الفلسطينيّون لصوص ومتوحّشون... صورتهم في مناهج التدريس الإسرائيليّة

الأحد 21 فبراير 202103:57 م

"تقدم الصهيونية مثالًا لا نظير له على التخطيط الصريح والمتعمد. فلم يسبق أن شُنت حملة تستهدف سلب الأرض على نحو يفوق هذه الحملة في التمعن والتفكير. وبما أن كلًا من الكولونيالية والاضطهاد والاحتلال تُعدّ بمثابة جريمة في العالم المتنور اليوم، تحتاج منظومة التعليم في إسرائيل إلى وسائل بالغة التعقيد للشرعنة لكي تحضّر جنودها المستقبليين وتجهّزهم لمواصلة العمل على تنفيذ هذه الممارسات"، هذا ما تقوله الباحثة الإسرائيليّة نوريت بيلد إلحنان من خلال دراستها "فلسطين في الكتب المدرسيّة في إسرائيل" الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار". إذ كيف يتحوّل الأطفال الإسرائيليّون البريئون إلى جنود متوحّشون؟ لا بدّ من آلة دقيقة تعمل منذ الصغر على نقش الرواية الصهيونيّة في أذهانهم. لكنّ الرواية وحدها لا تكفي. قد تؤمن برواية شعبك وتصدّقها دون أن تلغي الآخر أو تشرّده أو تقتله. بيد أنّ الرواية الصهيونيّة، وكي تستمرّ وتتحقّق، لا بدّ وأن تتغذى على خوف أبنائها من الخطر الداهم والعدوّ؛ وهو الفلسطينيّ.

في دراسة بيلد إلحنان وفي دراسات آخرين نتبيّن حقولاً وأمثلةً متعدّدة تشتغل إسرائيل من خلالها على تحويل الفلسطينيين، من أجل شرعنة إقصائهم واستئصالهم، إلى مشاكل مجردة أو تمثيلهم في صور نمطية بغيضة تسوغ ضرورة إبعادهم وعزلهم. لنا أن نتخيّل كيف أنّ هذه التمثيلات والصور المشوّهة كفيلة بغسل دماغ الطفل ثمّ الصبيّة ثمّ الشاب الجنديّ، إن هي حُفرت في ذاكرته البصريّة ووعيه الذي صُقل كنقشٍ في حجر.

العرب "البدائيّون" وإمحاء تاريخهم

يشير الناقد والباحث أنطوان شلحت إلى أنّ دراسات كثيرة حول موضوع صورة العربي في كتب التدريس العبرية في إسرائيل أجريت على مدار الأعوام. ويقول لرصيف22:"تعتبر دراسة د. روت فيرر بعنوان "وكلاء التربية الصهيونية" (1985) إحدى هذه الدراسات المبكرة والشاملة. وقد وجدت فيرر أنه حتى سنة 1930 لم يُذكر العرب تقريبًا في كتب تدريس التاريخ. وعندما جرى التطرّق إليهم فقد عُرضوا كما لو أنهم جزء من "كوارث الطبيعة"، التي اضطر اليهود إلى مواجهتها عندما بدأوا بتشييد حياتهم الجديدة. وبدءًا من سنة 1930، وفي موازاة تصعيد الصراع العنيف، جرى وصف العرب في كتب تدريس التاريخ بأنهم "لصوص، متوحشون، بدائيون، يتم تحريضهم بسهولة وما إلى ذلك". ويضيف شلحت: "كما وُصف العرب بأنهم ناكرون للجميل إزاء اليهود، الذين أتوا إلى البلاد وساهموا في ازدهارها، في حين أن الزعماء العرب حرضوا السكان العرب ضد الييشوف العبري. ولدى تطرّق كتب التدريس إلى السكان العرب أنفسهم فقد كان التركيز عادة ما يتم على الفلاحين، الذين جرى عرضهم، بصورة عامة، باعتبارهم بدائيين ومعدمين".

في دراستها، تنظر الباحثة نوريت بيلد إلحنان إلى الكتب التي تدرّس في مدارس إسرائيل على أنّها "نصوص متفرّعة عن النص الصهيوني المؤسس في المقام الأول". مع العلم بأنّ العقيدة الصهيونيّة، كما يشير أنطوان شلحت الذي قدّم لهذه الدراسة، والتي تنصّ على "إعرف وطنك"، تعني نسيان ألفي عام من الحظارة التي قامت في ربوع هذه الأرض. وتعني النظر إلى الحياة التي يعيشها اليهود في إسرائيل على أنّها استمرار مباشر لمملكة يهودا التوراتيّة.

وتورد الباحثة بيلد إلحنان مثالاً حول صورة العربي الفلسطيني البدائيّة من كتاب "جغرافيا أرض إسرائيل"، حيث تظهر صورة لبيت عربيّ يقف إلى جانبه رجل عربي يلبس الزي التقليدي الفلاحي. فتقول: "يشير الكاتب فان ليوين إلى تصنيف الناس على أساس بيلوجي ينطوي على أن تلك السمات هي "في دمهم" (ص 146). ولكن يمكن تقديم التصنيف الثقافي، كذلك، كما لو كان "في الدم"، مثلاً: المجتمع العربي مجتمع تقليدي، من طبيعته مقاومة التغيير، ويعارض تبنّي التجديد (...). ويرفض العرب العيش في البنايات المرتفعة ويصر الواحد منهم على السكن في منزل من طابق واحد (...) وتصور هذه الروايات "العرب"- بمجموعهم الذي يبلغ الملايين في تعداده- على أنّهم يملكون بطبيعتهم أو بالوراثة هذه السمات "السلبيّة".

تحتاج منظومة التعليم في إسرائيل إلى وسائل بالغة التعقيد لكي تحضّر جنودها المستقبليين وتجهّزهم لمواصلة العمل على تنفيذ ممارسات الاحتلال. ويجري تحويل الفلسطينيين إلى مشاكل مجردة وكائنات إرهابيّة

أرض بلا شعب لشعب بلا أرض

"منذ إقامة دولة إسرائيل وحتى بداية السبعينيات في القرن العشرين واصلت كتب التدريس الإسرائيلية تصوير العرب بضوء سلبي للغاية. وبالإمكان القول إنه خلال فترة الييشوف [ما قبل سنة 1948] وفي العقود الأولى بعد إقامة الدولة، كانت نزعة إلغاء شرعية العرب واسعة النطاق وممأسسة في كتب التدريس العبرية"، يقول أنطوان شلحت مضيفاً: "لا غرابة في ذلك، إذ أنّه في تلك الفترة جرى إخضاع جهاز التربية والتعليم بصورة مطلقة لخدمة غايات المجتمع الإسرائيلي القومية والوطنية، وكان يُفترض به أن يخدمها، لا أكثر. وبناء على ذلك فقد دأبت كتب التدريس على أن تكسب مضامين معينة، وعلى أن تربي على روح الصراع، الذي كان لإلغاء شرعية العرب دور مركزي فيه".

وكانت بيلد إلحنان في دراستها، أكّدت أنّ كتب التدريس تعتبر جانباً من جوانب "الرواية الصهيونية الكبرى" التي تمثل، على نحو صريح وضمني في الوقت ذاته، الضمير الجمعي الذي يوجه المجتمع الإسرائيلي بكافة فئاته وأطيافه، بالشكل الذي يُعاد فيه إنتاجها في الكتب المدرسية المقررة في ثلاثة حقول معرفية، وهي التاريخ والجغرافيا والدراسات المدنية. مشيرةً إلى مقولاتٍ مركزيّة؛ إحداها مقولة أنّ أرض فلسطين أو "أرض إسرائيل الموعودة" هي "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

يقول شلحت: "بحسب ما يؤكد د. إيلي بوديه، أيضاً، وهو مؤلف كتاب "الصراع العربي- الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية الإسرائيلية"، فإنه في كل ما يتعلق بالهجرات اليهودية الأولى جرى وصف البلد، في كتب تدريس التاريخ التي وُضعت في إثر إقامة الدولة [الجيل الأول من كتب التدريس الإسرائيلية]، باعتبارها قاحلة وخالية وغير مأهولة، وكان التطرّق إلى السكان العرب يتم بمصطلحات سلبية. وقد ركزت الأوصاف السلبية على معدومية هؤلاء السكان وبدائيتهم، وأيضًا على جُبنهم وخيانتهم وعنفهم. كما أنهم اتهموا بإهمال البلد. وامتنعت كتب التدريس هذه من ذكر اسم "فلسطين"، وتمسكت بإصرار شديد باسم "إسرائيل" أو "أرض إسرائيل". وقد كان ذلك كله ينطوي على نفي أي مطالب للفلسطينيين في البلد.

وتأكيداً على ورود الأوصاف التي تنمّ عن إهمال الفلسطينيين لبلدهم وخيانتهم لها، تقول بيلد إلحنان: "كانت النصوص تنحي باللائمة على القيادة العربيّة بسبب المصيبة التي حلّت باللاجئين الفلسطينيين. وكانت التعبيرات التي كانت تستخدم تصف "مغادرة العرب": هروب، تخلّ، خروج، فرار، إخلاء وهلم جرا".

إسقاط تاريخ المحرقة على فلسطين

وتشير الباحثة فيرر، بدورها، إلى أن كتب التدريس، التي نُشرت في دولة إسرائيل، في إبان بداية طريقها، كانت متأثرة بـ"صدمة المحرقة النازية"، واستعارت من تاريخ شعب إسرائيل المصطلحات ذات الشحنات العاطفية فقط، من أجل أن تصف الأنشطة العنيفة للعرب في تلك الفترة (مثل البوغرومات، المجازر، أعمال الشغب، الهجمات التخريبية، القتلة المتعطشين للدم والأحداث الدموية). يؤكد شلحت: "بهذه المصطلحات تمّ وصف "أعمال العنف"، التي اقترفها العرب خلال سنتي 1920- 1921 وفي سنة 1929، وجرى تفسيرها بأنها تحصيل حاصل التحريض والغليان الأهوج. كما أن "أعمال العنف" العربية خلال الأعوام 1936- 1939 جرى وصفها باعتبارها أعمال شغب قامت بها "عصابات عربية"، وفي بعض الكتب أشير إلى العلاقة القائمة بين العرب وبين النازيين وحركات فاشية في أوروبا". وهكذا بدت "أعمال العنف" المذكورة ومعارضة العرب للحركة الصهيونية، والتي تمّ تصويرها من دون أي خلفية ولا أي تفسيرات، باعتبارها أعمالًا تعسفية ومغرضة تماماً. بكلمات أخرى أن العرب عارضوا، بفظاظتهم المعهودة، المحاولات الأصيلة وغير العنيفة التي بذلها اليهود [الذين وُصفوا بأنهم ضحايا] من أجل العودة إلى وطنهم الأصلي.

شيطنة الفلسطينيّ وتحضير جنود إسرائيل

تحتاج منظومة التعليم في إسرائيل إلى وسائل بالغة التعقيد لكي تحضّر جنودها المستقبليين وتجهّزهم لمواصلة العمل على تنفيذ ممارسات الاحتلال. ويجري تحويل الفلسطينيين، من أجل شرعنة إقصائهم واستئصالهم، إلى مشاكل مجردة وكائنات إرهابيّة. وإذا ما انتقلنا إلى باحث آخر هو دانييل بار- طال، فإنه يعتقد أن إسقاط الشرعية هو أحد العوامل النفسانية الأكثر أهمية للمقاربات والممارسات التي تزيد من حدّة الصراع وتؤججه، كما أنها تؤدي قسطًا في استمراره وفي ارتكاب أعمال تشذ عن المعايير المألوفة حتى في خضم القتال، مثل المسّ بالمدنيين والعقوبات الجماعية. "فحوى إسقاط الشرعية هو، بشكل عام، عزو صور تنميطية ذات دلالة سلبية متطرفة إلى أبناء جماعة بشرية معينة بهدف نزع السمات الإنسانية عنها. وإسقاط الشرعية هو بمثابة إقصاء أخلاقي (Moral exclusion).

وتورد بيلد إلحنان في دراستها مثالاً يوضّح نزع الأخلاق عن الفلسطينيّ وتصويره على أنّه العدو الإرهابي من كتاب "الأزمنة الحديثة"، الذي لا يتضمّن سوى صورتين فوتوغرافيّتين للفلسطينيين، إحداهما لأطفال فلسطينيين وجوههم مغطاة ويقذفون الحجارة "على قوّاتنا". ولكن القوات- سيارات الجيب أو الدبابات- لا تظهر فيها. كذلك، تتحدّث نوريت بيلد إلحنان عن شيطنة الآخر (العبري) في كتب التدريس المتداولة بين الأعوام 1994 و2010: "نحن نجد أكثر المقارنات الصارخة بين الفلسطينيين والنازيين أو الشيطان. فعلى سبيل المثال، "رأى رئيس الوزراء في عرفات تجسيداً لهتلر" (كتاب القرن العشرون). و"كان عرفات يمثّل تشخيصاً للشيطان ومنظمة التحرير الفلسطينيّة كقبيلة من القتلة" (المصدر السابق).


"تظهر في هذه الصورة فتاة تنظر مباشرة في الكاميرا، وبالتالي في عيوننا. وكوني إسرائيليّة أعرف السياق الذي التُقطت فيه الصورة والظروف المحيطة بتلك الفتاة، فإن نظرتها تجعلني أرتعد"

صورة من كتاب "فلسطين في الكتب المدرسيّة في إسرائيل" لنوريت بيلد إلحنان

مناهج المدارس الفلسطينيّة تضعها نفس اليد

لا ينفصل منهاج التدريس الإسرائيلي الذي يوضع للمدارس اليهوديّة عن ذاك الذي يوضع للمدارس الفلسطينيّة في القدس والداخل الفلسطينيّ. "الرواية ووجهة النظر الإسرائيليّتين تمرّران للطالب الفلسطينيّ تماماً كما للطالب الإسرائيليّ"، تقول الباحثة سميرة عزّام لرصيف22، مضيفةً: "في نهاية المطاف، فإنّ جهاز التربية والتعليم يتوافق والأسس التي قامت عليها دولة إسرائيل، متجسّدةً بحقول المدنيات والتاريخ والجغرافيا. هويّة الطالب العربي الفلسطيني الوطنيّة والسياسيّة والحضاريّة والدينيّة والثقافيّة ليست حاضرة البتّة. ما يتعلّمه الطالب يقتصر على تاريخ الشعب اليهودي قبل إقامة الدولة وبعدها وفي العصور الوسطى في أوروبا. هكذا، ينشأ الطالب العربيّ على أنّه جزء من أقليّة "عربيّة"، مسلوخاً عن فلسطينيّته من خلال تجذير المصطلح الإسرائيلي لتسميته وهو "العربي الإسرائيلي".

تؤكّد عزّام على أنّ المنهاج تضعه لجان، وإن كان أفرادها فلسطينيين، يكون المسؤول الرئيس إسرائيلي يهودي، هو الذي يقرّ المنهاج النهائي ويصادق عليه. أما الفلسطينيّون فلا يملكون القرار أبداً. تخصّصت عزّام في البحث في المناهج وجهاز التعليم في القدس المحتلّة. "ثمّة صراع تواجهه مدارس الداخل الفلسطينيّ، وآخر تواجهه مدارس القدس. فالأخيرة اتّبعت المنهاج الأردنيّ حتّى عام الاحتلال 1975. ثمّ، ووفق اتفاقيّة أوسلو، سيطرت السلطة الفلسطينيّة على المنهاج وسيطرة إسرائيل على إدارة المدارس. لكن ما نلحظه اليوم هو أن إسرائيل تشترط منح الخدمات العامة والامتيازات لمدارس القدس التي تتّبع المنهاج الإسرائيليّ. فتوضع المدارس في مفترق طرق بين وطنيّتها ومحاربتها وبين تطوير المدرسة وإحقاق حقوق طلابها"، تقول عزّام. هكذا تدجّن المدارس الفلسطينيّة سواء في القدس أم في الداخل، الذي تفرض عليه كذلك المناهج الإسرائيليّة ويخاف معظم المدرّسين فيها أن ينزاحوا عن المنهاج وينطقوا بالحقيقة خوفاً من خسارة لقمة العيش أو الانتهاء إلى لجان الطاعة والتحقيق التابعة لجهاز التربية والتعليم.

تقول بيلد إلحنان: "تأتي اللقطة القريبة الوحيدة لفلسطين في الكتب التي ندرسها هنا (في إسرائيل) في صورة فوتوغرافيّة لأطفال يعيشون في مخيم لاجئين في الأردن. وتظهر في هذه الصورة، التي ترد في كتاب منعته وزارة التربية والتعليم، فتاة تنظر مباشرة في الكاميرا، وبالتالي في عيوننا. وكوني إسرائيليّة أعرف السياق الذي التُقطت فيه هذه الصورة والظروف المحيطة بتلك الفتاة، فإن نظرتها تجعلني أرتعد وتتركني بلا راحة، ولكني لا أستطيع الهروب بعيداً عنها". لكن يبدو أنّ هذه النظرة، كانت مرئيّة في صورة أم تمّ تغييبها بالمنع، ستظلّ على هامش الهيمنة الشرسة للرواية الصهيونيّة، وستظلّ الأخيرة الحليب الذي يرضعه الطفل اللطيف الذي سيكبر ويصير جنديّاً في جيش الاحتلال.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard