عروبة فلسطين والقدس في التاريخ... أين مؤرخو الشرق الأدنى القديم؟

الخميس 10 يونيو 202105:52 م

في ذروة الانتفاضة الفلسطينية، التي اندلعت باقتحام أرييل شارون للمسجد الأقصى في 28 سبتمبر 2000، كنا نحن هيئة تحرير مجلة "سطور" بالقاهرة مجتمعين، وجاء من يشتري نسخاً من كتاب كارين أرمسترونغ "القدس: مدينة واحدة، عقائد ثلاث"، وقد نشر في نيويورك عام 1996، وصدرت ترجمته العربية عن دار سطور عام 1998. قال الرسول "إنهم" في وزارة الخارجية يحتاجون إلى هذه النسخ، ليعرفوا تاريخ القدس!

بدا لي هؤلاء تلامذة فاجأهم الامتحان، فاستعجلوا المتاح من الإسعافات الأولية للمذاكرة لتنقذهم، وهم على أبواب لجنة امتحان يكرم فيه التلميذ أو يهان. هؤلاء يشبهون المئات من مدرسي النقد، والمئات من مدرسي التاريخ، من ساقطي القيد والأثر.

مدرسو النقد يقتاتون دروباً ومناهج ونظريات، لبعضها نزعة إنسانية عمومية، وللبعض الآخر نزعة تكرس المركزية الأوروبية. ولا يتعب المدرسون في إبداع نظرية نابعة من خصوصية الإبداع والثقافة المنتجة له. وقلما نسمع بدراسة نقدية عربية تترجم إلى لغة أخرى، ويعتمد عليها نقاد أجانب لن يجدوا إلا "بضاعتهم ردّت إليهم".

استسهال يشمل النقد الأدبي وعلم التاريخ، ولن تفاجئنا كثرة المتخصصين في تاريخ الشرق الأدنى القديم (ما بين النهرين وبلاد الشام) وحضارته وآثاره، ولكن كثرتهم لم تدفع البعض إلى الغيرة العلمية، والتمرد على تراث المؤرخين الغربيين ممن لا يحظى التاريخ الفلسطيني القديم باهتمامهم. وهذا ما جذب انتباه الدكتور محمد خليفة حسن، رحمه الله.

في كتابه "عروبة فلسطين والقدس في التاريخ القديم" أعادنا الدكتور محمد خليفة حسن، أستاذ الدراسات اليهودية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، إلى أصول الأشياء، وبالأحرى جاء بتلك الأصول وأعاد تفكيكها على طاولة البحث، نازعاً عنها أهواء مزمنة تحكمت في العلم، ووجهت مساره لخدمة القوة.

هكذا وضعنا المؤلف أمام قضايا غائبة أو مغيِّبة، منها أن المؤرخين اليهود الصهاينة المسيطرين على مجال كتابة تاريخ الشرق الأدنى القديم أخرجوا "تاريخ الشعب الفلسطيني القديم من دائرة البحث"، واستبدلوا به تاريخ العبريين، للإيهام بوجود تاريخ يهودي في فلسطين، حتى أن تاريخ بلاد الشام في هذه الدراسات يعالج تاريخ فلسطين تحت مسمى "تاريخ العبريين" أو "تاريخ الإسرائيليين".

ينفي المؤلف أن يكون "أورشليم" اسماً عبرياً، كما يتبادر إلى الذهن. ولكنه اسم عربي كنعاني، عرفت به القدس في بداية الألف الثاني قبل الميلاد

التعتيم على الفلسطينيين في التاريخ القديم أسقطهم كشعب، في مقابل تأصيل الوجود اليهودي في فلسطين. بدأ الأمر بالتوراة التي "تعمدت إهمال الحديث عن الفلسطينيين والكنعانيين والفينيقيين سكان فلسطين الأصليين"، بل إن مؤرخي التوراة الذين اهتدى بهم المؤرخون الصهاينة في العصر الحديث اعتبروا سكان فلسطين الأصليين غرباء وأجانب.

وفي دائرة المعارف اليهودية يرد الحديث عن فلسطين والفلسطينيين غامضاً ومقتضباً، ويستبعد اسم "فلسطين"، ويضع مكانها "أرض كنعان" أو "أرض إسرائيل"، بهدف طمس الهوية القديمة للبلد والشعب. ومن يريد معرفة ما يخص فلسطين والفلسطينيين، في دائرة المعارف اليهودية، فعليه أن يبحث عنها في مادة "إسرائيل". تضاءل المتن الفلسطيني، وتحول إلى هامش للتاريخ الإسرائيلي.

كان الصهاينة المؤسسون لمشروع هذا الكيان الاستعماري ملحدين، وفي أحسن الأحوال غير متدينين، ولكنهم رفعوا لافتة دينية جاذبة، لإثارة المشاعر الروحية في نفوس اليهود، واستندوا إلى تأويلات تلمودية تجد هوى في نفوس اليهود، بل إن معتنقي أيديولوجيا "المسيحية الصهيونية" يؤمنون بنبوءات يراها مفكرون مسيحيون هرطقة وتحريفاً لما ورد في العهدين القديم والجديد.

وتذهب "المسيحية الصهيونية" إلى أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 ضرورة حتمية تمهد لعودة المسيح في آخر الزمان. وفي هذا الكتاب يقول مؤلفه الدكتور محمد خليفة حسن إن الشرائع اليهودية لم تمنح القدس وفلسطين أي قداسة دينية كما يدعي اليهود، بل "كانت أرض غربة بالنسبة لإبراهيم وإسحق ويعقوب".

الشرائع اليهودية لم تمنح القدس وفلسطين أي قداسة دينية كما يدعي اليهود، بل "كانت أرض غربة بالنسبة لإبراهيم وإسحق ويعقوب"

وتسجل التوراة أدلة قوية على أسبقية الفلسطينيين. ففي الإصحاح الثالث عشر من سفر الخروج، قال موسى لشعبه: "ويكون متى أدخلكَ الرب أرض الكنعانيين..."، "وكان لما أطلق فرعونُ الشعبَ أن الله لم يهدهم في طريق أرض الفلسطينيين مع أنها قريبة". وفي الإصحاح الثالث عشر من سفر يشوع يرتبط ذكر الفلسطينيين بحروب يشوع ضد الكنعانيين والعموريين وغيرهم، وقال له الرب: "أنت قد شختَ. تقدمتَ في الأيام. وقد بقيت أرض كثيرة للامتلاك. هذه هي الأرض الباقية. كل دائرة الفلسطينيين". وفي الإصحاح الأول من سفر القضاة: "وذهب يهوذا مع شمعون أخيه وضربوا الكنعانيين سكان صفاة وحرّموها ودعوا اسم المدينة حرمة. وأخذ يهوذا غزة وتخومها....".


ويبدأ الإصحاح الثالث عشر من سفر القضاة بعودة بني إسرائيل "يعملون الشر في عيني الرب فدفعهم الرب ليد الفلسطينيين أربعين سنة". وتتعدد مواضع الوجود القوي للفلسطينيين في العهد القديم، وهو "مصدر مهم من مصادر تاريخ فلسطين القديم... يحاول المؤرخون الصهاينة إهماله والتستر عليه"، كما يقول المؤلف، مؤكداً أنهم يتعمدون التعتيم على أخبار العهد القديم فيما يتعلق بالفلسطينيين وبفلسطين التي ظلت تستقبل موجات الهجرة من شبه الجزيرة العربية، وأدت إلى دعم الوجود الفلسطيني العربي، في حين استمر الخروج اليهودي من فلسطين، فتوازى الدخول العربي مع الشتات اليهودي، وتتخلص المأساة في عدم وجود مصادر عربية "تغني الباحث عن العودة إلى المصادر اليهودية".

يذكر المؤلف أن التاريخ السياسي لليهود يقدم الأدلة على عروبة فلسطين في التاريخ القديم، وأن الهجرات العربية المتصلة، من شبه الجزيرة وسوريا والعراق، شكلت الطبيعة السكانية العربية لفلسطين، وفرضت السيادة العربية السامية عليها. وكانت "أكد" هي "أول دولة عربية سامية في بلاد النهرين"، وكانت شبه جزيرة سيناء منطقة احتكاك وتفاعل عربي مصري.

وتؤكد نصوص التوراة أن الأرض التي توجه إليها اليهود بعد الخروج من مصر لم تكن إسرائيلية، "ولكنها أرض فلسطينية" تعيش فيها وحولها شعوب ليس اليهود منهم. وكانت فترة الوجود والاستقرار الوحيدة لليهود في فلسطين، في عصور شاؤول وداود وسليمان، (1030 ـ 923 قبل الميلاد)، وانقسمت بعدها إلى دولتين.

وسقطت "إسرائيل الشمالية" عام 721 قبل الميلاد على أيدي الآشوريين. وسقطت "يهوذا الجنوبية" عام 586 قبل الميلاد على أيدي البابليين. ومنذ نهاية "الدولة المتحدة" عام 923 حتى سقوط يهوذا الجنوبية عام 586 قبل الميلاد، لم تتوقف الحروب بين الإسرائيليين، على المستويين السياسي والديني. وأما القدس فلا تنتمي إلى اليهود، وكل أسماء المدينة عربية خالصة، منذ أسسها اليبوسيون، وهم كنعانيون عرب أجداد الفلسطينيين، وتكونوا كشعب بعد هجرات من شبه الجزيرة العربية في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، ولذلك سميت المدينة "يبوس"، قبل تغير اسمها إلى "أوروساليم". وأطلق اليونانيون على الكنعانيين اسم الفينيقيين "كاسم شامل لسكان السواحل أولاً وسكان المناطق الداخلية أيضاً".

ينفي المؤلف أن يكون "أورشليم" اسماً عبرياً، كما يتبادر إلى الذهن. ولكنه اسم عربي كنعاني، عرفت به القدس في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، "قبل أن يظهر العبريون، وقبل أن تعرف اللغة العبرية في التاريخ". وذكرها أعشى قيس في شعره: "وقد طفت للمال آفاقَه/ عمانَ فحمصَ فأوري شلَمْ. أتيت النجاشي في أرضه/ وأرض النبيط وأرض العجمْ".

ويقول المؤلف إن "أور" تعني موضع أو مدينة، "وهناك اتفاق بين العلماء على أن الجزء الأخير من التسمية وهو ساليم وشاليم أو شلم... اسم كنعاني قديم ومعناه السلام أو السلامة أي إله السلام"، وكانت المدينة مكرسة لعبادته قبل وصول العبريين إليها. وتعني "مدينة السلام".

أورشليم يعني أيضاً موضع عبادة إله السّلام. وفي الإصحاح التاسع عشر من سفر القضاة: "فلم يرد الرجل أن يبيت بل قام وذهب وجاء إلى مقابل يبوس. هي أورشليم"، "قال الغلام لسيده تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها. فقال له سيده لا نميل إلى مدينة غريبة حيث ليس أحد من بني إسرائيل هنا". وأدرك كتّاب العهد القديم حقيقة أصل أورشليم، ونشأتها غير الإسرائيلية، قبل أن يحولها "داود إلى المركز السياسي والديني". فيقول الإصحاح السادس عشر من سفر حزقيال: "يا ابن آدم عَرِّفْ أورشليم برجاساتها وقل هكذا قال السيد الرب لأورشليم. مخرجك ومولدك من أرض كنعان. أبوك أموريّ وأمك حِثّية".

يبقى التأكيد على صدور كتاب "عروبة فلسطين والقدس في التاريخ القديم" عن مركز زايد والتنسيق والمتابعة بالإمارات، وقد تأسس عام 1999، وأصدر أعمالاً تنقض المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة، وينتقد السياسات الاستيطانية الإسرائيلية، وأغلق في أغسطس 2003 بالأمر المباشر، بعد حملة صهيونية أمريكية استهدفته، وبلغت حدّ اتهام الشيخ زايد بمعاداة السامية، فأمر زايد بإغلاق المركز.

في ذلك الوقت كانت صحف إماراتية تضع "إسرائيل" بين قوسين، في رفض صريح للكيان العنصري الاستعماري. وجاء في تقديم المركز لهذا الكتاب أن عروبة فلسطين والقدس "دأبت الصهيونية وإسرائيل... على طمسها وإخفائها، واختلاق الأكاذيب والادعاءات والتزويرات التي تحاول من خلالها إسرائيل طمس وتشويه عروبة القدس".

وانتقد مركز زايد في التقديم "المساعي الصهيونية اليهودية"، ودورها في التأثير على مراكز صنع القرار الأمريكي "مؤخراً، فأصدر الكونغرس الأمريكي قراره باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، هذا القرار الخطير الذي يضرب عرض الحائط بكل مشاعر العرب والمسلمين، بل وحتى المسيحيين أيضاً".

وانتهى التقديم برفض محاولات "الاحتلال الإسرائيلي الآن لفلسطين... طمس معالم عروبة القدس وفلسطين، والسعي لتهويدهما، وقد نجح الإسرائيليون بالفعل وإلى حد كبير في عمليات تهويد القدس، الأمر الذي جعل مستقبل هذه المدينة معرضاً للخطر، وأصبح على العرب والمسلمين، بل والمسيحيين أيضاً أن يسعوا بجدية لإنقاذ القدس". وبإصداره هذه الدراسة، يتصدى المركز "للمحاولات اليهودية والصهيونية لطمس معالم عروبة هذه المدينة المقدسة".

لم يرَ زايد برج خليفة مضاءً بألوان العلم الصهيوني. وفي 26 مايو 2021 زار إيتان نائيه سفير العدو في الإمارات معرضاً تذكارياً للهولوكوست في دبي، وقال لفضائية CNN: "إنه معرض استثنائي... هنا في دبي، هنا في العالم العربي... يُعرِّف بالمفهوم الخاطئ عن المحرقة وإنكار الهولوكوست السائد في المنطقة... خطوة أولى لتطور أوسع بكثير".

يمنحنا المعرض منظوراً حقيقياً ونظرة فاحصة لماهية الإمارات العربية المتحدة: ثقافة الهولوكوست والتسامح كروح محلية. وعن الحرب الصهيونية على غزة، ردّاً على محاولات طرد أهالي حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، قال إن غزة تستهدف المدنيين بالصواريخ "لحلّ المشاكل، أو لخلق المشاكل". ولم يتزين البرج بعلم فلسطين المحتلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard