اليهود العرب في فلسطين المحتلة... أوهام علي سالم وجماعة كوبنهاغن

الخميس 17 يونيو 202101:15 م
Read in English:

Arab Jews in Israel? Ali Salem, and the Copenhagen Group Illusions

في نهاية عام 1993 كتب علي سالم أنه يفكر في زيارة إسرائيل، لتأليف كتاب يجيب عن سؤالين: من هم هؤلاء القوم، وماذا يفعلون؟ كان عمر الكيان الصهيوني 45 سنة وأربع حروب وبضعة اجتياحات وغارات وآلاف الضحايا والملايين من الفلسطينيين المحرومين من حق العودة. ولكن الغفلة جعلت الكاتب المسرحي يطرح سؤاليْه الساذجين، وينفذ في أبريل 1994 مشهداً استعراضياً بالسفر، وبعد خمسة أشهر نشر كتابه "رحلة إلى إسرائيل". دخلها بسيارته النيفا الخضراء، "آخر ما تبقى من الاتحاد السوفيتي". وقبل سفره استبق مَن سينتقدونه واتهمهم بالفاشية، "أنتم ضدي لأنه لا شيء لديكم تقدمونه للسّلام ولم يكن عندكم ما تقدمونه للحرب سوى الضعف والأكاذيب".

تستبد شهوة الميكروفون بالمرضى والمأزومين. وقف علي سالم على مسرح افتراضي معنّفاً مَن سينتقدونه: "السلام يصنعه الشجعان وأنتم جبناء، ويطلبه الأحرار وأنتم عبيد، ويحرص عليه الأذكياء وأنتم بلهاء، ويعمل من أجله الأقوياء وأنتم ضعفاء".

انطلق المسكين من تخيّل أن الذي بيننا وبين الكيان العسكري الاستعماري حرب عقلية، مصدرها الكراهية. فماذا سيقول في الأرض المحتلة لمرافقيه من الإسرائيليين؟ قال إنه يختلف عن دعاة الحرب، ويريد التخلص من هذه الكراهية؛ فقرر أن يشارك في صنع السلام، وإن هناك كراهية "تغذيها عواصم الصحراء وأنبياء الفاشية، ولكن عندما يسود السلام المنطقة، وتنتصر الحرية... سينظر الناس خلفهم في دهشة واشمئزاز لما كنا نفعله ببعضنا البعض".

خطوة فردية فاجأنا بعدها واهمون يراهنون على المواطن الإسرائيلي في إيجاد سلام دائم، "قبل نهاية هذا القرن". تبنى ذلك الرهان بقايا صقور مخصية لليسار، عقدوا لقاءاتهم بالعاصمة الدنماركية. وفي 30 يناير 1997 صدر "إعلان كوبنهاغن بشأن إنشاء التحالف الدولي من أجل السلام العربي الإسرائيلي"، بمشاركة تسعة مصريين منهم لطفي الخولي ومراد وهبة وعبد المنعم سعيد وعلي الشلقاني.

وأجهض الإعلان في القاهرة ببيان وقعه 250 مثقفاً عربياً يدعو إلى تكوين تحالف عربي يواجه التطبيع، وأعلن عن تأسيس "جمعية مناهضة التطبيع". كان الخولي عراب "جمعية القاهرة للسّلام"، ومن أعضائها أسامة الغزالي حرب وسعد الدين إبراهيم وصلاح دياب. ومات الخولي عام 1999، ونُسي.

نُسي أيضاً كتاب علي سالم؛ لا يهتم أحد بإعادة طبعه، فإنه ليس صالحاً ولو للتسلية، فالنكتة تُلقى مرة واحدة، ولن يستفيد باحث من كتاب سياحي يحاول الانتقام النفسي من الضحايا. وقامت في مصر ثورة شعبية في يناير 2011، وأجهضت مرتين بجولتين من القوى المضادة للثورة، وفوجئنا بأن علي سالم لا يزال حياً، يوم إعلان وفاته في سبتمبر 2015.

في نهاية كتابه وهمٌ يلخّصه قوله: "إن أقوى جسور السلام بين مصر وإسرائيل هو اليهود المصريون"

وجذب انتباهي في نهاية كتابه وهمٌ يلخّصه قوله: "إن أقوى جسور السلام بين مصر وإسرائيل هو اليهود المصريون"، واقترح "كيفية الاستفادة من وجودهم هناك"، بتنظيم مؤتمر لهم في القاهرة أو الإسكندرية عنوانه "ماذا تريدون من مصر؟"، للإسهام "حتماً في بناء الثقة بين الشعبين".

كأن اليهود الذين غادروا مصر إلى فلسطين المحتلة مجموعة من السحرة يمكن استضافتهم للمشاركة في مؤتمر، ثم يعودون إلى العدو، ليمارسوا سحرهم في "بناء الثقة". وإذا كان في مصر شعب، فإلى أي درجة يصدَّق وصف تهجين اليهود، بعد استجلابهم، بأنهم "شعب"؟ أسعفتني دراسة منشورة في كتاب "يهود الوطن العربي"، وقد أصدره مركز زايد بالإمارات في مارس 2003، وهو من حصاد ندوة نظمها المركز في أكتوبر 2002 عن يهود العالم العربي. وصدر الكتاب بمقدمة محمد خليفة المرر عن التسامح العربي الإسلامي مع اليهود، "إلى أن ظهرت المؤامرة الكبرى... فيما عرف بوعد بلفور عام 1917"، وما تلاه من "اغتصاب فلسطين".

لا تمرّ مقدمة المرر مرور الكرام الآن في الإمارات، ولا يسمح بإعادة نشرها، في ظل المصاهرة، وفتح الأجواء والصدور لعدوٍ ربما يبدي انزعاجاً من تراث مركز زايد، ومنذ تأسيسه عام 1999 نشط في تنظيم ندوات تنقض المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة، وتنتقد مشاريع التهجير والاستيطان.

وأصدر المركز كتباً ضمن هذا التوجّه، حتى أمر الشيخ زايد بإغلاقه، في أغسطس 2003، بعد حملة صهيونية أمريكية اتهمته بمعاداة السامية. وأتمنى أن يسارع مؤلفو هذه الكتب إلى إعادة نشرها في دور نشر عربية رافضة للتطبيع وللإذعان لشروط المصاهرة الخليجية الصهيونية، وخصوصاً كتاب "مركزية مفهوم الطرد والترحيل في العقيدة الصهيونية" للدكتور محمود سعيد عبد الظاهر.

لأسباب صهيونية أوروبية، يتم التمييز لمصلحة اليهود الأوروبيين، بل إن مصطلح "الشعب اليهودي" يستبعد اليهود الشرقيين

أما كتاب "يهود الوطن العربي" فإحدى دراستيه عنوانها "اليهود العرب في إسرائيل بين التسامح الإسلامي والسبي الصهيوني"، وفيها يبطل الدكتور عبد الله رمزي أوهام علي سالم وجماعة كوبنهاغن، وينسف الرهان على سلام أو تعايش يسهم فيه اليهود الذين خرجوا من البلاد العربية، واستقروا في فلسطين، مواطنين من الدرجات الدنيا، يغذّون الآلة الصهيونية، فاليهود العرب "في الكيان الصهيوني الآن جزء عضوي لا يتجزأ عن البنية الصهيونية العامة هناك"، بل صاروا تحت تأثير دعائي صهيوني "من أكثر الطوائف الإسرائيلية عنفاً وكرهاً للعرب"، وينحازون دائماً إلى أقصى اليمين العنصري، ويرفضون "كل أشكال التسوية العادلة الهادفة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف".

لم يعد خافياً أن الكيان الصهيوني مجتمع استيطاني عسكري وظيفي غربي، مهما يفتح أبوابه ويمنح جنسيته لأي يهودي أيّاً كان بلده الأصلي. ومن الاستغفال تصوّر تطبيع بين شعوب طبيعية وجيش مستنفر للعدوان، حتى لو كان يملك مقعداً في الأمم المتحدة، ويحظى باعتراف أممي بأنه "دولة". لا تستقيم علاقات ومعاهدات وتعايش بين الطبيعي وغير الطبيعي. "إسرائيل دولة آرية" هو عنوان كتاب للكاتب الصهيوني مايكل سيلرز، وهو أيضاً من أصدق التعريفات لماهية كيان يضم صفوة أقلية غربية (أشكناز)، ويهوداً شرقيين (سفارد)، ويهوداً من مواليد فلسطين (الصابرا)، ويهوداً من الدول العربية والإسلامية (المزراحيم) وصوت هؤلاء "مخنوق ومطموس إلى حدّ كبير" بتعبير الدكتور رمزي.

في فيلم "أنس بغداد" يوثّق مخرجه العراقي سمير جوانبَ من معاناة يهود عراقيين أجبروا على الرحيل إلى فلسطين عام 1951، وكيف تمّ استقبالهم في معسكرات غير آدمية بإسرائيل. وفي هذه الدراسة يقول الدكتور رمزي إن النظام الصهيوني يخفض اليهود الشرقيين في السلّم الاجتماعي، ويرفع الأشكناز. لأسباب صهيونية أوروبية، يتم التمييز لمصلحة اليهود الأوروبيين، بل إن مصطلح "الشعب اليهودي" يستبعد اليهود الشرقيين، وربما ينظر إليهم كأعضاء في الجماعات اليهودية ما داموا خارج فلسطين المحتلة، "ولكنهم حينما يصلون إلى إسرائيل يصبحون مغاربة أو مصريين وتتحدد مكانتهم الاجتماعية... ويلجأ بعض يهود المغرب العربي إلى ادعاء أنهم من أصل فرنسي حتى يحسنوا صورتهم أمام الآخرين".

أفاقتهم صفعة نتنياهو بأن "السّلام مقابل السّلام"

نهض الكيان بجهود أوروبية، دولاً وعصابات، وحددت نخبته الحاكمة "الطبيعة الغربية الإشكنازية للدولة"، ومارست تمييزاً واضطهاداً ضد اليهود الشرقيين والعرب، فهؤلاء كما قال بن غوريون في 24 أكتوبر 1960 في خطاب بالكنيست، "أتوا من مجتمع متخلف فاسد وغير متعلم".

استبداد الأقلية العرقية بالنفوذ في إسرائيل يستند إلى جذور ثقافية انطلق منها أحد روّاد الشِّعر العبري، وهو مؤلف النشيد الوطني لإسرائيل، حاييم ناحمان بياليك، الذي وُلد في أوكرانيا عام 1873 وتوفي في تل أبيب عام 1934. بياليك، الذي بشّر بالأرض المقدسة الموعودة، قال إنه يكره العرب، "لأنهم يذكرونه باليهود الشرقيين". ويرى الدكتور رمزي أن في إسرائيل "حرباً ثقافية" بين أقليات تعاني التمييز.

جهود "الأسرلة"، لدمج هؤلاء في نسيج قومي واحد، تستهدف صبغهم "بالصبغة الإشكنازية"، وعلى الرغم من القبول والتسامح مع اليهود في العالم العربي، فقد محت الدعاية الصهيونية "الصورة الإدراكية المختزنة في ذاكرة الرعيل الأول من المهاجرين العرب اليهود... فجعلتهم دائماً بين فكي الرحى؛ إما العيش في مهانة المجتمع الإسرائيلي، أو الإيهام بتعرضهم للذبح في حالة الوقوع مرة أخرى تحت سلطة العرب المسلمين... كما لا يخفى على الدارس لتاريخ الصراع المسلح العربي ـ الصهيوني حالة الشراسة والقسوة والعنصرية"، والمعاملة العدائية من اليهود ذوي الأصول العربية للأسرى العرب. على اليهود عموماً يصدق قول شارلي شابلن إن السمّ النازي تسرّب من الجلاد إلى الضحية.

فصل الخطاب، حتى لا تتبدد جهود وأعمار في إعلاء زيف، وتصديق أوهام، والاستنامة لأحلام يقظة تذهب هباء، فقد تبين للعقل العربي "فشل انتظار تفكك المجتمع الإسرائيلي على خلفية الخلاف الطائفي بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين... كما فشل الرهان على ما يسمى باليسار الصهيوني وما يسمى بقوى السّلام في إسرائيل في خلق تيار يتبنى ثقافة السلام، ويقترب من مفهوم الحقوق العربية المشروعة". انتهى كلام المؤلف، ليبدأ الحل من الداخل، داخلنا، فالكسالى وحدهم ينتظرون حلاً خارجياً بانهيار ذاتيّ للعدوّ، ويتسوّلون سلاماً مستحيلاً، منذ عام 2002، بمبادرة للمهزومين، عنوانها "الأرض مقابل السّلام"، وحلّ الدولتين. وبالتطبيع الإماراتي، أفاقتهم صفعة نتنياهو بأن "السّلام مقابل السّلام".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard