الجوع كبرتقالة متخيلة

السبت 26 يونيو 202102:15 م

في فيلم "Burning"، تطعم البطلة "ماي هاي" نفسها وهم أن العالم لا يمنحها ما يسد جوعها لكي تستمر في الحياة. ونراها في المشهد الأخير تتعرى، لتقوم برقصتها الأخيرة التي تتحدث عنها طوال الفيلم؛ "رقصة الجائع العظيم"، متوسلةً العالم من أجل معنى. فهي تقشر وتلتهم برتقالة متخيلة في رأسها، ليس لأنها موجودة، بل لأنها ترغب في نسيانها. هذا "الجائع العظيم" يميز شعب البوشمن القاطن في صحراء كالاهاري عن نوعين من الجياع: جائع صغير يعاني من الجوع الجسدي، وجائع عظيم يعاني من الجوع للسبب الذي نعيش من أجله؛ لمعنى هذه الحياة.

"فالجوع هو أن تريد. إنه رغبة أشمل من الرغبة"، كما تقول إميلي نوثومب. بهذا المعنى الوجودي، علينا أن نعي مفهوم الجوع، الجوع الكاشف للشقاء البشري الممتد عبر التاريخ الإنساني، وتالياً، التعبير عنه أدبياً، وعن ارتباطه الأصيل بفعل الكتابة. الجوع المقترن ضمناً بالوعي المحرض لفهم غرائزنا، وطبيعتنا المتناقضة التي تسعى دائماً للإشباع على حساب ما أنشاته هي نفسها من معمار قيمي وأخلاقي فشلت في بلوغه.

وعليه، تكون الكتابة بمعدة خاوية فعلاً متعالياً على العنصر البهيمي. فنحن لا نستطيع تحرير الإنسان من الخارج. إن خلاصه يأتي من الداخل. والثقافة هي رد فعل ضد هذه الحيوانية الموجودة في طبيعته. فالجوع يصبح فضيلة، وحالة ثورية، ومحرضاً على الإبداع المرتبط بحالة من الشقاء العدمي الذي يخبرنا عنه جونج سو، صديق ماي هاي، بسؤال وجودي صارخ عن جدوى الفعل التحريري للأدب من خلال جملة عميقة: "هل ينبغي عليّ أن أقطع كل هذه المسافة لأطعم قطاً خالياً؟".

الجوع هو أيضاً أحد أشكال القمع. إذ يرى الأنثروبولوجيون أنه بدأ حين كان المجتمع البشري الذكوري، في بداية تشكل فصيل "الهوموسابيان"، يمنع الطعام عن الإناث، فيأسرهن في مجاعات ممتدة، مما يمنع تتطور أجسادهن الأنثوية

والجوع هو أيضاً أحد أشكال القمع. إذ يرى الأنثروبولوجيون أنه بدأ حين كان المجتمع البشري الذكوري، في بداية تشكل فصيل "الهوموسابيان"، يمنع الطعام عن الإناث، فيأسرهن في مجاعات ممتدة، مما يمنع تتطور أجسادهن الأنثوية، لتبدو أضعف، وأقل قدرة جسدية. وهو اليوم بمثابة سيّاف مأجور بيد السلطات القامعة التي تسعى من خلال سياسات التجويع إلى إغراق شعوبها بالجهالة، وتضييق آفاق الحياة في وجهها، لتتحول إلى مجرد قطعان تلهث وراء قوت يومها، وتخليصها من أي نزعة تحررية، وبذلك يصبح الرغيف غاية قصوى لجموع جائعة.

فالجوع والكتابة يتصاحبان في المجتمعات العربية، ويكادان يؤلفان شرائح ثقافية كما في مصر، والعراق، واليمن، وسوريا، ولبنان، حيث نجد الكثير من مثقفي هذه البلدان يكتبون في كل شيء بدءاً من السياسة، وانتهاءً بها، مروراً بالكتابة الدعائية، أو الادعائية. والكاتب أجير، أو مدع للمعرفة لإثبات جهل لا مرئي يتفق عليه الجميع. لحقهم في ذلك الفنانون الذين أصيبوا بنوع من الجوع الحداثي للشهرة. فنراهم يحتالون في إبداء التعاطف الأجوف مع قضايا كبرى كقضية فلسطين مؤخراً، أو يتبارون في تبادل الشتائم، وخلق الحروب الكلامية بينهم، لتحصيل أكبر عدد ممكن من المتابعين. ونرى الفنانات يتنافسن في التعري، والمبالغة في عمليات التجميل، للغاية ذاتها. فيبدو هذا السلوك منطقياً من أجل التماشي مع سطوة الفكر الاستهلاكي على الثقافة، وظاهرة "التشيّؤ"، حسب الفيلسوف المجري لوكاش. إذ تتحول العلاقات بين البشر إلى علاقات بين الأشياء؛ أي "علاقات آلية". ولا نغفل في هذا الإطار سطوة المال الريعي الخليجي الذي استثمر في الفن والثقافة، وآخر مظاهره منح الجنسية الإماراتية للفنان السوري ياسر العظمة. فإذا كنا نبرر للماغوط قوله: "ماذا أفعل؟ الفم يساري، والمعدة يمينية"، ولا أحد يشكك في ثوريته، وإخلاصه لقضاياه، فكيف نبرر لمثقفي الإسلام السياسي، وموظفي السلطات الذين يدبّجون المدائح، وينقشون التقارير، ومن يدخلون من باب الشعبوية، والفن الهابط، والكتابة الناعمة التي لا تزعج أحداً؟ إذ لم يعد وسط هذا التلوث الببغائي من يجوع في سبيل أفكاره.

كيف نبرر لمثقفي الإسلام السياسي، وموظفي السلطات الذين يدبّجون المدائح، وينقشون التقارير، ومن يدخلون من باب الشعبوية، والفن الهابط، والكتابة الناعمة التي لا تزعج أحداً؟ إذ لم يعد وسط هذا التلوث الببغائي من يجوع في سبيل أفكاره.

ولأن الكتابة تمثل دافعاً، أو نفوراً (إما ترغب في إشباعه، أو في تجنبه والهروب منه)، فالكاتب ينطلق من ذاتيته، ويجعل من الجوع موضوعاً وهدفاً، مستنداً إلى تلك الركيزة البيولوجية من أجل تعزيز الأحاسيس الجسدية بالمتعة والألم. ويتعدى هاجس الإشباع ليشمل القدرة على تكوين المفاهيم، واستخدام المنطق، ثم يؤرخ لسيرة هذه الدوافع المثوّرة. فينتقل من عشقها إلى الرغبة في التخلص منها، وكرهها، ويحمل كاميرا شعوره وغضبه الواعي المتخم بالشهوات المستميتة للارتواء، ومنح الجوع المفضي إلى الشقاء وحدانية لا يلبث أن يُلحد فيها، لأنه يُركع ويقمع ويُضلّ. هنا يحضر مفهوم "الضمير" الذي يفتقده الجائع الذي يتحدث عنه الروائي النرويجي كنوت هامسون في رائعته "الجوع": "أنت أفقر من أن يكون لديك ضمير، أنت مجرد جائع". وهذا ما ذهب إليه محمد شكري في روايته الأشهر "الخبز الحافي"، التي يتداخل فيها الجوع والشقاء في وحدة متكاملة من البؤس اللعين، والتي تطفر عيون قارئها بالدموع حين يصف شكري حزنه الطفولي الحار على شقيقه الذي ضربه والده حتى الموت، لأنه بكى من الجوع، أو يتجول مع شكري في مزابل طنجة مقارناً بين أكوام قمامة الأحياء المغربية التي أنهكتها المجاعة، وأكوام الأحياء الأوروبية التي قد يعثر فيها على دجاجة ميتة لا يملك أهل طنجة رفاهية التخلص منها.

ولأن لا أحد يحب حقيقته، مُنعت الرواية في معظم البلدان العربية حتى عام 1982. فشكري لا يخجل من ذكر تفاصيل يخجل منها الإنسان العربي. إذ يحكي لنا عن سرقاته، ومحاولات الاعتداء الجنسي عليه من قبل شركائه في ذلك القاع القبيح. وتجاسر بالاعتراف بأنه ابن مربّياته بائعات الهوى في دور الدعارة التي كان يتردد عليها. كذلك، يكشف عن طبيعة التأثير الاجتماعي الذي نظر له كثيرون من الفلاسفة، وكيف تتفاعل البنى التحتية من وسائل الإنتاج وعلاقاته، مع البنى الفوقية كالثقافة والأفكار، ويركز الضوء على تسلط الأثرياء على المهمشين من دون أي رحمة.

ولعل خير ما نختم به، قول محمد شكري ذاته الذي يحدد جوهر الجوع والكتابة، ساخراً: "أنا إنسان عاش التشرد. أكلت من القمامة ونمت في الشوارع. فماذا تنتظرون مني؟ أن أكتب عن الفراشات".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard