اعتراضات في العراق على نصب تمثال للمنصور... قصة باني الدولة العباسية الذي يكرهه الشيعة

الأربعاء 9 يونيو 202111:19 ص

شهد العراق في الأيام الماضية جدلاً مذهبياً سنّياً-شيعياً حول تمثال الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور (ت. 158هـ). هذا التمثال البرونزي صنعه في سبعينيات القرن العشرين الفنان والنحات العراقي خالد الرحال، قبل أن يتم تفجيره عام 2004، عقب الغزو الأميركي للعراق، فلم يبقَ منه إلا الرأس.

ومؤخراً، نُصب رأس التمثال في منطقة المنصور المجاورة لحي الكرخ العريق، أحد الأحياء التاريخية في العاصمة بغداد، فثار جدل واسع حول هذه الخطوة، وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجات غاضبة من جانب الشيعة العراقيين الذين دعوا إلى إزالته، بدعوى أن هذا الخليفة لم يكن إلا سفاحاً، غاصباً للسلطة، كما أنه المسؤول الأول عن قتل الإمام السادس لدي الشيعة الاثني عشرية جعفر الصادق.

باني بغداد والمؤسس الحقيقي للدولة العباسية

عام 95هـ، وُلد في منطقة الحُميمة في جنوب الأردن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، والذي سيشتهر في المصادر التاريخية في ما بعد بكنيته أبي جعفر وبلقبه المنصور.

أبو جعفر، المولود لأم أمازيغية، سيشهد إلقاء البذور الأولى للثورة العباسية على يد أبيه محمد بن علي، وسيعاصر انتشار تلك الثورة في أقاليم خراسان وبلاد فارس في عهد أخيه الأكبر إبراهيم بن محمد، والذي سيشتهر باسم إبراهيم الإمام.

وعام 131هـ، ومع اندلاع الثورة، سينجح الأمويون في التعرف على القائد السري للحركة، وسيقبضون على إبراهيم الإمام، ما نقل قيادتها إلى أخيه الأصغر عبد الله بن محمد، المعروف بالسفاح، دوناً عن الأخ الأوسط أبي جعفر، وذلك بحسب وصية إبراهيم الذي اعتقد أن السفاح المولود من أم عربية أجدر بالزعامة والإمامة من أبي جعفر المولود من جارية أمازيغية.

انتهت الدولة الأموية عام 132هـ، بعد مقتل الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد في صعيد مصر، وبويع السفاح في المسجد الجامع في الكوفة ليصبح أول خلفاء دولة بني العباس. عندها، تولى أبو جعفر حكم ولايتي أرمينية وأذربيجان، وصار الساعد الأيمن لأخيه الخليفة.

الأحداث السياسية ستتطور بسرعة بعد ذلك. سيقضي السفاح نحبه عام 136هـ، ليخلفه أبو جعفر، وسط معارضة من بعض مراكز القوى في البيت العباسي.

أول المصاعب التي واجهها المنصور تحققت عندما رفض عمّه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس مبايعته، وجيّش العسكر ضده في بلاد الشام، فأرسل الخليفة الجديد عندها بالقائد أبي مسلم الخرساني وهزم عمّه وأجبره على الهروب، ثم قبض عليه وحبسه في سجنه حتى مات فيه، حسبما يذكر ابن كثير الدمشقي (ت. 774هـ)، في كتابه "البداية والنهاية".

وعام 137هـ، تمكن المنصور من إزاحة أهم القوى التي تعترض طريقه نحو الاستبداد بالسلطة المطلقة، عندما قتل أبي مسلم الخراساني، لما شعر بازدياد قوته وخاف من خروجه عليه.

بضعة أعوام بعد ذلك، وبالتحديد عام 145هـ، تمكن أبو جعفر من القضاء على أهم الثورات العلوية ضد حكمه، بعدما خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى المعروف بـ"النفس الزكية" في المدينة المنورة، وأخيه إبراهيم بن عبد الله في البصرة. نجح المنصور من القضاء على الحركتين في وقت مبكر قُبيل استفحال خطرهما على حكمه.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، ولما كان المنصور قد تولى الخلافة بعد فترة طويلة من الفوضى الضاربة في شتى أنحاء الدولة، بسبب الصراع بين العباسيين والأمويين، شيّد الكثير من الحصون على الحدود بين الدولة العباسية والإمبراطورية البيزنطية، وبنى مرعش والمُصيصة كما بنى مدينة الرافقة عام 155هـ على الفرات وشحنها بالجند لتكون مركزاً عسكرياً مهماً له في حالة الحرب.

في السياق نفسه، تمكن الخليفة العباسي الثاني من استعادة مدينة ملطية، وحصّنها وأعاد بناء أسوارها وعقد معاهدة عام 139هـ مع الإمبراطور البيزنطي قسطنطين، وبموجبها توقفت الغارات بين القوتين حتى عام 146هـ.

أحد أهم المنجزات الحضارية العمرانية التي تمت في عهد المنصور، قيامه ببناء مدينة السلام، والتي اشتهرت تحت اسم بغداد، على الضفة الغربية لنهر دجلة، واستغرق العمل على تشييدها أربع سنوات كاملة، وانتهى سنة 149هـ، وسرعان ما تحوّل المنصور إليها لتصبح العاصمة الجديدة للخلافة العباسية.

من جهة أخرى، عُرف المنصور باهتمامه بالعلم والترجمة، فهو مؤسس بيت الحكمة في بغداد، وهي المؤسسة التي ستزدهر في عهد الخليفة العباسي عبد الله المأمون، كما قيل إن المنصور أرسل ليطلب الكثير من الكتب اليونانية في الطب والحساب والهندسة والفلك من إمبراطور الروم، وأمر بترجمتها إلى اللغة العربية، بحسب الدكتور صالح أحمد العلي في كتابه "معالم بغداد".

سلطان الله في الأرض الذي اضطهد الفقهاء

يحظى أبو جعفر المنصور بمكانة مهمة في العقل السنّي الجمعي، بسبب جهوده في العمل على تثبيت دعائم الدولة العباسية من جهة، والقضاء على الكثير من الثورات التي اندلعت في عهده من جهة أخرى.

أهل السنّة الذين شاع بينهم الاعتقاد بالجملة الشهيرة "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، رأوا في المنصور خليفةً قوياً، قادراً على حفظ الأمن في بلاد الإسلام، لذلك ضربوا صفحاً عما عُرف به من سفك للدماء وبطش بالأعداء.

عندما نُصب رأس تمثال أبي جعفر المنصور في منطقة المنصور المجاورة لحي الكرخ العريق، في العاصمة بغداد، ثار جدل واسع، وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجات غاضبة من جانب الشيعة العراقيين... فمن أين يأتي هذا الكره للمنصور؟

في كتابه "سير أعلام النبلاء"، عبّر شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ) عن رأي أهل السنّة في المنصور، فقال عنه: "أباد جماعة كباراً حتى توطد له الملك، ودانت له الأمم على ظلم فيه وقوة نفس، ولكنه يرجع إلى صحة إسلام وتدين في الجملة، وتصون وصلاة وخير، مع فصاحة وبلاغة وجلالة...".

مما يعبّر أيضاً عن اعتبارية المنصور في الثقافة السنّية، أن الكثير من أقواله وجدت طريقها إلى النظرية السياسية السنّية التي تعلي من مقام الخلافة وتربطه بالمقام الإلهي، ومن ذلك قوله الشهير "أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وأنا خازنه على فيئه أعمل بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه قد جعلني الله عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني وإذا شاء أن يقفلني أقفلني..."، بحسب ما ورد في تاريخ الطبري.

في السياق نفسه، احتفت المدونات السنّية، ولا سيما كتب الآداب السلطانية، بقول المنصور المؤكِّد على أهمية طاعة ولي الأمر: "أيها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا في ظلمة الباطل بعد سعيكم في ضياء الحق".

رغم ذلك، كانت سيرة المنصور ومواقفه مع علماء أهل السنّة والجماعة في عصره بالمصادمات العنيفة، في وقت تؤكد فيه المصادر على صداقة المنصور للعالم المعتزلي عمرو بن عبيد (ت. 144هـ).

على سبيل المثال، تؤكد المصادر التاريخية أن إمام الكوفة أبا حنيفة النعمان (ت. 150هـ) كَرِه حكم المنصور، وأيد الثورات العلوية التي اشتعلت ضده في الحجاز والعراق، إذ يذكر ابن عنبة، في كتابه "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب"، أن أبا حنيفة ساند ثورة محمد النفس الزكية بالمال، ولما قُتل، أرسل برسالة تأييد إلى أخيه إبراهيم بن عبد الله، قال فيها: "إني جهزت إليك أربعة آلاف درهم، ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك".

وذكر محمد أبو زهرة ذكر في كتابه "أبو حنيفة: حياته وعصره وآراؤه الفقهية"، خبر معارضة "الإمام الأعظم" لما قام به المنصور من سفك دماء أهل الموصل لما خرجوا عليه ونقضوا بيعتهم. ومما يؤكد على العداء المستحكم بين الرجلين أن المنصور لما دعا أبا حنيفة لولاية القضاء في الأيام الأخيرة من حياته، رفض الفقيه العراقي وأصر على رفضه رغم إلحاح الخليفة، الأمر الذي عرّضه للحبس والضرب والإهانة.

وكان الإمام مالك بن أنس الأصبحي (ت. 179هـ) أيضاً من بين الفقهاء الذين كرهوا حكم المنصور، إذ اشتهر أمر دعمه المستتر لثورة النفس الزكية، وفي ذلك أفتى بعدم وقوع طلاق المكره، وكان قصده من تلك الفتوى إسقاط البيعة التي أعطاها الناس للمنصور، لكونهم بايعوه مكرهين.

بعد فشل ثورة النفس الزكية، عرف المنصور ما في فتوى طلاق المكره من خطر مباشر على سلطته، فبعث إلى الإمام مالك وأمره بترك تلك الفتوى، ثم دس له في مجلسه مَن يسأله عنها، فلما قال مالك بالفتوى مرة أخرى، استدعاه المنصور وضربه وجلده حتى انخلعت كتفه من شدة الضرب، حسبما يذكر الطبري في تاريخه.

رغم كل ما سبق، أكّدت المصادر السنّية على تحسن العلاقة بين المنصور ومالك، إذ يذكر الطبري أن الخليفة العباسي استدعى فقيه المدينة ذات يوم بعد أن قرأ كتابه الموطأ، وأعجب كثيراً بما ورد فيه من أحاديث للرسول، وقال له "إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها -يعني الموطأ- فتُنْسَخُ نُسَخًا، ثم أبعث إلى كل مِصْرٍ من أمْصَار المسلمين منها بنسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها لا يتعدونه إلى غيره..."، ولكن مالك اعتذر ورفض العرض وقال إنه من الأفضل أن يبقى أهل كل مصر على ما عندهم من أحاديث وعلم.

مغتصب الخلافة وقاتل جعفر الصادق

لما كان الشيعة الإمامية الاثني عشرية يعتقدون بتعاقب 12 رجلاً على منصب الإمامة، بدءاً من الإمام الأول، علي بن أبي طالب، ونهايةً بالإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر، محمد بن الحسن العسكري، وأن هؤلاء الأئمة جرى تنصيبهم من قبل الله عز وجل وحده، فإنهم نظروا بشكل سلبي إلى جميع الخلفاء الذين عاصروا الأئمة، واعتبروهم مغتصبين للسلطة الشرعية، وخارجين عن تعاليم الشريعة وحدود الدين القويم.

نظر الشيعة بشكل سلبي إلى جميع الخلفاء الذين عاصروا الأئمة، واعتبروهم مغتصبين للسلطة الشرعية، ولذلك رفضوا خلافة أبي جعفر، ورفضوا تلقيبه بالمنصور، وعوضاً عن ذلك لقّبوه بالدوانيقي، وهو لقب غريب نوعاً ما، وقيل إن أبا جعفر لُقّب به لبخله الشديد

بموجب هذه النظرة، رفض الشيعة خلافة أبي جعفر، ورفضوا تلقيبه بالمنصور، وعوضاً عن ذلك لقّبوه بالدوانيقي، وهو لقب غريب نوعاً ما، وقيل إن أبا جعفر لُقّب به لبخله الشديد، إذ يذكر ابن منظور (ت. 711هـ) في كتابه "لسان العرب" أن الدوانيقي هو "مَن استقصَى في الحساب والمعاملة".

في السياق نفسه، تتفق المصادر الشيعية على وصف أبي جعفر بالعديد من الأوصاف السلبية الكريهة، وعلى كونه مجرماً فاسقاً ارتكب الموبقات والكبائر في سبيل الحفاظ على ملكه ودولته. وفي ذلك يذكر اليعقوبي في تاريخه: "كان المنصور خدّاعاً لا يتردّد في سفك الدماء وكان سادراً في بطشه مستهتراً في فتكه". وتواتر في المصادر الشيعية أن المنصور قتل ما يقرب من ألف رجل من العلويين وأتباعهم، وأنه وضع رؤوسهم في خزانة مخصوصة تركها لابنه محمد المهدي من بعده. كما شبهه الكثير من الشيعة بفرعون موسى.

وعملت المصادر الشيعية، بشتى الطرق، على إظهار تفوّق الإمام السادس جعفر الصادق على المنصور، وحاولت أن تثبت معرفة الصادق بوصول أبي جعفر للسلطة منذ وقت مبكر جداً، الأمر الذي يتضح في ما ذكرته الروايات الشيعية من أن اجتماعاً مهماً بين زعماء الفصائل السياسية المعارضة للأمويين انعقد في قرية الإبواء القريبة من المدينة المنورة، عام 127هـ، وحضره الإمام العباسي إبراهيم بن محمد، وأخواه أبو العباس وأبو جعفر، كما شارك فيه عبد الله بن الحسن المثنى وجعفر الصادق كممثلين عن التيار العلوي، وتشاور الجميع حول الطرق المُثلى لإسقاط السلطة الأموية. ويذكر كل من أبي الفرج الأصفهاني في كتابه "مقاتل الطالبيين"، والشيخ المفيد في كتابه "الإرشاد إلى معرفة حجج الله على العباد"، أن الحاضرين في هذا الاجتماع اتفقوا على زعامة محمد النفس الزكية لتيار المعارضة الهاشمي، ولكن الإمام جعفر الصادق، عارض ذلك، ورفض أن يقبل بإمامة النفس الزكية، بل وأخبر الجميع أن العباسيين هم الذين سيصلون إلى السلطة، وأن أبا جعفر المنصور هو الذي سيعتلي كرسي الخلافة.

واهتمت المصادر الشيعية بذكر تفاصيل الصراع والتنافس بين المنصور والصادق، وأكدت على أن الأول جنّد مجموعة من الفقهاء التابعين للخلافة -ومنهم أبو حنيفة النعمان- في سبيل إحراج الصادق والحط من قيمته وعلمه أمام العامة. من تلك الروايات ما ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" على لسان النعمان، من أن المنصور استدعاه إلى الحيرة، وقال له "يا أبا حنيفة، إن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ له مسائلك الصعاب"، وتُستكمل الرواية بأن الصادق نجح في الإجابة على جميع الأسئلة التي عرضها النعمان عليه، فأقر الفقيه الكوفي بعلمه الغزير، بينما استبد بالمنصور الحسد والحقد.

بحسب الرأي الشائع في الأوساط الشيعية الإمامية، دفع التنافس الحاد بين الرجلين بالخليفة العباسي للعمل على اغتيال الصادق. وفي ذلك يذكر الحافظ جمال الدين المزي (ت. 742هـ) في كتابه "تهذيب الكمال"، نقلاً عن بعض أعوان المنصور، أن الأخير توعد الإمام العلوي مراراً، وكان دائماً ما يقول "إنّ جعفر بن محمّد يلحد في سلطاني، قتلني الله إن لم أقتله".

ويذكر محمد باقر المجلسي (ت. 1111هـ)، في كتابه "بحار الأنوار"، أن المنصور وضع العديد من الخطط لقتل الصادق، ولكن في كل مرة كانت تظهر له رؤيا معيّنة تمنعه وتصرفه عن عزمه، حتى استقر في النهاية على تسميمه، ونجح في مسعاه عام 148هـ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard