنوات. يضاف إلى ذلك عدم انتقاد "الاستيطان الصامت" من الجانب الفلسطيني. هذه المفاصل والأحداث تجعلنا نسأل: كيف وصلنا من الكفاح المسلح إلى طاولة مفاوضات لم يعد أحد يتفاوض فوقها؟  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard