من يموّل الإعلام العربي؟

الاثنين 3 مايو 202102:53 م

الإعلام هو السلطة الرابعة التي يحق لها الرقابة على آداء الحكومات ومصالح الشعوب، إلا أن هذه السلطة تراجعت أمام قوة رأس المال والتدخلات الحكومية المباشرة وغير المباشرة في الإعلام، بشكل جعل الإعلام فاقداً للاستقلالية وغير حرّ، وصار في الغالب إعلاماً ممولاً من جهات مختلفة، فيتوافق منتجه مع المانح بطبيعة الحال.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف الإثنين 3 مايو / آيار، ووسط الكم الكبير من عبارات تشير إلى حرية واستقلالية المنابر الإعلامية العربية، يطرح رصيف 22 سؤالين هما من يمول الإعلام العربي؟ وهل إعلامنا العربي حر أم لا؟

البداية من مصر

رغم تراجع دور القاهرة الإعلامي إقليمياً بعد دخول عصر الفضائيات التي سحبت مركز الثقل لعواصم اخرى، إلا أنه بحكم الكثافة السكانية، ما زال الجمهور المصري هو المستهلك الأكبر للصحافة في العالم العربي.

وقد شهدت خريطة "تمويل" الصحافة في مصر تحولات جذرية بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في عام 2014. وبات من الممكن تقسيم المنتج الصحافي تمويلاً الى ثلاثة اقسام:

1- رسمي  مباشر ممثلاً في الجرائد والمجلات القومية التي تقدم الخطاب الرسمي المصري من عقود، ونادراً ما ترى فيها أصواتاً معارضة، وان وجدت فسيكون حديثها ذا سقف شديد الانخفاض، ولا يبتعد كثيراً عن النهج العام للمطبوعة.

 2-  رسمي بشكل غير مباشر والمقصود به الإعلام المملوك للاجهزة الامنية، والذي بات أكثر هيمنة بعد استحواذ شركة "إيجل كابيتال للاستثمارات المالية" - وهي صندوق استثمار مباشر مملوك لجهاز المخابرات العامة – في عام 2017 على حصة رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة في مجموعة إعلام المصريين، وبموجب تلك الصفقة انتقلت اليها ملكية قنوات "أون" الفضائية ، وصحيفة اليوم السابع، وجريدة صوت الأمة، وشركة برزنتيشن سبورت وهي وكالة متخصصة تعمل في تسويق الحقوق الرياضة على المستوى المحلي، وشركة "سينرجي" للإنتاج السينمائي، وموقع دوت مصر، ومجلة عين ومجلة "إيجيبت توداي" تصدر باللغة الإنجليزية، وكذلك شركة "استادات" المملوكة لشركة "بريزنتيشن سبورت"، والتي استحوذت لاحقاً على نسبة 51 % من أسهم شركة "بريزنتيشن لايف" صاحبة الحقوق والعلامة لقناة النادي الأهلي. فضلاً عن حصة حاكمة في مجموعة قنوات سي بي سي والنهار وقناة الحياة وترددات راديو النيل وقناة نادي الزمالك.

وفي عام 2019 أعلنت الشركة المتحدة للخدمات التي أسستها السلطات المصرية حسب رويترز، الاستحواذ على مجموعة "دى ميديا" الإعلامية المالكة قنوات "دي إم سى"، وهي " دي إم سي العامة"، و "دي إم سي دراما".

3- إعلام خاص

والمقصود هنا المنابر الإعلامية المملوكة لرجال الأعمال، والتي لم تبعد كثيراً تمويلياً عن يد الدولة المصرية، فقناة المحور التي كان يمتلكها رجل الأعمال المصري حسن راتب صارت تحت سيطرة غير مباشرة من الدولة، إذ جرى بيع 50% منها في أذار/مارس الماضي، إلى عضو مجلس الشيوخ عن حزب مستقبل وطن – الموالي للسلطات – محمد منظور، حسب ما كشف الإعلامي الموالي للحكومة مصطفى بكري.

وهناك أيضاً قناة ten التي تعود ملكيتها حسب ما أشارت تقارير إلى المستشار الأمني لولي عهد أبو ظبي القيادي الفلسطيني محمد دحلان. ويتولى رئاستها وإدارتها الإعلاميان المصريان نشأت الديهي وعمرو عبد الحميد، وكلاهما موالٍ للنظام المصري.

رغم تراجع دور القاهرة الإعلامي إقليمياً بعد دخول عصر الفضائيات التي سحبت مركز الثقل لعواصم اخرى، إلا أنه بحكم الكثافة السكانية، ما زال الجمهور المصري هو المستهلك الأكبر للصحافة في العالم العربي، وشهدت خريطة "تمويل" الصحافة في مصر تحولات جذرية بعد تولي السيسي

أما صحيفة المصري اليوم، فالبرغم من إِشارة تقارير إعلامية وحديث الأوساط الصحافية عن تنازل مالكها صلاح دياب عن حصته لصالح جهاز المخابرات العامة، إلا أن محاميه نفى ما تردد بشأن بيع جريدة المصري اليوم إلى إحدى جهات الدولة.

وفي عام 2018 أعلن مالك قناة دريم أحمد بهجت دمج قناته بإحدى جهات الدولة، وقال في مداخلة هاتفية عبر قناة الحدث اليوم "واضح أن الدولة عندها توجه في الفترة ميبقاش في حاجة خارج السرب". بعدها لم تتواتر أي أنباء عن ملكية القناة للدولة أم عودتها إلى بهجت مرة أخرى.

4-إعلام مستقل

لا توجد في مصر قنوات تلفزيونية مستقلة، لكن توجد أربعة مواقع صحافية يمكن وصفها بالمستقلة او المعارضه، أبرزها موقع مدى مصر الذي تأسس في 30 حزيران/يونيو 2013، ويعرف نفسه على أنه موقع مستقل يسعى لإنتاج محتوى صحافي خلّاق وشجاع وجذاب، فيتلقى دعماً من منظمة " International media support" التي تعمل على دعم وسائل الإعلام المحلية في البلدان المتأثرة بالنزاع المسلح وانعدام الأمن البشري والتحول السياسي، وهي نفس الجهة التي تدعم موقع المنصة - المستقل والذي يقدم محتوى قريباً نسبياً من محتوى مدي مصر.

ثم يأتي موقع مصر 360 الذي يحمل صبغة معارضة، وحتى الآن غير معروفة جهة تمويله.

السعودية

الأمر في السعودية لا يختلف كثيراً عن مصر، مع بعض الاختلافات في ترتيب المشهد الخارجي. إذ يعد المستثمرون السعوديون الموالون للمملكة لاعبين رئيسيين في صناعة التلفزيون العربي. أما الصحف ووسائل الإعلام المحلية فتخضع لرقابة مشددة تتمثل في هيئة الإذاعة السعودية التي تمتلكها المملكة وتدير جميع منافذ البث المحلية تقريباً. ويترأس وزير الثقافة والإعلام الهيئة التي تشرف على الإذاعة والتلفزيون.

وتتبع الهيئة عدة قنوات حكومية ورسمية مثل قناة السعودية وقناة CBC وقناة الذكريات وقناة الإخبارية والقنوات الرياضية السعودية وقناة القرآن الكريم، وقناة السنة النبوية، ومن الإذاعات إذاعة القرآن الكريم، وإذاعة جدة، وإذاعة الرياض، وإذاعة نداء الإسلام، وإذاعة راديو السعودية، والإذاعات الدولية السعودية.

أما الإصدارات المطبوعة والمنصات الرقمية السعودية، فتنضوى غالبيتها تحت مظلة المجموعة العربية للأبحاث والنشر، وهي شركة مساهمة سعودية تأسست عام 1987 بدعم من الابن الثالث للملك سلمان أحمد بن سلمان بن عبد العزيز، ومقرها الرئيسي في العاصمة الرياض، وترتبط بوزارة الإعلام الحكومية، ويترأس مجلس إدارتها عبد الرحمن الرويتع.

يعد المستثمرون السعوديون الموالون للمملكة لاعبين رئيسيين في صناعة التلفزيون العربي. أما الصحف ووسائل الإعلام المحلية فتخضع لرقابة مشددة تتمثل في هيئة الإذاعة السعودية التي تمتلكها المملكة وتدير جميع منافذ البث المحلية تقريباً. ويترأس وزير الثقافة والإعلام الهيئة التي تشرف على الإذاعة والتلفزيون

وتحت هذه المجموعة تصدر عدة صحف ومنصات رقمية، أبرزها "الشرق الأوسط، الاقتصادية، الرياضية، سيدتي، الرجل، آراب نيوز". كما تضم المجموعة عدة شركات منها شركة الشرق للخدمات الإخبارية، المسؤولة عن انطلاق قناة الشرق بالاتفاق مع مؤسسة بلومبيرج الإعلامية الرائدة، ومقرها بالرياض.

وهناك مركز تلفزيون الشرق الأوسط المعرف اختصاراً بـ "MBC" وهي شركة تلفزة يمتلكها رجل الأعمال السعودي وليد الإبراهيم، مقرها الرئيسي في دبي، ويبث من خلالها جميع قنوات "إم بي سي" الترفيهية والموجهة إلى الدول العربية مثل مصر والعراق. وقناتي العربية والعربية الحدث وموقع شاهد.

وهنالك مجموعة قنوات روتانا ويملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال.

أما جرائد الرياض وعكاظ والجزيرة فتتبع دور نشر مختلفة وتترأسها شخصيات موالية للحكومة السعودية. بالإضافة إلى وكالة الأنباء السعودية الحكومية "واس" التي تتبع وزارة الإعلام، وموقع جريدة إيلاف الصادرة في لندن، ومرتبط بالدولة السعودية، ويعد طريق المسؤولين الإسرائيليين حينما يريدون الحديث مع الرياض، حسبما وصف صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

الإمارات

ننتقل إلى الإمارات فنجد أن المؤسسات الإعلامية ووسائل الأعلام بالدولة، بما فيها المناطق الحرة، ملتزمة التزاماً كاملاً الأنظمة التي تصدر عن المجلس الوطني للإعلام التابع لمجلس الوزراء وله الحق في مباشرة جميع الأعمال والتصرفات وإصدار الرخص وإلغائها نحو وسائل الإعلام التقليدية مثل أنشطة الصحافة، والمطبوعات والنشر، والبث المرئي والمسموع، والأفلام السينمائية والوسائل الالكترونية، ووسائط الإعلام الرقمية، والنشر الإلكتروني.

إحدى أبرز وسائل الإعلام في الدولة وكالة الأنباء "وام" وهي الوكالة الرسمية للدولة والتي تأسست في عام 1976 بقرار وزاري. وتلفزيون عجمان التابع للحكومة، وتلفزيون الشارقة التابع لهيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون الحكومية.

وهناك الشركة الدولية للاستثمارات الإعلامية التي تتبع شركة أبوظبي للاستثمار الإعلامي (أدمك)، وهي شركة استثمارية خاصة تملك عدداً من المشاريع الإعلامية، بما فيها صحيفة الرؤية الإماراتية، وكذلك الاستثمار المشترك مع شركة سكاي البريطانية، والذي أُطلِقت بموجبه قناة سكاي نيوز عربية، وذا ناشونال، الناطقة بالإنجليزية والصادرة من أبوظبي.

أضف إلى ذلك مؤسسة دبي للإعلام، وهي مؤسسة إعلامية مملوكة للدولة، موقعها في دبي، وتملك قنوات فضائية وصحفاً عدة منها البيان، والإمارات اليوم، تلفزيون دبي، دبي ون، دبي الرياضية، سما دبي، دبي الرياضية،  دبي زمان.

شركة أبو ظبي للإعلام هي إحدى الشركات الرائدة في الإمارات ، وتضم 23 منصة إعلامية، ويترأس إدارتها سلطان أحمد الجابر الموالي للحكومة الإماراتية، ومن أبرز إصدارتها المطبوعة صحيفة الاتحاد، ومجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية، وزهرة الخليج ومجلة ماجد.

أما القنوات التابعة لها فهي قنوات ناشونال جيوغرافيك ومجموعة قنوات أبوظبي الرياضية، وقناة أبوظبي دراما، وقناة أبوظبي العامة، وقناة الإمارات. كما تسيطر المجموعة على منصتين رقميتين هما قناة زايد الرقمية ومنصة محتوى، وعلى مجموعة من الإذاعات، أبرزها إذاعة القرآن الكريم، وإذاعة إمارات إف إم، وإذاعة أبوظبي.

وهناك أيضاً قناة الغد المملوكة لرجل الأعمال محمد دحلان والمحسوبة على دولة الإمارات، وتبث من القاهرة.

قطر

في قطر نجد أن شبكة قنوات الجزيرة رفعت من المكانة الإعلامية للدولة، على حد وصف تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، وتتبع شبكة الجزيرة الإعلامية التي تموّلها الحكومة القطرية مباشرة.

ومن هذه الشبكة تصدر عدة قنوات، أبرزها "الجزيرة الإخبارية، الجزيرة الوثائقية، الجزيرة مباشر مصر، الجزيرة تركيا، الجزيرة بلقان، الجزيرة أمريكا، مركز الجزيرة للدراسات". ومنصة ميدان التي أطلقتها شبكة الجزيرة في 17 كانون الثاني/يناير 2017.

بالإضافة إلى ذلك، هناك صحف الوطن والشرق والعرب، وجميعها صحف خاصة موالية للحكومة، وتلفزيون قطر الذي تديره الدولة مع وكالة الأنباء القطرية، وإذاعة قطر للإعلام أيضاً.

الإعلام العربي في تركيا

تحتضن العاصمة التركية أنقرة عدة مواقع صحافية مثل ساسة بوست، عربي21، وقنوات مثل الشرق، ومكملين.

فريق العاملين والمحتوى المقدم يغلب عليه خطاب الإخوان المسلمين ومفرداتهم، ومن الجلي أنه برغم وجود تلك المنصات والقنوات على أراضي تركية إلا أن التمويل بالأساس قطري. ولم يوجد خلاف بين بلد الاستضافة وبلد التمويل حيال أغلب القضايا الاقليمية.

ورغم أن التمويل قطري، ظل الصوت التركي حاكماً نهائياً بفعل الاستضافة، وهو ما ظهر جلياً مؤخراً في القرار التركي الملزم لتلك القنوات بإيقاف برامجها التي تتناول الشأن المصري بالسلب، وذلك في إطار سياسة أردوغان الجديدة بالتهدئة مع القاهرة.

في نظرة سريعة على المشهد الاعلامي العربي، نجد أن "الدولة" حاضرة ومهيمنة بقوة على الإنفاق  الإعلامي عبر أجهزتها الرسمية بشكل مباشر أو عبر رجال أعمال لا يعدون كونهم واجهة لها، ومن نجا من ذلك الفخ لم يجد أمامه سوى تلقي تمويل من جهات مانحة أمريكية/ أوروبية، ليجد نفسه مجبراً على تقديم خطاب يرضى عنه المانحون

لبنان

في لبنان، يختلف الأمر بعض الشيء عن الدول العربية، إذ يسيطر القطاع الخاص على جميع أجهزة التلفزيون والراديو، حسب بي بي سي.

فهناك تلفزيون المستقبل مملوك لعائلة الحريري الممثل عن التيار السني، وعلى النقيض قناة المنار الموالية لحزب الله الشيعي، وقناة "MTV" المملوكة لعائلة المر وهي إحدى أهم القنوات التابعة للأحزاب المسيحية، وقناة "إن بي إن" المملوكة لحركة أمل الشيعية.

بالإضافة إلى الوكالة الوطنية للإعلام وراديو لبنان وهما تحت إدارة الدولة.

وهنالك المؤسسة اللبنانية للإرسال لصاحبها بيار الضاهر، وهي تأسست من قبل حزب القوات اللبنانية في عام 1985. ودخلت في شراكة مع الأمير السعودي الوليد بن طلال، وسرعان ما دب الخلاف بين الأمير السعودي ومالك القناة في عام 2012، وتطور الأمر إلى دعاوى قضائية وصلت في نهاية المطاف إلى إصدار القضاء الفرنسي حكماً قضى بدفع مستحقات مطلوبة لصالح المؤسسة اللبنانية.

وتوجد أيضاً صحيفة النهار، وتترأس مجلس إدارتها نايلة تويني، المعروفة بتأييدها لسعد الحريري، وهي ابنة الصحافي الراحل جبران تويني المعروف بمعاداته للوصاية السورية على لبنان. وتقول الجريدة عبر موقعها الرسمي إنها تنتهج الخط السياسي الليبرالي.

كذلك هناك جريدة الأخبار وهي من الصحف المعارضة، وبالرغم من نشرها مقالات مدافعة عن النسوية والمثليين وقضايا اليسار تدعم بإخلاص حزب الله.

محض عبث

في نظرة سريعة على المشهد الاعلامي العربي، نجد أن "الدولة" حاضرة ومهيمنة بقوة على الإنفاق  الإعلامي عبر أجهزتها الرسمية بشكل مباشر أو عبر رجال أعمال لا يعدون كونهم واجهة لها، ومن نجا من ذلك الفخ لم يجد أمامه سوى تلقي تمويل من جهات مانحة أمريكية/ أوروبية، ليجد نفسه مجبراً على تقديم خطاب يرضى عنه المانحون.

وفي ظل ذلك عجز أهل المهنة عن إيجاد مصادر تمويل ذاتية لمنصاتهم، واستمرار العوز المالي لمن ينفق على منتجهم، يصبح الحديث عن استقلالية الإعلام وولائه للقارئ محض عبث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard