تغزل في البشرة الخمرية واستساغة للألوان الفاقعة… مصر و"الانفتاح الشعبي" على القارة السمراء

الخميس 10 يونيو 202105:50 م

كانت أمنية في عمر يسرا تقريباً (25 عاماً) عندما أخبرها طبيبها السوداني عام 2018 أن لا أمل في رحلة علاج حبالها الصوتية بالخرطوم، ومن ثم عليها الذهاب إلى مصر.

وقتها كانت يسرا، المعيدة في قسم الفلسفة بالجامعة الأمريكية في القاهرة، تتهيأ لمغادرة بيتها بمحافظة الجيزة جنوب القاهرة إلى كينيا ضمن رحلات استكشافية فردية، اعتادت القيام بها داخل مصر وخارجها.

"لم أكن أرغب في العيش غريبة وسط مجتمع مصري".

أخذت أمنية بنصيحة الطبيب، وبدأت في إعداد مقتنياتها التي ستحملها معها، بعدما انتهت من استكمال جميع الأوراق. تروي لرصيف22: "استثنيت كل ما يخص هويتي الأفريقية، لم أكن أرغب في العيش غريبة وسط مجتمع مصري يخلو نسبياً من الحالة الأفريقية".

يسرا (25 عاماً) مسؤولة عن جمعية الحفاظ على التراث، وسافرت إلى كينيا

على العكس، كانت يسرا التي حملت من كينيا كل ما يرمز للقارة السمراء، فعبأت حقائبها بفساتين مزركشة وقطع حلي تداوم على ارتدائها حتى اليوم.

أربعة أعوام قضتها أمنية بين القاهرة وضاحية السادس من أكتوبر الجديدة (32 كم غرب العاصمة) محاولة التشبه بالمصريات، هيئةً ولهجة، في وقت كانت تبتعد يسرا شيئاً فشيئاً عن الزي اليومي للمصريات، مكتفية بثوب بدوي مرة وفرعوني أو أفريقي مرة أخرى.

"جمعت كل أغراضي للسفر إلى القاهرة، واستثنيت كل ما يخص هويتي الأفريقية، لم أكن أرغب في العيش غريبة وسط المجتمع المصري الذي يخلو نسبياً من الحالة الأفريقية"

تناقض تجربتي الفتاتين السودانية والمصرية يجسد بعض المفاهيم عن مسألة الزي بالنسبة للمصريات. وكما المجتمع المصري فاقد لميزة الزي التقليدي، ومن ثم وجدت الموضة الغربية الفرصة للسيطرة، فهو كذلك فاقد تقبل ثقافة "الغير" أو الآخر، الأمر الذي يبرر صعوبة استساغة المصريين للذوق الأفريقي. لهذا كانت كلمات التنمر ونظرات الاستغراب تتتبع كل من يرتدي زيّ بلاده الرسمي في شوارع القاهرة، وتحديداً الجنوبيون منهم، مثل سكان النوبة.

يسرا المسؤولة كذلك عن لجنة الشباب بجمعية "المحافظة على التراث المصري" تجسد رد فعل مضاداً من داخل المصريين أنفسهم على هذه السلوكيات، إذ تمردت شريحة، وتحديداً ممن يُعرفون بحب التراث على ما أسمته يسرا بـ"الضيق الفكري"، فبدأوا التعاطي مع الثقافات المختلفة المتعلقة بتاريخ المصريين، واقتناء أشياء منها، فأتاحت الفرصة للذوق السيناوي والفرعوني وحديثاً الأفريقي.

ريهام خالد (29 عاماً) إحدى المعجبات بتجربة "جنوبي"

رسومات على الأزياء الغربية

كغيرها من الجنوبيين/ات الذين/ اللاتي تضطرهم/ن مغريات الشمال لترك جذورهم، ولدت وعاشت مصممة الغرافيك النوبية ندى الحلفاوي (29 عاماً) في القاهرة، ولأن قلب النوبي ما زال ينبض بقصص الأرض المهجورة (تقع أقصى الجنوب المصري وتدعى النوبة، تركها أهلها بناء على طلب الدولة في الستينيات لبناء السد العالي)، عاشت الحلفاوي بقلب مغرم بحكاوي الأجداد، فقررت أن تستوحي منهم حاضرها، فكان "جنوبي".

عقب ممر يسلمك إلى آخر لينقلك إلى ممر ثالث بإحدى بنايات حي الدقي الراقي، استأجرت ندى غرفة متواضعة، قبل ثلاثة أعوام، غطتها بطلاء أبيض، وزودتها بثلاث مرايا ولمبات، ساعدتها على إخفاء ضيق المكان.

لا أرفف ولا طرقات، فقط بضع "استاندات" تملأ فضاء الغرفة الضيق، علقت ندى عليها معروضاتها التي تصممها بشغف العاشق لثقافات الجنوب، فتغرف منها، وتوزع على قطع قماش بيضاء، فتخرج الواحدة منها زاهية تحاكي نقوش وألوان القارة السمراء.

أنغام أشرف (25 عاماً) واحدة من المهوسات بـ"جنوبي". تقول لرصيف22: "أبرز ما يلفت الانتباه هو المزيج الذي يصنعه بين الثقافة النوبية والأفريقية على تصميمات غربية، فبدلًا من اقتصار هذه الثقافة على الزي الأفريقي والنوبي المتراوح بين الجلباب والفستان، أصبحت الرسومات توضع على الجينزات والسراويل الغربية المنشأ".

وترى أنغام أن مثل ذلك ساعد على نجاح فكرة المشروع، "فلم يمنعني اقتناء هذه القطع مثلًا من مواكبة الزي العصري من جينز وغيره".

ريهام خالد (29 عاماً) بدورها ذهبت إلى نقطة أخرى، معتقدة في مساعدة "جنوبي" لبعض المصريين على تجاوز نقطة التنمر من الزي الأفريقي إلى تقبله، وشرحت: "اعتياد رؤية هذه التصميمات وألوانها الفاقعة قد يساهم في استساغتها".

وتتابع ريهام المنحدرة من قرية أسوانية مجاورة لقرى النوبة: "بحكم انتمائي للجنوب، فهذه الثقافة تحتاج بالفعل للتعرف عليها"، ناصحة "جنوبي" بإرفاق القطع المعروضة بشروح مختصرة لدلالات الرسومات، "عل ذلك يضمن توصيل الثقافة بفاعلية أكثر، ويضمن عدم تحولها لمجرد ترند مؤقت".

"الترند" مفيد أحياناً

رغم تخوف ريهام من "ثقافة الترند" التي تشير إلى الاهتمام المؤقت السطحي، فثمة تعديلات دخلت على زي المصريين/ات خلال السنوات الأخيرة وكانت انطلاقاتها مجرد "ترند".

في البداية كانت سيناء، التي زاد انفتاح المصريين على ثقافتها بعد انخفاض أسعار الرحلات السياحية إليها، وكساد حركة السياحة عقب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011.

انعكس ذلك سريعاً على زي النساء تحديداً، إذ أظهرن إعجاباً بالذوق البدوي التقليدي والمشغولات السيناوية، وبدا ذلك وكأنه موضة وستنتهي إلا إنه ما زال مطلوباً وله جمهوره حتى الآن.

"جنوبي"، إحدى التجارب المميزة في الترويج للأزياء النوبية في القاهرة

غرباً، على بعد 741.11 كم من القاهرة تستقر واحة سيوة منذ آلاف السنين، ولأن المسافة بين النقطتين تستغرق قيادة لأكثر من ثماني ساعات، ظلت الواحة غامضة على سكان العاصمة، إلى أن عُرض في رمضان 2017 مسلسل "واحة الغروب" المأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للأديب المصري بهاء طاهر، وتدور أحداثها في الواحة عقب الثورة العرابية 1882.

تحولت سيوة منذ بث الحلقات الأولى للمسلسل إلى"ترند"، تُرجم سريعاً في أفواج سياحية منطلقة من جميع المحافظات، تستهدف التعرف على ثقافة الواحة، ولأن هذا الاهتمام كان مفاجئاً، فمتوقع أن يكون تراجعه مفاجئاً أيضاً، إلا أن ما حدث عكس ذلك، إذ ظلت الأفواج تتردد حتى اليوم على سيوة.

"كنا نعيش غرباء مجهولين ثم تحولت إلينا كل الأضواء".

أميرة إحدى النسوة السيويات اللاتي شهدن النقلة التي حدثت لواحتهن، تقول بسعادة: "كنا نعيش غرباء مجهولين ثم تحولت إلينا كل الأضواء".

وتتابع لرصيف22، وهي التي تعمل بمهنة الخياطة منذ عمر المراهقة: "عرفت المهنة في عمر الخامسة عشرة، وظللت منذ ذلك الحين أفصّل لنسوة الواحة ملابسهن إلى أن جاءتنا الوفود السياحية، فبت أدخل اللمسات العصرية على الزي السيوي ليواكب أذواق نسوة المدن".

وتوضح أميرة أن الإقبال على الثقافة السيوية "زي ومشغولات" ما زال قائماً رغم مرور أربع سنوات على عرض المسلسل، مؤكدة أن الطلب عليها في ازدياد.

آلاء، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة، وهي في غانا

عقب تنامي رغبات التعرف على الثقافة المصرية شرقاً وغرباً، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي ملامح للميل نحو الجنوب.

بدأ ذلك مع "موضة" التغزل المستمرة حتى اليوم في جمال الفنانات الخمريات، أمثال حنان مطاوع، وروبي، وأسماء أبو اليزيد، اللاتي أصبحن "ترند" يعكس محاولات نخبوية للاعتزاز بالذات، وبحقيقة الاختلاف بين الجمال المصري الأفريقي والمعايير العالمية للجمال.

هذا الترند تناغم مع "موضة الرستا"، التي تجد رواجاً بين أبناء الطبقات الغنية تحديداً في فصل الصيف، والرستا هي تسريحات يجدل فيها الشعر كله في ضفائر لتلائم طبيعة الشعر الأفريقي المجعد، ويعد انتشار هذه التسريحات في مصر لافتاً، إذ يشير إلى تحول ما يحدث للنظرة الفوقية التي اعتادها المصريون حيال الشعر الأفريقي .

كل ذلك تزامن مع موجات التحرر وتعزيز الاختلاف التي شاعت عقب عام 2011، فكان التعبير عن الرغبة في السفر إلى أفريقيا ضمن مظاهر هذا الاختلاف، في وقت كان الشرق وأوروبا في عداد خيارات المصريين المثلى لدى السفر.

الإقامة في غانا

آلاء محمد (29 عاماً) من اللواتي خضن تجربة السفر إلى دولة أفريقية. تقول عن العام الذي قضته في غانا: "كان الأكثر أمناً وأهمية في حياتي".

وتضيف: "وصلت غانا في 2016 خارجة من مصر مشوهة من نظرة المجتمع للنساء، وتشكيكهن في ذاتهن، إلى أن أقمت في غانا حيث مُنحت مساحتي، وفرصتي للتعرف على ذاتي، وعلى مساحتي الشخصية".

تدين آلاء، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة، لغانا بفرصة عمرها كما تقول، مؤكدة أن ذهابها إلى هناك لم يكن مصادفة أو حظاً. وتتابع: "قبل السفر كنت أبحث عن مجتمع مسالم أحرز تقدماً على مستوى احترام النساء ومواجهة التحرش، لم تكن وجهتي إلى أوروبا أو إلى العالم الأول بشكل عام، بل بحثت في عالم غائب عنا في أفريقيا، إلى أن تحمست لغانا".

"قبل سفري، كنت خارجة مشوَّهة من نظرة المجتمع إلى المرأة، كنت أبحث عن مجتمع مسالم أحرز تقدماً، وليس من العالم الأول بشكل عام، فاتجهت إلى غانا"

وتعتقد آلاء أن التحمس للتعرف على القارة السمراء يقتصر فقط على جزء من شريحة الشباب، وليس المجتمع كله بشكل عام، مشيرة إلى أن هذه الشريحة في اتساع بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، وشهادات المدونين الذين ينقلون تجارب سفرهم إلى أفريقيا.

ولفتت إلى أن هذه التجارب غنية بتفاصيل وعوالم لم نكن نعرفها كمصريين عن أفريقيا، الأمر الذي شجع العديد على خوض التجربة "للإقامة في مجتمعات اكتشفنا بعد العيش فيها أنها حققت تقدماً أكثر منا على مستوى تقبل الغير واحترام النساء".

عزة (40 عاماً) السودانية التي قدمت إلى القاهرة بفتاتيها لإجراء عملية جراحية بعين صغيرتها، عبّرت عن سعادتها بما اسمته "أفرقة" للشباب المصري، قائلة: "حتى لو هذه المظاهر لا تتعدى كونها موضة أو فورات مؤقتة فقد تضمن بالتراكم انفتاحاً شعبياً مصرياً على القارة الأفريقية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard