"مهمتنا زرع الخوف في قلوب الفلسطينيين"... جنود إسرائيليون سابقون يتحدثون عن جرائمهم

الأربعاء 16 يونيو 202103:17 م

نعرف الحقيقة، ولكننا نحتاج أحياناً لأحد من الطرف الآخر كي يحكي عنها، كيعقوب مثلاً، المستوطن الإسرائيلي الذي قالها صراحةً: "إذا لم أسرقه أنا، فسيسرقه شخص آخر"، في ردّه على الناشطة الفلسطينية منى الكرد التي اعترضت على احتلاله منزلها في حيّ الشيخ جراح بالقدس. 

عبارته هذه، برغم ما تحمله من استفزاز، خدمت الفلسطينيين، فهناك محتلّ وقح يفضح نهج الاحتلال والاستيطان.

وما قاله يعقوب نقطة في بحر شهادات جنود إسرائيليين سابقين قرروا كسر صمتهم، من بينهم يهودا شاؤول الذي انتشرت مقاطع فيديو له خلال الأحداث الفلسطينية الأخيرة.

شاؤول هو أحد مؤسسي منظمة "كسر الصمت" (Breaking the Silence) الناقدة للجيش الإسرائيلي، والتي تأسست عام 2004 لتشجيع جنود إسرائيليين ارتكبوا جرائم أثناء خدمتهم على الإدلاء بشهاداتهم لفضح واقع الاحتلال، سعياً لإنهائه. 

المهمّة: "جعل وجودنا ملموساً"

يقول شاؤول في حوار على قناة "فرانس 24": "في دقيقة واحدة، انهار عالمي. خدمت في الجيش الإسرائيلي سنتين و10 أشهر. ظننت فيها أنني أفعل الشيء الصحيح. عشت في واقع له منطقه وأفكاره الخاصة. ولكن فجأة، من منظور خارجي، شعرت أن الأمر يبدو خاطئاً". 

هل هناك حادث معيّن؟

"لم يكن هناك حادث معين وإنما سنتان خدمتُ فيهما في الضفة الغربية، تضمنّتا اقتحام المنازل بعد منتصف الليل ومراقبة ردود أفعال العائلات، ونقاط تفتيش وعمليات اعتقال. ذهبت لأداء الخدمة العسكرية وأنا أظن أني شخص جيّد وأننا الطرف الصالح. وفجأة اكتشفت ما أنا مشترك فيه".



برأي شاؤول، لا يوجد جندي إسرائيلي خدم في المناطق المحتلة وبقي "بريئاً"، إذ يتوجب عليه ألا يتعامل مع الفلسطينيين كبشر متساوين معه. "في هذه اللحظة، هناك دوريتان عسكريتان مهمتهما ما يسمى في الجيش 'أن نجعل وجودنا ملموساً'. المنطق العسكري يقول: إن شعر الفلسطينيون بأن الإسرائيليين في كل مكان على مدار الوقت، فسيخشون من الهجوم. ما الذي نفعله إذاً؟ نشعرهم بوجودنا. تبدأ الدورية من العاشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً. تسير في شوارع الخليل القديمة، تقتحم منزلاً فلسطينياً بالطبع، ليس لدينا أي معلومات ضده. أنا قائد الدورية، أختار منزلاً عشوائياً، أوقظ العائلة، الرجال في جهة والنساء في جهة أخرى، يتم تفتيش المكان، أصعد إلى السطح وأقفز لآخر، أنزل إلى منزل ثانٍ وأوقظ عائلة أخرى. 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع. منذ أيلول/سبتمبر 2000 حين بدأت الانتفاضة الثانية حتى اليوم لم تتوقف هذه الممارسة". 

يتابع شاؤول في شهادته: "الفكرة هي أن يشعر كل فلسطيني أن الجيش هنا (وراء عنقه). الفلسطيني لا يعرف متى سنظهر وماذا سنفعل، ومتى سينتهي الأمر. علينا إشعارهم بأنهم مضطهدون. عندما تكون هذه مهمتك، لا توجد طريقة لتقوم بها بـ'طيبة'". 

قال إنه لم يفهم علاقة الكثير مما فعله بأمن الدولة، موضحاً أن مهمته في الخليل كانت واضحة: حماية المستوطنين والدفاع عنهم، "وهذا يختلف عن حماية الدولة". وأشار إلى أنه تخطى كل الخطوط التي اعتقد أنه لن يتخطاها، وبات كل فلسطيني عبارة عن "عدو" أو "إرهابي محتمل"، مضيفاً أنه من الممكن أن يكون قد تحدث بلسان الأقلية من الجنود، ولكن الحقائق التي يقولها لا يمكن لأحد أن ينفيها.

وبرغم كل ما ذكره، اختتم كلمته بأنه يتمنى أن ينتهي الاحتلال وهو على قيد الحياة، وأن يعيش الإسرائيلي والفلسطيني بـ"سلام"، وهو ما يرفضه فلسطينيون، معتبرين أن على كل مستوطن أن يعود إلى المكان الذي أتى منه. 

"الفكرة هي أن يشعر كل فلسطيني أن الجيش هنا (وراء عنقه). الفلسطيني لا يعرف متى سنظهر وماذا سنفعل، ومتى سينتهي الأمر. علينا إشعارهم بأنهم مضطهدون"... جنود إسرائيليون سابقون يتحدثون عن جرائمهم

موهومون

وفي شهادة نشرت في أيار/ مايو الفائت، يقول الجندي الإسرائيلي السابق أرييل برنشتاين الذي أُرسل للمشاركة في حرب غزة عام 2014: "لم نمنح سوى اليأس والوهم أننا نعيش حياة طبيعية. يتوقعون أن ننظر جانباً وأن نتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. ولكن الديكتاتورية العسكرية ليست بالأمر الطبيعي. ولا الأبرتهايد (الفصل العنصري) في الأراضي المحتلة".

ويتابع: "أفكر في الجنود الذين ينفذون الأوامر الآن (في الحرب الأخيرة على قطاع غزة). الأوامر نفسها التي أرسلت أنا لتنفيذها في غزة والضفة الغربية. أفكر في تعليمات إطلاق النار التي تلقيتها، وفي كذبة أنه 'ليس هناك مدنيون في بيت حانون'، وفي الطفلين الأخوين اللذين أُرسلت لاعتقالهما لأنهما اقتربا أكثر من اللازم من الجدار. يطلبون منا أن نؤمن أن ليس هناك فلسطينيون وأن كل ما يريدونه، إن وُجدوا، هو أن يبيدونا".

صندوق قنابل صوتية

يقول الجندي السابق في جيش الاحتلال دين يسخاروف، وهو أحد أعضاء منظمة كسر الصمت، في مقطع فيديو يعود إلى عام 2018، إن إسرائيل تستخدم العنف دون محاسبة، وإنه حيث يوجد احتلال لا بد من وجود عنف. ولفت إلى أنه أدرك حجم الجرائم حين أخبره شقيقه الأصغر بأنه سيلتحق بالجيش، وهو ما يعني أن "المعاناة الواقعة على الفلسطينيين لن تنتهي: القمع، نقاط التفتيش، اعتقال الأطفال، الضرب، الصفعات"، بحسب قوله.



وقال إن أخاه وكل جندي ينوي الالتحاق بالجيش، سيضطرون للعنف لفرض حكمهم. ونوّه بأن هناك فجوة مهولة بين العنف الممارس على أرض الواقع وما يقوله السياسيون في إسرائيل. 

وأضاف: "كسرت صمتي، وأنا مستعد لكسره في المحاكم أيضاً. الاحتلال عنيف وأنا كنت جزءاً منه. هناك طريقة واحدة فقط لأصمت وهي إنهاء الاحتلال". 

وفي مقابلة تلفزيونية أخرى، قال يسخاروف: "أَعطيت أوامر ونفّذت أوامر ندمت عليها لاحقاً. أعطونا صندوقاً يحتوي على قنابل صوتية لنرميها من شبّاك السيارة. وحين تساءلت عن السبب، قيل لي: 'ليفهم الفلسطينيون من الذي يمتلك هذا المكان'". 

وأكمل: "كنت مرتاحاً حيال الكثير مما قمت به لاقتناعي بأن ما أفعله هو لمصلحة أمن إسرائيل. ولكن هل هذا فعلاً نوع الأمن الذي نريد أن نعيشه كمجتمع؟"

وترى فريما بوبِس، وهي جندية سابقة، أنه لا تتم مناقشة مسألة العنف الممارس على الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي، مشيرة إلى أنه "لا يمكن أن يكون هناك احتلال خلوق"، وأن المشكلة تكمن في وجود احتلال مهمته نزع حقوق الفلسطينيين وكرامتهم.

"كيف يمكننا البقاء؟"

في نفس السياق، قال الجندي الإسرائيلي السابق آفنير جفارياهو وهو المدير التنفيذي لمنظمة "كسر الصمت"، إن مهمته الرئيسية كانت مداهمة المنازل ليلاً في مدينتي جنين ونابلس وما جاورهما. يقول: "كل منزل في الضفة الغربية له رقم. كنا نفتح الخرائط، وننظر إلى منزل محدد، نتأكد أن سكانه أبرياء، ومن ثم نداهمه في منتصف الليل. ما دفعني لكسر صمتي هو عيون أطفال فلسطين الحادّة وهم ينظرون إليّ حين أقتحم منازلهم ليلاً. كان غضباً وخوفاً في آن واحد".

ولفت إلى أن الجندي الإسرائيلي لا يصحو من نومه قائلاً: "يجب أن أعنّف الفلسطيني اليوم"، لكن جيش الاحتلال يجبره على التفكير في سؤال: "كيف يمكننا البقاء؟".

"كل العرب يكرهونك"

"أدركت أن مهمتي الحقيقية هي الحفاظ على نظام فصل عنصري. فهمت منذ البداية أن حقوق اليهودي تختلف عن حقوق الفلسطيني. تعلمت أنه لا يمكنني أن أفعل أي شيء لمستوطن يهاجم فلسطينياً. أقصى ما يمكنني فعله هو الاتصال بالشرطة المحلية لتتولى هي الأمر، أما الفلسطينيون، فيعيشون تحت حكمي العسكري". 

تعود هذه الشهادة إلى الجندي السابق في الجيش الإسرائيلي إران عفراتي الذي تابع: "أعتقد أن إدراكي لكل هذا في مرحلة مبكرة من خدمتي العسكرية جعلني أشعر أن هناك من كذب عليّ. لم أشعر أنني أحمي أحداً، ما كنت أقوم به هو ترهيب الناس".



وقال في مقابلة تلفزيونية إنه شعر بأنه "إرهابي"، مهمته كانت تخويف الفلسطينيين كي لا يفكروا بالاقتراب من المستوطنين أو الجيش الإسرائيلي. "هذه كانت مهمتنا المُعلنة أن نزرع الخوف في قلوب الفلسطينيين في الخليل". وأضاف: "حينما التحقت بالجيش، أدركت كيف يمكنني أن أكون متناقضاً، محباً في المنزل، وفي نفس الوقت أجبر الناس على العيش ضمن نظام جائر. يموتون ليس فقط بسبب الرصاص، وإنما بسبب قلة الغذاء أو الاكتئاب أو المرض".

 "هذا في الحقيقة ما يعنيه أن تكون إسرائيلياً"

وأشار إلى نقطة هامة بقوله إن هذا النهج ليس متبعاً فقط في الجيش، وإنما "هذا في الحقيقة ما يعنيه أن تكون إسرائيلياً. أن تكبر في إسرائيل يعني أنك ستتعلم أن كل العرب يكرهونك، ويريدون رميك في البحر. عند الالتحاق بالجيش، يكون المرء مشحوناً بما يكفي من الكراهية والخوف. فلا تحتاج إلى الكثير لتكون عدوانياً وعنصرياً تجاه الفلسطينيين. إنهم ينظرون إلى الفلسطينيين كأنصاف بشر". 

وختم: "كجندي سابق، تعلمت أنه حينما لا تحترم الوجود، عليك توقع المقاومة. نحن نصف كل شكل من أشكال المقاومة بالإرهاب. الفكرة من الاحتلال هي خلق بقعة جغرافية مطهرة عرقياً لليهود فقط".

"أدركت أن مهمتي الحقيقية هي الحفاظ على نظام فصل عنصري. فهمت منذ البداية أن حقوق اليهودي تختلف عن حقوق الفلسطيني. تعلمت أنه لا يمكنني أن أفعل أي شيء لمستوطن يهاجم فلسطينياً"... جنود إسرائيليون سابقون يتحدثون عن جرائمهم

ماذا يوجد تحت السرير؟

دوّنت منظمة "كسر الصمت" ما يتجاوز ألف شهادة على موقعها الإلكتروني، من بينها واحدة لضابط قال إن "القشة التي قصمت ظهر البعير" كانت ليلة داهم منزل سيدة فلسطينية رفقة مجموعة من الجنود. سألها عن "رجل البيت"، ووجد السرير يهتزّ في غرفة النوم. طلب من زميله أن يرى من يختبئ أسفل السرير، فوجد ثمانية أطفال متمسكين بعضهم ببعض، و"يموتون خوفاً". 

حين تحدثوا لقائد في الجيش عن مشاعرهم حيال الموقف، قال: "Guys, cheer up" (انتعشوا يا رفاق). هذا ما نفعله. لا يمكنكم تغيير شيء". 

وأضاف في شهادته: "كانت هذه المرة الأولى التي أُشعل فيها سيجارة…".



"لقد درّبناك لتفعل هذا'

هذه الشهادات تنقلنا إلى إحصائية كشفت عنها صحيفة "غارديان" البريطانية في آب/ أغسطس 2019، وهي أن جندياً إسرائيلياً واحداً من أصل 12 يُبلّغ بإصابته باضطرابات ما بعد الصدمة، ولكنه يعاني من أجل تلقي العلاج.

نُشر التقرير تحت عنوان "اتهام الحكومة الإسرائيلية بالتخلّي عن جنودها الذين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة"، وتضمن شهادات جنود أدّت انتهاكاتهم بحقّ الشعب الفلسطيني إلى إصابتهم بحالات نفسية تتطلب العلاج، ناتجة عن تعرّض الشخص لحدث صادم.

"هذه الأرض لا تتسع لهويتين إما نحن، أو نحن. نحن الباقون وهم العابرون"

تضمنت شهادات المرضى:

- "أطلقتُ الرصاص على أول شخص فلسطيني قبل بلوغي الـ19 عاماً".

- "الطبيب النفسي في الجيش شخّص حالتي باضطراب ما بعد الصدمة، لكن الأمر تطلّب ثماني سنوات من وزارة الدفاع للاعتراف به والموافقة عليه. حاولت الوزارة التهرّب من مسؤوليتها، وقالت لي: 'وماذا لو أطلقت النار على أحدهم؟ لقد درّبناك لتفعل هذا'".

غالبية الجنود الإسرائيليين الذين تحدثوا عن فظائع الاحتلال، مطالبين بإنهائه، يريدون في الوقت ذاته إنشاء دولة تتسع للفلسطينيين والإسرائيليين معاً، وتحترم حقوق الفلسطيني كما الإسرائيلي، ليعيشا بـ"سلام"، ولكنّ فلسطينيين كُثراً يعترضون على هذا، ويرددون ما قاله الشاعر محمود درويش: "هذه الأرض لا تتسع لهويتين إما نحن، أو نحن. نحن الباقون وهم العابرون".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard