"ما مصير الحكايات التي لا نكتبها"... الأدب الفلسطيني في زمن المحو والتطبيع

الجمعة 11 ديسمبر 202005:33 م

جمعت حلقة حواريّة بعنوان "الأدب في زمن المحو" الكاتبين الفلسطينيين محمود شقير وابراهيم نصرالله، ضمن فعاليات مهرجان "فلسطين تكتب"، وهو مهرجان أدبي، يُقام عادة في الولايات المتحدة، للاحتفال بالإنتاج الأدبي والفني الفلسطيني. وبسبب جائحة كورونا، انطلق هذا المهرجان هذا العام عبر الشبكة الإلكترونية، وجمع "عن بعد" كتّاباً وفنانين وناشرين وبائعي كتب وباحثين، بهدف قراءة نصوص، تقديم أعمال وإقامة نقاشات حول الأدب والتقاطعات بينه وبين القضية الفلسطينية والثقافة والفن.

فلسطين والمحو الممنهج

افتتح الكاتب الفلسطينيّ محمود شقير الندوة الحواريّة بكلمة، اعتبر فيها أننا حين نتطرّق إلى موضوع المحو، لا يمكن إلا أن نتذكّر الكيان الصهيوني الذي وضع في رأس جدول أعماله: ترحيل الفلسطينيين من وطنهم، وإحلال اليهود مكانهم. وقد مارس هذا الكيان الغاصب محاولات محو ضدّ أكثر من 500 قرية فلسطينية، دُمّرت على يديه.

كما ارتكب الاحتلال مجازر كبيرة بحقّ الشعب الفلسطيني كشف عنها عديدون، من بينهم  اليهودي الطيب، كما وصفه شقير، إيلان بابيه، في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين". ولفت شقير إلى أنه حينما يُحرق طفل وهو حيّ اليوم، وحينما تُقتلع الأشجار، وحينما تُنسف البيوت، وحينما يُعتقل المناضلون...لا يمكننا إلا أن نعتقد جازمين أن هناك عملية محو منظمة للشعب الفلسطيني، لكن الشعب الفلسطيني ثابت في أرضه، يستمد القوّة من إيمانه بوطنه ومن دعم شعوب العالم له.

عقّب ابراهيم نصرالله على كلام محمود شقير مذكِّراً بأنّ كلّ استعمار قائم على فكرة المحو، والاستعمار الصهيوني بدأ بالمحو الممنهج منذ زمن، فقد شكّل الصهاينة قبل ثلاثين عاماً لجنة لتغيير أسماء القرى والمدن، تمهيداً لمحو المكان. من محو الأسماء، انتقل المستعمِرون بشكل فعلي إلى محو المكان، ودمّروا الكثير من القرى الفلسطينية، حوالي الـ 500 قرية.

وذكّر ابراهيم نصرالله بأن ألوف السجناء اليوم يمارس المحو ضدّهم في سجون الاحتلال، وأن الجدار العنصري صورة من صور المحو. لكنّنا وصلنا اليوم، بحسبه، إلى محو من نوع آخر، وهو المحو التآمري للقضية الفلسطينية من قبل القوى الظالمة دولياً. فإن ما قام به ترامب، من نقلٍ للسفارة الأميركية إلى القدس، وما قام به الذين قبله، كلّها تُعتبر من أشكال المحو الممنهج للهوية الفلسطينية. كما أن التطبيع الذي يُمارس اليوم من قبل الكثير من دول الخليج وسواها، تآمرٌ على الشعب الفلسطيني، وشكل آخر من أشكال المحو الذي علينا أن نقاومه بكل ما نملك من قوّة.

قالت بطلة رواية "أعراس آمنة " لغسان كنفاني: "أتعرف يا غسّان ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنّها تصبح ملكاً لأعدائنا"

دور الأدب الفلسطيني في النضال

اعتبر ابراهيم  نصرالله أن كل الروايات والقصائد التي كُتبت حرمت العدو من أن يُمارس محوه ضدّ الذاكرة الفلسطينية. واستذكر في هذا الصدد حواراً كتبه في رواية "أعراس آمنة"، دار بين بطلة القصّة وغسان كنفاني. قالت فيه البطلة لكنفاني: "أتعرف يا غسّان ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنّها تصبح ملكاً لأعدائنا".

وقد كان الأدب الفلسطيني، من وجهة نظره، الأكثر تأثيراً في الروح الفلسطينية، إذ ساهم أكثر من أي جنس فني أو فكري آخر في بناء هذه الروح. وأكدّ أن قصائد شعراء المقاومة كان لها دور كبير في إعادة إحياء الهوية الفلسطينية، ليس في فلسطين فقط وفي الشتات، بل في أرجاء العالم كله.

وإذا أردنا أن ندرك أهمية الأدب الفلسطيني والفنون الفلسطينية، يدعونا إبراهيم نصرالله أن نتخيّل للحظة أنّ محمود درويش غير موجود، وفدوى طوقان غير موجودة، ومحمود شقير وسميح القاسم وغسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم... غير موجودين. عندما نفترض هذه الافتراضية الصعبة، نعرف فقط كم نحن محظوظون بوجود كل هؤلاء.

وفي سياق الحديث عن دور الأدب في النضال، ذكّر محمود شقير بما قاله ذات مرّة أرئيل شارون، رئيس وزراء إسرائيل، أنه يحسد الفلسطينيين على تعلّقهم بالأرض، بعدما قرأ بعض قصائد محمود درويش. وذكّر شقير أيضاً بالضجّة الكبيرة التي أثارها تدريس شعر محمود درويش في المدارس الثانوية، في الكنيست الإسرائيلي وفي الدوائر الإسرائيلية.

فبحسب شقير، استطاع الأدب الفلسطيني أن يلعب دوراً حيوياً في نقل المأساة من نطاق التاريخ إلى نطاق الحياة اليومية، كي يعلمها الجيل الجديد. فمنذ أن تحسّس الفلسطينيون خطر الهجمة الصهيونية، بدأ الأدباء والصحفيون والمثقفون والمفكرون والسياسيون، كل من جهته، يحذّر من هذا الخطر ويؤسس للتصدي له.

وحين ظهر وعد بلفور الجائر، من أجل إعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين، تحفّزت القوى الفلسطينية على كل صعيد. كُتبت المذكّرات واليوميات والقصائد والروايات والمقالات والبحوث الفكرية التي تحذّر من هذا الخطر الهادم، وتحاول تجنيد قوى الشعب من أجل التصدّي والثبات. وكان من نتيجة ذلك تبلور الهوية الفلسطينية وصمودها في وجه كل محاولات الطمس والتذويب.

إذا أردنا أن ندرك أهمية الأدب الفلسطيني والفنون الفلسطينية، فلتخيّل للحظة عالمًا من دون محمود درويش، وفدوى طوقان، ومحمود شقير وسميح القاسم وغسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا...

رسالة للكتّاب والكاتبات الذين لم يعيشوا في فلسطين

ركّز ابراهيم نصرالله على ضرورة أن تسكننا فلسطين قبل أن نسكنها، وقال: "أن لا ترى وطنك لا يعني أن لا تشعر به. أنت ساكن فيه وما دام هو ساكن في داخلك". ولذلك لا يُخشى على فلسطين ما دامت حيّة في داخلنا. ومن هنا يعتقد أن هناك أشياء كثيرة يمكن أن يقدّمها الكتّاب الشباب لفلسطين من الخارج، واعتبر أن الجيل السابق ترك أعمالًا فلسطينية عظيمة، يمكن لجيل اليوم أن يبني عليها ويتقدّم.

دور الجامعات العربيّة في تعزيز الهويّة الفلسطينيّة

أكّد الكاتب الفلسطيني محمود شقير أنه من المطلوب أن تُبذل جهود أكبر من أجل تدريس الأدب الفلسطيني وإيلائه الاهتمام الكافي في الجامعات العربية، لأنه حتى الآن لم يدخل الأدب الفلسطيني في صلب المناهج.

واعتبر شقير أن المناهج في المدراس والجامعات في فلسطين والعالم العربي بحاجة لمشروع إنقاذ كبير، لأن منهج التلقين، وللأسف، ما زال سائداً في جامعاتنا ومدارسنا. وإن أردنا أن ننهض، كفلسطينيين وكعرب، علينا بحسب شقير أن نولي التعليم الأهمية القصوى، من أجل إنتاج عقول واعية قادرة على التغيير.

التهافت المؤسف على التطبيع

في الوقت الذي تقف فيه الشعوب الأميركية والأوروبية مع الحق الفلسطيني، أسِف شقير لقيام دول عربية بدعم دولة الاحتلال والتطبيع معها. ولفت إلى أن رغم كل الصعوبات، ورغم ذهاب بعض العرب إلى التطبيع مع دولة الاحتلال في وقت "ما حدا جابرهم، وترامب الّي كان ضاغط عليهم راح"، يبقى للقضية الفلسطينية مؤيدون وشعبية كبيرة، وأغلب شعوب العالم تقف مع القضية الفلسطينية لأنها قضيّة عادلة.

محمود شقير: "هذا المسعى المتهاون الذي أقدم عليه بعض العرب سيُكتب له الفشل، وأنا أعوّل على شعوب هذه البلدان وعلى مثقفيها"

وأضاف شقير: "يقولون إنهم يريدون زيارة أورشليم وكأنهم نسوا أنها القدس، المدينة المحتلة. للأسف الشديد، هذا المسعى المتهاون الذي أقدم عليه بعض العرب سيُكتب له الفشل، وأنا أعوّل على شعوب هذه البلدان وعلى مثقفيها، مثل حمدة خميس، ممن أيّدوا الحق الفلسطيني ورفضوا عمليات التطبيع".

وتعقيباً على كلام شقير، اعتبر ابراهيم نصرالله أن هذه الحركة الفاشية القاتلة لا يمكن لأي ضمير إنساني ولا لأي قيم بشرية أن تقبل السلام معها، لأنها لا تختلف عن هتلر مطلقاً. فهل كان يمكن أن تصالح أوروبا هتلر؟ وهل كان يمكن لها أن تتعايش مع هذا الفكر النازي؟ أسِف نصرالله لرؤية بعض العرب اليوم يسلّمون مفاتيح بلادهم لهذه القوى الفاشية، وسأل: "ما الذي يتوقّعونه من هذه القوى؟".

بعدها أعلن  أنّه بات اليوم يخشى على الإمارات ما يخشاه على فلسطين، ويخشى على البحرين والسودان وعلى أيّ بلد يوقّع مع هذا الكيان الغاصب. ذلك لأن تجربة السلطة الفلسطينية والأردن ومصر مع ما سُميّ بـ "السلام"، كانت واضحة النتائج، بحسب نصرالله. كلّ هذه البلاد عادت إلى الوراء ولم تكسب شيئاً، بل فقدت حتى بعضاً من قيمتها الحضارية.

وختم ابراهيم نصرالله بالقول: "نحن نراهن على الناس. ونحن نعرف أهل الإمارات ونعرف كيف يقرأوننا. والتقينا بهم عشرات المرات في ندوات ثقافية، والتقينا بأهل البحرين والسودان ومصر. ونحن نثق بهؤلاء الناس ولكننا نخشى على بلادهم من قوى فاشية تتقدّم لتبتلع كل شيء، ولا شيء يشبعها على الإطلاق".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard