"لن أخسر شيئاً، وقد أفوز بكلّ شيء"... شباب يسكنهم حلم "القُرعة" الأمريكية

السبت 29 مايو 202102:15 م

"Has not been selected (لم يتم اختياره)، هذه الجملة هي الصخرة التي تنكسر عليها آمالي سنوياً، والتي حالت بيني وبين معانقة الحلم الأمريكي الكبير طوال العشر سنوات الماضية، غير أني ما زلت مصمّماً، وسأعيد الكرَّة في السنة المقبلة، وفي السنوات التي تليها إلى أن يتم اختيار اسمي". بهذه الكلمات يحتفظ محمد بالأمل، وهو يرمي مجدّداً النرد على رقعة الحلم الأمريكي، غير آبه بالخسارة.

الشاب المغربي الذي رُفض طلبه مرفقاً بتلك الجملة المشؤومة قبل أسبوعين، يقول إنّ الرغبة في الهجرة إلى بلاد "العم سام"، تراوده منذ مدّة طويلة، ويجد في "القُرعة" (تأشيرة الهجرة التعدديّة)، وسيلةً "سهلة" قد تمكّنه من بلوغ هدفه. وقال في حديثه لرصيف22: "أعلم جيداً أنّ هذه الطريقة عشوائية جدّاً، وحظوظي قليلة أمام أكثر من مئة ألف مرشح آخرين، لكني أحافظ دائماً على أمل أن أكون من بين المحظوظين القلائل، وأحصل على فرصة العمر: تأشيرة الإقامة في أمريكا".

تفصل محمد عن بلوغه الثلاثين أسابيع قليلة، قضى الثماني سنوات الأخيرة منها عاملاً في إحدى المقاولات التجارية في الدار البيضاء، غير أن هذا الاستقرار المهني، ووضعه المعيشي الأفضل من آلاف الشبّان من أبناء جيله، يبقى الشجرة التي تخفي الغابة.

ويضيف محمد في شهادته لرصيف22: "وضعي المادي متذبذب، وأنا في وضعية قلق دائم حيال مستقبلي. لذلك أبحث عن الاستقرار، وخوض تجربة جديدة، وأرى أنّ فرصة الهجرة إلى أمريكا لا تعوّض. وعلى الرغم من وعيي بأن التجربة لن تكون في البداية مفروشة بالورود، إلاّ أنها تبقى مغرية لخوضها، إذا ابتسم لي الحظّ يوماً".

وعن أسباب إصراره على التوجه إلى الولايات المتحدة، يوضح أنه يعدّ أمريكا "بلاد الفرص الواعدة، والهجرة إليها ستفتح أمامي فرصاً جديدة ستتحسن عبرها ظروفي الحياتية والمادية. أصادف بين الحين والآخر فرص عمل في أوروبا، لكنني غير متحمّس لها".

"اليوم، أنا سعيد هنا. وعلى الرغم من أني ما زلت أواجه صعوبات البدايات، إلاّ أن البوادر الأولية مشجّعة". حلم القرعة الأمريكية  يغري الشباب المغاربة

بدوره يكشف أسامة، شاب رباطي حاصل على إجازة في الفيزياء، أنه يتقدّم إلى القرعة منذ خمس سنوات، لكن الحظ لم يحالفه، ويقول: "أنتظر قرعة السنة القادمة من أجل التقدّم من جديد. لا أخسر شيئاً من الترشّح، فالعملية مجانية، ويستغرق ملء استمارة التقدّم نحو 20 دقيقة، لكن الربح كبير في المقابل".

ويضيف أسامة أنّ الهجرة "تبقى دائماً فرصة مغرية أرى أنّها ستفتح أمامي آفاقاً أوسع للتطور، وخوض تجارب جديدة، ومعايشة ثقافة مغايرة، لذا لطالما حملت حلم الهجرة إلى أوروبا أو أمريكا، لتحسين ظروف العيش والدخل والحياة بشكل عام. وتبقى القرعة طريقة من الطرق التي أحاول من خلالها الرحيل، إلى جانب البحث عن فرص عمل، أو منح لإتمام دراستي في الخارج"، وأكد أن القرعة "تبقى الخيار الأسهل، على الرغم من كونها غير مضمونة وعشوائية، إلاّ أني أعرف عدداً من الأشخاص الذين نجحوا في الوصول إلى أمريكا، ويحكون لي تجاربهم الإيجابية هناك".

آلاف المقامرين على فرصة العمر

حال محمد وأسامة، كحال ما يناهز مئة ألف مغربي (حسب أرقام القنصلية الأمريكية في المغرب)، من مختلف الفئات العمرية والطبقية، يقامرون كل سنة بإصرار "سيزيفيّ" على القرعة التي تجريها وزارة الخارجية الأمريكية في عدد من بلدان العالم، ومن ضمنها المغرب، للحصول على تأشيرة الإقامة الدائمة. خلال الأسبوعين الأخيرين، عجّت صفحات شبكات التواصل الاجتماعي المغربية بمنشورات عدد من هؤلاء المرشّحين، وهم يتقاسمون أخبار الخيبة وأحاسيسها، بالإضافة إلى النكات، و"الميمز" الساخرة ممن تأجّل حلمهم بالرحيل مرّة أخرى. كما احتفلوا وهنّأوا المحظوظين القلائل الذين فازوا بـ"ورقة اليانصيب" الأمريكية (يتم اختيار ما بين 800 وألف شخص سنوياً).

سامي واحد من "الفرقة الناجية"، إذ نقلته ضربة الحظّ من مدينة سلا المغربية إلى أورلاندو في ولاية فلوريدا الأمريكية، بعد أن اختارته عشوائيات الصدف في مشاركته الرابعة في القرعة. يصرّح الشاب المغربي: "شاركت في القرعة أربع مرات، ووُفّقت في المرة الرابعة، السنة الماضية، ووصلت إلى أمريكا في شهر آذار/ مارس الماضي، بعد أن تأخرت الإجراءات بالنظر إلى تداعيات الجائحة".

وتابع سامي، البالغ 25 سنة من عمره، أنّ الدافع لهجرته من بلده هو "الانفتاح على تجارب جديدة"، مضيفاً: "كنت أرغب في الهجرة، وأفكّر فيها دائماً. وبعد أن تم اختياري، وجدت أنها فرصة العمر التي لا تعوّض. اليوم، أنا سعيد هنا. وعلى الرغم من أني ما زلت أواجه صعوبات البدايات، إلاّ أن البوادر الأولية مشجّعة".

قبل سنة، كان سامي يرى فرصه في النجاح قليلة، وكان يراهن على القرعة من دون أدنى توقّع بالنجاح، و"عندما وصلتني رسالة الفوز لم أصدّق الأمر نهائياً. قرأت الرسالة مرات عدة، وبعثتها إلى صديق يجيد الإنكليزية بشكل أفضل منّي، للتأكد من أنّي نجحت حقاً. اختلطت عليّ مشاعر الفرحة والخوف، وعشت لحظات صعبة وأنا أودّع الأهل والأصدقاء. لكن بعد وصولي أحسست أنّي أولد من جديد في حياة جديدة".

"جاذبية النموذج الأمريكي"

الأستاذ الجامعي المختصّ في ملف الهجرة محمد حيتومي، أكّد أن الولايات المتحدة الأمريكية "تبقى أقوى دولة في العالم سواء من خلال قوة اقتصادها، أو وثائقها. كما أن نموذج الحياة الذي يقدّمه المجتمع الأمريكي جذّاب ومنتشر بقوة بفضل تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي، ويبقى هذا النموذج الغربي هو المسيطر في إطار العولمة ".

عوامل أخرى مؤثّرة في الإقبال، والرغبة الكبيرة في الهجرة إلى أمريكا، تتمثّل حسب حيتومي في "قوة الوثائق" بعد الحصول على الجنسية التي تتيح للمواطن الأمريكي مجموعة من الحقوق، وتمنحه القوة الرّمزية، كما أنّ نموذج العيش الأمريكي رائد ومستمر ومنفتح على التعدد الثقافي في صوره الأكثر ليبرالية. بالإضافة إلى عوامل أخرى اقتصادية، إذ يبقى المجتمع الأمريكي سوقاً مفتوحاً يوفّر فرصاً مهمّة، حيث يمكن للإنسان أن يتعرض فيه لمخاطر العمل، كما يمكنه الخروج منها بسرعة، والحصول على فرصة عمل جديدة.

"ما زلت مصمّماً، وسأعيد الكرَّة في السنة المقبلة، وفي السنوات التي تليها إلى أن يتم اختيار اسمي في قُرعة الهجرة". محمد مصرّ على حلم الهجرة إلى أمريكا

وأوضح حيتومي في تصريح لرصيف22 بأن الرغبة في الهجرة ثقافةٌ ترسّخت لدى المغاربة أمام انسداد الآفاق في الاستجابة إلى طموحات العديد منهم، كما أن الهجرة تقدّم فرصاً مهمة للتطور على مستوى الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، أكثر من البقاء داخل البلد، حيث تبقى المسائل المتعلّقة بالحريات، والحقوق، والديمقراطية، وقوة القانون، ودينامية سوق العمل، محفّزات أساسية للمنخرطين في مشروع الهجرة، ومن ضمنهم المرشّحين لعملية القرعة، الذين يعاني جلّهم من ضعف الإمكانيات للهجرة بطريقة أخرى.

وعن إغراء بطاقة "الغرين كارد" للعمال والموظّفين المغاربة أيضاً، شرح الخبير في مجال الهجرة بأنّ هذه الفئات تطمئنّ بدورها للنموذج الغربي الأمريكي، وتسعى للحصول على الجنسية للانخراط بشكل كامل في المجتمع الأمريكي بامتيازاته المختلفة.

وسجّل المتحدّث أنّ أمريكا تعتمد في استقبال المهاجرين نموذجاً انتقائياً، لكنه مستمر عكس الأوروبي، الذي يبقى متذبذباً"، كما أنه يقوم على النفعية لسد النقص في اليد العاملة. وتبقى اختياراتهم في استقبال المهاجرين مدروسة وليست عبثية، في ما يشبه صفقة رمزية، رابح رابح.

هكذا، وفي أيار/ مايو من كل عام، تتربص الأعين بشاشات الحواسيب، أملاً في ركوب أول طائرة إلى بلاد يرون فيها جنة، لكنها قد تكون للبعض منهم "الجحيم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard