غوته واحتراف فنّ العيش: "لا تنسَ أن تعيش" أم "لا تنسَ أنك تعيش"؟

الخميس 17 يونيو 202110:00 ص

كما أن التأويلية هي فنّ الفهم، والظاهراتية الوجودية فنّ البحث عن معنى تجربة العالم المعيش، كذلك هي الفلسفة فنّ طرح السؤال وليس محبة الحكمة فحسب. ويمعن الفيلسوف الفرنسي بيير آدو (1922-2010)، في اعتبار الفلسفة طريقة حياة، بوضع هذه العبارة عنواناً لإحدى دراساته.

وفي كتابه: "لا تنسَ أن تعيش - غوته وتقليد التمارين الروحية"، يؤكد أن الفنّ الإنساني ليس سوى حالة خاصة من فنّ الطبيعة. وأن الحياة الفلسفية، علاوة على تمثلها في الكلمة، فإنها تتجسد في الفعل، وفيما هو مشترك إنساني. 

حين قرأت عنوان الكتاب (ترجمة وليد السويركي، الأهلية، 2020)، حضرت كلمات محمود درويش في إنشاده: "وأنت في طريقك للبحث عن حياة، لا تنسَ أن تعيش". ربما استلهم الفكرة من الحياة نفسها أو من غوته، كما تأثر هذا الأخير بفلسفات سابقيه، لا سيما الإغريقية بوجهيها: القدري المبتهج مع الرواقية، والمغالي منها في التفكير بالموت، ليأتي رده عليها مفكراً بالحياة؛ وتأثر أيضاً بالثقافة الإسلامية، فيذكر آدو أن غوته كان يردد في غير مكان من كتاباته: "نحيا ونموت على الإسلام".

قصة العنوان

أبقى مع العنوان، وارتباكي أمام عبارة وردت في الجزء الفرعي منه، وهي "التمارين الروحية". لم يطل بي المكوث لأتبيّن المعنى المقصود، يوضحه المؤلف في التمهيد بأن هذا الوصف لا يتضمن إيحاء دينياً، بل يخصّ الخيال والإرادة وأفعال الذهن، بغية تكوين الذات من طريق تعديل الإنسان رؤيته للعالم.

على ذلك، قسم دراسته وفق عناوين أربعة، تتناول "اللحظة الحاضرة"، "النظرة من علٍ" وتفسير قصيدة "الكلمات الأصلية"، انتهاءً بتبيان أوجه القرابة بين غوته ونيتشه تحت عنوان "قول نعم للحياة والعالم".

بتأثير من غوته، اكتشف الفيلسوف الفرنسي بيير آدو مدى أهمية عبارته المدرجة في رواية "سنوات التعلم"، فاتخذها عنواناً، إذ وجدها تلخّص مضمون الكتاب كما أنها شعار غوته الأثير، وهو: "لا تنسَ أن تعيش"

الافتتان بالحياة والوجود لدى غوته، يجعله يركّز في كتاباته على عيش المرء بقوة كل لحظة من لحظات وجوده، بغير أن يقع رهينة لثقل الماضي أو فريسة لأوهام المستقبل. بالإمكان التعبير بصيغة أخرى أنه يريد الوجود- هنا والآن. أما التمرين الروحي الآخر فيتجلى في اتخاذ مسافة من الأشياء والأحداث ورؤيتها في منظور كلي وشامل، ليتسع أفق التفكير بالابتعاد عن وجهة النظر الفردية. ليتبقى الموقف الجوهري لفهم المصير الإنساني المتمثل في "الرجاء"، بحسب تحليل بيير آدو.

من الطرافة والعمق في مكان، ذكر قصة وضع الكاتب للعنوان. فقد كان يشعر بأنه آخذ في الشيخوخة في أثناء وضع دراسته هذه، فاستحوذت عليه فكرة الموت، أو المقولة التي رفعها كل من المسيحيين والرومنطيقيين والأفلاطونيين: "لا تنسَ الموت" (Memento mori). غير أنه، بتأثير من غوته، اكتشف مدى أهمية عبارته المدرجة في رواية "سنوات التعلم"، فاتخذها عنواناً، إذ وجدها تلخّص مضمون الكتاب كما أنها شعار غوته الأثير، وهو: "لا تنسَ أن تعيش" (Memento vivere).

نعم للحياة والعالم وللصيرورة المرعبة

تحت عنوان "قول نعم للحياة والعالم"، يظهر فرح غوته بالوجود-هنا، وهو شعور مباشر يكاد يكون لاواعياً، بغير تعليل أو بحث عن الفهم، وأعظم منه الفرح المحايث بالوجود الخالص، غير المنفصل عن الواقع، أياً كانت ظروفه. ويستند آدو إلى ما قاله غوته: "ما نفع كل هذا الفيض من شموس وكواكب [...] إذا لم يبتهج، في نهاية المطاف، إنسان سعيد واحد ابتهاجاً لاشعورياً بوجوده الخاص". وفي رسالة إلى صديقه شيلر يقول: "المتعة والفرح والاتحاد بالأشياء، هذا هو الواقع الوحيد، وهو كل ما ينتج واقعاً...".

الكائن في مفهوم غوته خلق وهدم، ولكي يكون، عليه أن يقبل بأن يتغير ويموت. يفصح عن تصوره هذا فيما يأتي: "أليست العواصف الهائجة والفيضانات وأمطار النار... والموت في العناصر جميعها، شواهد حقيقية جداً على أبدية الحياة في الطبيعة بقدر ما هي الشمس التي تشرق بديعة فوق الكروم؟ إن ما نراه من الطبيعة قوة تلتهم قوة؛ فلا شيء يظل حاضراً، كل شيء يعبر، ألف بذرة تُسحق في كل لحظة[..]؛ فتشبّث بالكينونة مبتهجاً".

يؤكد كذلك على أهمية تجاوز الفردية الذاتية، ويفسر آدو مفهوم الرجاء لدى غوته في قصيدتي "واحد وكل" و"الكلمات الأصلية"، بأنه قوة في الروح تمكنها من العثور على رؤية جديدة، وإيجاد نفسها عبر ضياعها في الكل الأكبر. بمعنى آخر "الشعور الأوقيانوسي/ المحيطي".

ثنائية الولادة والموت وجهان للحياة البشرية في ديمومتها. وإن كان سؤال الموت محركاً للتفكر الفلسفي والقلق الوجودي، فإن البحث عن معنى الحياة، أو عن إمكان وجود هذا المعنى، يحضر في كل تصور للوجود

هذا التصور قد يحيلنا إلى بعض طرق المتصوفة ونشوة الحلولية والذوبان أو الاتحاد الأسمى. إنما غموض الوجود يجعله عصياً على التعبير عن نفسه باللغة، فيطلب غوته اللجوء إلى الرسم عوض الكلام، تماماً كما تفعل الطبيعة؛ فكل شيء فيها "إمضاءات" مثقلة بالمعنى.

غوته ونيتشه والإسلام

الجانب المنتشي في الروح الإغريقية، والمتمثل بالديونيزية لدى غوته، يبشّر بقدوم نيتشه من حيث بعض المفاهيم، كالآتي: الكينونة بوصفها خلقاً وهدماً، والتجاوز للفردية، وحسّ الغموض، والحدس باللذة، والتعاطف الحلولي في الفرح والألم، وقبول الجوانب الأفظع في الحياة... توجز جميعها في "حب القدر" عند نيتشه، كما يرى آدو.

ويلمح في هذه الشذرة صدى لأفكار غوته: "كل ما هو ضروري، إذا ما نُظر إليه من علٍ ومن منظور بنية كلية واسعة، هو أيضاً النافع في حد ذاته، ولا ينبغي فقط أن نحتمله، بل أن نحبه..." ويوضّح نيتشه أنه يدين بفلسفته لمرضه الطويل.

حب الحياة لدى غوته ونيتشه، بكل ما تنطوي عليه من ألم وفظاعة، مستلهم من الفلسفة الرواقية. لكن ثمة اختلافات يلحظها الكاتب؛ إذ ليست قدرية غوته المبتهجة مستلهمة من الرواقية فحسب، بل من الإسلام أيضاً. يتبدى ذلك في "الديوان الغربي-الشرقي"، حيث ينشد: "إذا كان الإسلام يعني 'التسليم لله'، فإننا جميعاً نحيا ونموت على الإسلام". إنما الإله-العناية الذي يتماهى مع الطبيعة ومحايث للكل الأكبر عند غوته، ليس مثل الله "إلهاً شخصياً" في الإسلام، كما يعبّر صاحب الكتاب.

يبقى السؤال الأبرز عن موقع الفنّ ضمن مفهوم الرضا بالقدر. فإذا كان قبول العالم عند الرواقيين ذا طبيعة أخلاقية خالصة، فإن الخيار الأخلاقي لدى غوته ونيتشه يفترض نشاطاً جمالياً (ما يستبعده الإسلام). في الفنّ وعبره، يستطيع الإنسان أن يقول نعم للحياة. فإلى جانب الحقيقة المنطقية ثمة حقيقة جمالية، بحيث تتجلّى مهمة الفنّ في جعل الإنسان يسمو على ذاته.

ما بعد خلاصة آدو

ما يكترث به الكاتب في خلاصته هو إبراز بُعدَي التجربة الإنسانية، الكوني والجمالي. لكنه يبقى مشككاً في مدى قبوله تصور الرضا لدى كل من غوته ونيتشه. فهو، وإن قبل بموقف الافتتان بالعالم والوجود، يطرح السؤال –كما قد تطرحه مجموعة واسعة من القراء- عن إمكان التسليم بالمعاناة التي تصيب الإنسانية والجزء الأكبر من البشر. ويتساءل عن مدى استطاعته السكوت عن التعصّب ونتائج الاستسلام لشهوات السلطة والثراء وغياب الضمير المدمرة!

قدرية غوته المبتهجة ليست مستلهمة من الرواقية فحسب، بل من الإسلام أيضاً. يتبدى ذلك في "الديوان الغربي-الشرقي"، حيث ينشد: "إذا كان الإسلام يعني 'التسليم لله'، فإننا جميعاً نحيا ونموت على الإسلام"

وربطاً بما جاء في مقدمة هذا المقال، لجهة مهمّة الفلسفة، يخلص آدو بما يشبه رسالة يوجّهها للمثقفين، في أن الفعل الذي يخدم الآخرين هو جزء من الحياة الفلسفية. وهي لا تتمثّل حصراً في الكلام والكتابة بل في الفعل الاجتماعي. فلا يعيش المثقف في فقاعة مثل الأنيسان (Homunculus)، وهو شخصية مخترعة بحِيَل الخيمياء، في مسرحية فاوست- الجزء الثاني.

هذا الأنيسان، وإن كان لا يستطيع العيش إلا في قارورة، فإنه سعى للانعتاق لكي يحيا في جسد؛ فيكسر الزجاجة، غير أنه يجد نفسه بحالة جديدة في حضن الطبيعة، ذائباً في العنصر المائي (الكل/ مفهوم التحول والحلولية بالمنظور الرواقي).

وهكذا ينبغي للفيلسوف التماهي مع هذه الشخصية من طريق التناغم مع الكل. فأن تحيا معناه أن تمارس الفعل في الحاضر (الحين)، ألا تنس مهمتك اليومية، وبكلمة واحدة: واجبك، وألا تنس الحياة الحاضرة استعداداً لحدث آتٍ (الموت).

ثنائية الولادة والموت وجهان للحياة البشرية في ديمومتها. وإن كان سؤال الموت محركاً للتفكر الفلسفي والقلق الوجودي، فإن البحث عن معنى الحياة، أو عن إمكان وجود هذا المعنى، يحضر في كل تصور للوجود. وأرى أن مقولة "تذكر الموت" لا تتناقض مع مقولة "تذكر أن تعيش" في أحد تأويلاتها؛ فأن نتذكر المصير الحتمي المرسوم لنا بالموت (بوصفنا كائنات تتجه صوب الموت وفق هيدغر) قد يشكل دافعاً قوياً لطلب الحياة والإغراق في العيش بكليتنا، وليس العكس.

ذلك يبقى رهناً لطريقة نظرتنا للعالم ليس إلا. وظاهرة أننا نعيش ليست بمنأى عن طرح السؤال عن الكيفية، وهو جوهر رؤية غوته: كيف نعيش؛ نعيش بسعادة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard