"ثورة في عالم التغذية"... كيف يعلّمنا الأكل الواعي التصالح مع أجسادنا؟

الثلاثاء 15 يونيو 202106:01 م

نأخذ حبة عنب واحدة، نضعها في الصحن، نجلس بهدوء، نأخذ نفساً عميقاً ونبدأ بفحص حوافها وملمسها جيداً، ومن ثم نشمها ونقلّبها بين أصابعنا، نضعها بين شفتينا لبعض الوقت، ومن ثم ندخلها إلى فمنا ونقضمها ببطىء فنركز على طعمها وما تجلبه كل قضمة، حتى تذوب حبة العنب في فمنا، وفي نهاية المطاف نغلق عيوننا لبضع لحظات لنلاحظ نتيجة ما مررنا به للتوّ.

هذه هي الممارسة العصرية المتمثلة في الأكل اليقظ، الذي يشكّل نوعاً من التأمل والتركيز على التجارب الحسية للبصر والصوت والشم واللمس والذوق، ويجلب الإدراك الكامل للطعام.

على غرار طرق اليقظة الأخرى، فإن الأكل اليقظ يقوم على الإدراك الخالي من الأحكام للأفكار والعواطف والخبرات الحسية، ويساعد المرء على الانتباه، لحظة بلحظة، إلى ما يقوم به في العادة ولكنه نادراً ما يتوقف عند تفاصيله.

عيش اللحظة

هل تساءلتم/نّ يوماً لماذا يقرع الناس أكوابهم/نّ معاً ويهتفون "بصحتكم/نّ"؟ لا يتعلق الأمر بدرء الأرواح الشريرة كما تزعم بعض الأساطير، بل الهدف هو سماع صوت الرنين حتى يتمكن الجميع من إدراج جميع الحواس في هذه التجربة المتكاملة.

بشكل عام، يمكن تعريف اليقظة على أنها شكل من أشكال التأمل الذي يساعد على التركيز على اللحظة الحالية والتعرف على العواطف والأحاسيس الجسدية بهدف التعامل معها بشكل أفضل، ما يعني تشجيع شخص ما على الاعتناء بنفسه واكتساب الوعي بتجاربه في الحياة.

"هذا النهج يناسب جميع الذين يريدون اعتماد الأكل الصحي كنمط حياة على المدى البعيد، والفكرة الأساسية منه هو التحرر من فكرة الدايت كعقاب، ومساعدة المرء على التصالح مع نفسه"

عرّف جون كابات زين مصطلح "اليقظة" على أنه "الانتباه بطريقة معينة، عن قصد، في اللحظة الحالية وبدون إصدار أحكام".

واللافت أن جون هو المطوّر الأصلي وقائد برنامج الحدّ من الإجهاد القائم على اليقظة في كلية الطب في جامعة ماساتشوستس، وكان قد كتبFull Catastrophe Living في العام 1990، لتقديم إرشادات حول العيش اليقظ استناداً إلى تجاربه الشخصية.

في الحقيقة، لقد ساعدت ممارسة اليقظة الذهنية آلاف الأشخاص من حول العالم على العيش بشكل أفضل، وتنمية المهارات اللازمة لإدارة الألم المزمن والمرض والاكتئاب ومشاكل النوم والقلق.

هذا وقد أصبحت اليقظة نهجاً مفيداً لعلاج اضطرابات الأكل، فأحدث الأكل اليقظ "ثورة" في عالم التغذية، بخاصة وأن العديد من الأخصائيين/ات يشددون على أنه، وبدون تغيير السلوك الخاطىء، يكون النظام الغذائي عديم الفائدة.

الأكل الواعي وفوائده المذهلة

يقوم الأكل الواعي على فكرة الانتباه إلى طعامنا، عن قصد، لحظة بلحظة وبدون حكم، وهو نهج يركز على وعي الأفراد الحسي بالطعام وتجربتهم للطعام، من دون أن يكون لذلك أي علاقة بالسعرات الحرارية أو الكربوهيدرات أو الدهون أو البروتين.

الغرض من الأكل اليقظ هو مساعدة الأفراد على عيش اللحظة وتذوّق الطعام ببطء وتهيئة أنفسهم لتجربة الأكل.

يعتقد بعض الخبراء أن الأكل اليقظ يساعد على التوافق مع أجزاء كثيرة من الجسم، وبالتالي يمكن أن يكون له فوائد، بدءاً من الدماغ وصولاً إلى القناة الهضمية.

كما يمكن أن يساعد المرء في اتخاذ خيارات أفضل لناحية الطعام، وفق تأكيد ميغريت فليتشر، وهي اختصاصية تغذية ومؤلفة كتب عديدة عن الأكل اليقظ: "الفائدة الرئيسية من الأكل اليقظ هو أنه نهج مستدام لتغيير النظام الغذائي".

في هذا الصدد، أوضحت الأخصائية في علم التغذية، سالي الزين، أن الأكل الواعي هو نهج بات يعتمده العديد من خبراء التغذية اليوم في العيادات، بهدف تجاوز العديد من اضطرابات الأكل: "هذه الطريقة الخالية من القواعد والشروط تقوم على فكرة أساسية مفادها أن يتعلّم المرء كيفية الإنصات لحاجات جسمه ومتطلباته".

وبحسب ما قالت زين لرصيف22، فإن هذا النهج يتطلب الكثير من الوقت لكي يتمكن الشخص من الالتزام به بشكل صحيح بغية التصالح مع نفسه ومع جسمه.

وأشارت الزين إلى أن الأكل الواعي يناسب بشكل خاص الأشخاص الذين لديهم علاقة مضطربة مع الطعام، كالأفراد الذين يعانون من فقدان الشهية العصابي (Anorexia) أو الشره المرضي العصبي (bulimia).

وفي ختام حديثها، شددت سالي الزين على ضرورة أن يتحول الأكل الواعي إلى نمط حياة بهدف الاستفادة منه على المدى البعيد: "هذا النهج يناسب جميع الذين يريدون اعتماد الأكل الصحي كنمط حياة على المدى البعيد، والفكرة الأساسية منه هو التحرر من فكرة الدايت كعقاب، ومساعدة المرء على التصالح مع نفسه، بخاصة وأن كل جسم لديه وزن بيولوجي معيّن يجب تقبله".

كيف يمكن أن يساعد الأكل اليقظ في تحسين النظام الغذائي وصحة الأفراد؟

تناول كميات أقل من الطعام: وجدت مراجعة لـ24 دراسة، نشرت في المجلة الأميركية للتغذية السريرية، دليلاً على أن اتباع الأكل اليقظ ساعد الأفراد على تناول كميات أقل من الطعام أثناء الوجبات، في حين أنه حدث العكس عند غياب التركيز.

وفي السياق نفسه، وجدت دراسة نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology أنه كلما زاد تفاعل الأفراد مع البرنامج التلفزيوني، كلما زاد ميلهم لتناول الطعام.

وعليه، فإن هذا النوع من "الأكل الطائش" يدفع المرء لتناول المزيد من الطعام في وقت لاحق من اليوم.

وقد أظهرت الأبحاث أنه عندما يتم الطلب من الناس أن يتذكروا بالتفصيل ما تم تناوله على الغداء، فإن ذلك قد يقودهم إلى تناول كميات أقل خلال فترة بعد الظهر.

إذن، من خلال تقوية ذاكرتنا لما نأكله، فإن الأكل الواعي قد يساعدنا على التحكم في شهيتنا وفي تقليل كميات الطعام.

السيطرة على الرغبة الشديدة: إن الأكل الواعي قد يكسر الرابط بين الرغبة الشديدة في تناول الطعام والانغماس فيه، بمعنى آخر، إذا كنا مدركين لرغبتنا في تناول الطعام ومدركين لما نشعر به بعد تناول قضمة واحدة من كعكة الشوكولا على سبيل المثال، فقد نشعر بالرضا تجاه كمية طعام أقل.

وهناك جانب آخر من الأكل الواعي يكمن في التركيز على الأفكار والعواطف، كما أن تعزيز عادات تناول الطعام الصحية من شأنها مساعدة الناس على ضبط أجسادهم، بحيث أن الرغبة الشديدة في تناول الطعام قد تكون مؤشراً للإرهاق أو التعب أو القلق...

تحسين صحة الأمعاء: قد يؤدي الانتباه إلى ما هو موجود في الطبق إلى تحسين صحة الأمعاء.

يقول بعض مؤيدي الأكل اليقظ إن هذه الممارسة تشجع الناس على مضغ وتذوق طعامهم أكثر، ما يؤدي إلى إبطاء وتيرة الوجبة.

وقد وجدت الأبحاث أن الأكل البطيء (والكثير من المضغ) يساعد على إطلاق هرمونات الأمعاء التي تساعد على الهضم، كما وجدت دراسة أخرى نُشرت في Journal of Crohn’s and Colitis أن ممارسات اليقظة يمكن أن تقلل الأعراض لدى المرضى الذين يعانون من التهاب الأمعاء عن طريق تخفيف التوتر.

هذا وقد كشفت دراسات أخرى أن الأكل اليقظ قد يساعد الأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الثاني عن طريق تخفيف ارتفاع السكر في الدم وتحسين جودة النظام الغذائي.

هل يساعد الأكل اليقظ على إنقاص الوزن؟

بالرغم من فوائده المذهلة، إلا أن الأكل اليقظ قد لا يكون الحلّ الأفضل لفقدان الوزن، نظراً لوجود نقص في الأدلة التي تثبت العلاقة بين اتباع هذا النهج وخسارة الوزن، بالإضافة إلى تضارب جوهر المفهومين إلى حدّ ما.

في الحقيقة، إذا ركزنا على هدف واحد وهو إنقاص الوزن، فلا يمكننا عندها كأفراد أن نكون محايدين حقاً في علاقتنا بالطعام.

يشجعنا الأكل الواعي على أن نكون فضوليين حول كيفية تجربتنا لجميع أنواع الأطعمة المختلفة.

 الأكل اليقظ يساعد على الالتزام بنظام غذائي صحي على المدى البعيد، وذلك من خلال التركيز على التجربة الفريدة مع الطعام وأن يكون المرء حاضراً بكافة حواسه

للقيام بذلك، يجب علينا تبني أو العمل من أجل تبني نهج غير مقيّد للطعام، ما يعني الابتعاد عن المفاهيم الجامدة للأطعمة "الجيّدة" أو "السيئة"، وتناول الطعام وفقاً لما يريده جسمنا وليس بحسب ما نعتقد أنه سيجعلنا نفقد أو نكتسب الوزن، أما عندما نتمسّك بالسعي فقط وراء إنقاص الوزن، فإننا نحكم على خياراتنا الغذائية ونتخذ قرارات تناول الطعام بناءً على كيفية اعتقادنا أن بعض الأطعمة ستؤثر على وزننا، وليس بناءً على الاستماع إلى أجسامنا، وعليه نكون قد فقدنا جوهر الأكل اليقظ.

ومع ذلك، يساعد الأكل اليقظ بشكل غير مباشر على خسارة بعض الكيلوغرامات الإضافية، عن طريق تغيير سلوكيات الأكل وتقليل التوتر المرتبط بتناول الطعام.

بمعنى آخر، فإن الأكل اليقظ يساعد على الالتزام بنظام غذائي صحي على المدى البعيد، وذلك من خلال التركيز على التجربة الفريدة مع الطعام وأن يكون المرء حاضراً بكافة حواسه أثناء تناول الطعام.

أبرز الأمور التي يجب التوقف عندها اثناء الأكل اليقظ:

عدم إطلاق الأحكام: أول ما نواجهه أثناء تجربة الأكل اليقظ هو إطلاق الأحكام، وبالتالي فإن بدء عملية الأكل من خلال تنحية خبرتنا عن الطعام هو التحدي الأول الذي نواجهه.

الصبر: من الواضح أنه يجب على المرء التحلي بالصبر حتى يأكل بوعي. فمثلاً بدلاً من الطريقة المعتادة لتناول العنب، وهي إلقاء حفنة من الحبوب في الفم، ومضغها عدة مرات قبل بلعها، فإننا نميل لإبطاء عملية تناول الطعام بشكل كبير من أجل الاستمتاع بالتجربة الكاملة.

عقل المبتدئين/ات: إن التعامل مع الأكل تماماً كما يفعل الطفل يسمح بالتوقف عند كل تفصيل صغير والانفتاح على ما تعنيه هذه التجربة.

الثقة بالنفس: مع إدراكنا الكامل لتجربتنا الخاصة، فإننا نطور المزيد من الثقة بالنفس، ومن خلال ملاحظة وتقدير ما نشعر به واستجاباتنا للأطعمة المختلفة، نصبح أكثر تقبلاً لأنفسنا وبالتالي أكثر ثقة.

التخلي عن الإنسان القديم: يتضمن الأكل اليقظ التخلي عن التوقعات السابقة، مثل التخلي عن الاستياء الذي نحمله حول جعلنا نأكل العنب عندما كنا نرغب حقاً في الحصول على قطعة من الشوكولا.

بمعنى آخر، يتيح لنا هذا النهج التخلي عن كل ما أصبحنا مرتبطين به والانفتاح على تجارب جديدة دون أحكام مسبقة.

في نهاية المطاف، يدعم الأكل الواعي شعور الأفراد بحقيقة من هم عليه، من خلال تعزيز قبول الذات، كما يشجعهم على تقدير الطعام بدلاً من تقييده والتضور جوعاً، من خلال امتلاك عقل مبتدئ وتقدير كل لحظة بصبر وبوعي كامل، هذا ويشجعهم تبني هذا النهج على الثقة في قراراتهم بدلاً من التقيّد بقواعد حول ماذا ومتى يأكلون، ناهيك عن العيش بشكل كامل في كل لحظة وتقدير حياتهم كما هي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard