"مش باللوكاندات والسياحة يا سادة"... في وداع إيفلين بوريه "العمدة" التي غيرت "تونس" المصرية

الأحد 13 يونيو 202105:20 م

لو نظر أحدهم من خارج المشهد لمحاولة فهم سرّ كل هذا الحزن الذي سيطر خلال الأيام الأخيرة على أهالي محافظة الفيوم في جنوب القاهرة، بعد وفاة السيدة السويسرية إيفيلين بوريه، لن يستطيع أن يصل إلى إجابات، ما الذي يجمع بين سويسرا والفيوم؟

هذا الحب هو الذي أغرقتنا فيه السيدة إيفيلين بوريه، مؤسِّسة مدارس صناعة الخزف والفخار بقرية تونس في محافظة الفيوم، سويسرية الأصل، التي وضعت حياتها خلف ظهرها، وقررت ترك عالمها القديم، والبقاء في مصر والاستقرار بها منذ أكثر من 55 عاماً.

كانت بداية إيفلين مع مصر والمصريين، بقصة الحب الذي جمعتها مع الشاعر الكبير الراحل سيد حجاب، أحد أهم أركان الشعر الغنائي وشعر العامية في تاريخ مصر الحديث، وأحد أعضاء لجنة الخمسين التي قامت بوضع أحدث دستور مصري.

لافتة لأهالي قرية تونس تعزي فيه إيفلين بوريه

رغم أن حكاية الحب بين سيد حجاب وإيفلين لم تكتمل بعد انفصالهما مبكراً، بعد فترة ليست طويلة من الزواج، إلا أن حكاية الحب بين إيفلين ومصر قد اكتملت مثلها مثل أجمل الملاحم الرومانسية، وكانت البداية عندما رفضت إيفلين العودة إلى سويسرا حتى بعد انفصالها عن حجاب.

أحبت إيفلين إحدى البقاع الساحرة المهملة في مصر، وقررت تأسيس مدرسة لتعليم أبناء قرية تونس بالفيوم، صناعة الخزف والفخار، واستقرّت هناك وسط الأهالي، وساهمت بتحويل تلك القرية البسيطة إلى أشهر وجهة سياحية بالمحافظة.

أحبت إيفلين تونس المصرية، كانت بقعة مُهملة، تخوف الأهالي من "الأجنبية اللى سابت أوروبا وجت تعيش في قرية"، ولكنها سرعان ما اندمجت، وتحولت إلى "عمدة"، وغيرت مصير "البلد" تماماً بالفخار

صفحة أشهر المؤسسات التي تعمل في الترويج السياحي لقرية تونس نعت بوريه، وقالت في منشورها عبر شبكات التواصل: "انتقلت إلى دار الآخرة السيدة السويسرية إيفلين بوريه، بعد عيشتها في قرية تونس فترة تفوق 40 عاماً، الخير اللي عملته غيّر قرية بالكامل، وجعلها تنافس في مجال السياحة وصناعة الفخار عالمياً، مع السلامة يا معلمة الأجيال، ربنا يجازيكي خير على اللي عملتيه، وتعليمك لأجيال حرفة يأكلون من خيرها، وتكون مفتاح لجعل قرية تونس سياحية ومعروفة عالمياً".

إيفلين بوريه في قرية تونس المصرية بمحافظة الفيوم

"أوّل بنت" صانعة فخار

أنجلو ميشيل، نجل الراحلة إيفلين بوريه، قرّر أن يواصل مسيرة والدته، وقال في تصريحات لرصيف22 إنه سيحافظ على تراث والدته بقرية تونس، وسيظل يدير مدرسة الفخار التي أسستها والدته، والتي قام بالإشراف عليها خلال الشهور الأخيرة من حياتها، بعد تردي أوضاعها الصحية منذ حزيران/يونيو العام الماضي.

وكان أنجلو، الذي ارتبط اسمه باسم والدته عند عامة الناس في الفيوم، كانوا ينادونها بـ"أم أنجلو"، قد كتب مقالاً عنها في صحيفة محلية، ذكر فيه أن والدته كانت تعشق ريف الفيوم، وأنه ولد في القاهرة قبل 37 عاماً، هو وشقيقته ماريا، أما والدتهما الساكنة في قلب أهل الفيوم، فقد عرف الناس هناك عنها الكثير وأحبوها.

بحسب ميشيل، كانت إيفلين تجيد السباحة، وتعشق تناول السمك والدجاج البلدي الذي كانت تربيه في منزلها، بالإضافة إلى الفول النابت والطعمية.

وكانت إيفلين كما يقولون بالعامية المصرية "ست صاحبة واجب"، نجحت عبر العقود في توثيق صلتها بأهل القرية حتى تحولت إلى ما يشبه "العمدة".

لقطة من جنازة إيفلين بوريه الفنانة السويسرية التي أقامت، وغيرت الكثير في قرية بالفيوم

الصحفي المصري سامح فايز، كتب عبر صفحته على فيسبوك، مستعيداً حكايته مع إيفلين، ودورها بالغ التأثير في حياة الناس بقرية تونس: "في عام 2015، سافرت الفيوم لإجراء لقاء مع إيفلين بوريه في قرية تونس لجريدة القاهرة 'مطبوعة وزارة الثقافة المصرية'، ولظروف خاصة رفضت تعمل لقاء معايا، في الفترة دى كانت بتمر بمشاكل متعلقة بالإقامة اللي بتجددها كل سنة، ورحت لها في يوم كانت قاعدة تكلم فيه نفسها، وكنت لسه جديد في المهنة، ومعرفتش أتعامل، قلت لنفسي مش مروح إلا لما أعمل موضوع أحلى من اللى جئت له، فضلت أدور واسأل أهل المكان لحد ما وصلت لأول بنت اتعلمت على إيد إيفلين صناعة الفخار".

إيفلين بوريه في قرية تونس المصرية بمحافظة الفيوم

"شافتها إيفلين بتلعب في الطين وبترسمه بشكل فيه لمسة جمالية على طفلة قروية، فقررت تعليمها. الطفلة وقتها أهلها رفضوا، وكانوا متخوّفين من الست الأجنبية اللى سابت أوروبا وجت تعيش في قرية ريفية في دول من دول العالم الثالث، لكن راوية حبت الفخار، وعافرت واتعلمت، والنهاردة بقت واحدة من أشهر الصناع في قرية تونس، وشاركت في أول معرض دولي لها وعمرها 16 سنة، وكل أهلها اللى كانوا رافضين في الأول، أصبحوا حالياً شغالين معاها في مشروعها اللى هي بتديره بنفسها".

لافتة لأهالي قرية تونس تعزي فيه إيفلين بوريه

بكلمات بسيطة، في حديث لها مع التلفزيون المصري، لخّصت السيدة السويسرية حلمها الذي أنارت به الريف المصري: "الفخار هي اللي غيرت البلد، الغريب أنها مش اللوكاندات والسياحة اللي غيرت، الفخار هو اللي غير".

وتتذكر إيفلين عندما جاءت إلى مصر، وكيف أسّست مشروعها عام 1979، وترى السيدة السويسرية أن وجودها في مصر واهتمامها بمشروع مدرسة الفخار هو سر نجاحها.

قالت الفنانة السويسرية منتقدة توجهات المسؤولين في مصر: "الفخار هي اللي غيرت البلد مش اللوكاندات والسياحة"، ونعاها أبناء الفيوم: "مع السلامة يا معلمة الأجيال، ربنا يجازيكي خير على اللي عملتيه، وتعليمك لأجيال حرفة يأكلون من خيرها"

وترى إيفلين أن ما فعلته جعلها أفضل من سيدات الأعمال في القاهرة لخصوصية مشروعها، ولأن التجار يضطرون إلى الذهاب إليها، والآن بعد كل تلك السنوات أصبحت منتجات إيفلين والبنات من تلميذاتها يتم تصديرها إلى كل بقاع العالم.

صورة لقرية تونس في محافظة الفيوم المصرية

تعلّق قلب إيفلين بالفيوم بعد رحلتها لبحيرة قارون بصحبة زوجها السابق الشاعر سيد حجاب، وبعد الانفصال عن الشاعر الكبير، قررت إيفيلين شراء قطعة أرض في القرية، وقامت ببناء بيتها الذي عاشت فيه حتى نهاية حياتها، بتنور بيتها بـ"لمبة جاز"، وبتشرب مياه "الطلمبة"، وظل البيت على هذا الوضع لمدة 10 سنوات في بداية إقامتها بالفيوم، ثم قامت بتنظيم أول مهرجان للخزف في قرية تونس، وهو الأمر الذي لفت انتباه المسؤولين في مصر للقرية، فجاءت الكهرباء والمياه وباقي الخدمات.

الآن بعد 40 عاماً على أحلام البداية، أصبح إنتاج الأطفال والكبار في القرية يشارك في معارض في العديد من دول حول العالم، وعندما تنظر الآن إلى اللافتة التي تحمل اسم شارع إيفلين بوريه في القرية، تدرك جيداً أن هذا الشارع هو خيط النور الرقيق الذي تسرب من الروح العظيمة لإيفلين بوريه ليخترق قلوب المصريين ويسكن داخلها إلى الأبد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard