فرضيات روائية عن الموت بين النعمة واللعنة

الاثنين 22 فبراير 202104:00 م

يستمر الموت حضوراً وتجسيداً عبر الفنون في السنوات الأخيرة بكثرة، سواء في المنطقة بسبب النزاعات والحروب والعذيب، أو بسبب الآثار المميتة لجائحة كوفيد-19. لذلك، ربما الفرضية الميتافيزيقية التي يعالجها الروائي خوسيه ساراماغو في واحدة من رواياته الأخيرة، تداعب المخيلة الجمعية اليوم، فمثلما افترض الروائي، في رواية "العمى"، أن يصبح العمى وباء ينتقل باللمس، فإنه في رواية "انقطاعات الموت" يفترض بلاداً حيث يتوقف الموت عن حصد الأرواح مدة سبعة أشهر.

مع بداية اليوم الأول من العام لم يمت أحد، بهذه الفرضية تفتتح الرواية: "في اليوم الأول، لم يمت أحد، ولأن الحدث مخالف بالمطلق لأعراف الحياة، فقد أحدث ارتباكاً هائلاً في النفوس، وهذا تأثير مسوغ بكل المعايير، إذ يكفي أنه لا وجود في مجلدات التاريخ الكوني الأربعين لخبر واحد، ولو عن حالة واحدة، بأن ظاهرة مشابهة قد وقعت ذات مرة، وأن يوماً كاملاً قد انقضى، بساعاته الـ 24 كلها، دون أن تحدث وفاة واحدة بمرض، أو سقطة قاتلة، أو انتحار مكتمل حتى النهاية، لا شيء من هذا حدث سابقاً".

الانعكاسات الوجودية للخلود

يبرع ساراماغو في تطوير الفرضيات الميتافيزيقية داخل أعماله الروائية، فحتى أولئك المرضى الموجودون في غرف العناية الفائقة والمتوقع موتهم بين اللحظة والأخرى، لم يفارق أحد منهم الحياة ذلك اليوم الأول من السنة الجديدة، وأجريت الاتصالات مع المستشفيات، مع الصليب الأحمر، مع مستودعات الجثث، وكالات الدفن ومراكز الشرطة جميعها للتحقق من صحة الخبر.

وسرعان ما نشرت الصحف، الإذاعة والتلفاز هذه الخبرية، ويتم اللجوء إلى الاختصاصيين في الظواهر الطبيعة الخارقة لتفسير الأمر، ونشأت حركة مواطنين مقتنعين قناعة راسخة بأنه يمكن قهر الموت بعمل إرادي بسيط، واعتبروا أن الموت في الماضي كان يحدث بفعل ضعف معيب في إرادة الأجيال السابقة: "تشكلت قناعة أن حلم الإنسانية الأعظم منذ بدء الأزمنة، أي التمتع السعيد بحياة أبدية على الأرض قد أصبح محتملاً".

"الفلسفة تحتاج إلى الموت بقدر حاجتها إلى الأديان، وإذا كنا نتفلسف فلأننا نعرف أننا سنموت"، أو كما قال أحدهم: "إن التفلسف هو تعلّم الموت"

الموت موضوعة الفلسفة

وأخيراً، يعلن رئيس الحكومة ببيان رسمي بأنه لم تسجل حالة وفاة واحدة في كل أنحاء البلاد، منذ بدء السنة الجديدة. وانتهى الوزير الأول إلى تأكيد أن الحكومة مهيأة لكل الاحتمالات التي يمكن تخيلها بشرياً، ومصممة على أن تواجه بشجاعة، وبمساعدة المواطنين الضرورية، المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية المعقدة، التي ستنشأ دون ريب، عن انقطاع الموت بصورة نهائية. 

وهتف بنبرة حادة: سنتقبل تحدي خلود الجسد. ومن هنا تبدأ الفرضية الخرافية التي تبدو وكأنها نعمة "غياب الموت"، لتكشف عن المشكلات والأزمات التي تنتج عن استمرارية الخلود. أول من يقف ضد الحالة الجديدة هي السلطة الكنسية، يصيح الكاردينال غاضباً: "من دون الموت لا وجود للانبعاث، ومن دون الانبعاث لا وجود للكنيسة. الكنيسة معتادة على الإجابات السرمدية".

وتمر في ذهن الكاردينال إمكانية موته، كي يقهر الخلود ويحقق استمرار الكنيسة، ويكاد أن يتوسل إلى الرب أن يميته. وكذلك الأمر مع الفلاسفة، الذين انقسموا بين متشائمين ومتفائلين، والذين اصطدموا بمبرّر وجودهم: "الفلسفة تحتاج إلى الموت بقدر حاجتها إلى الأديان، وإذا كنا نتفلسف فلأننا نعرف أننا سنموت"، أو كما قال أحدهم: "إن التفلسف هو تعلّم الموت".

الآثار الاجتماعية والاقتصادية للخلود

مع انقطاع الموت تتضرر قطاعات مهنية بأكملها، القطاع المهني الأقدم في التاريخ، دفن الجثث، يتأزم، وتغص المستشفيات بالمرضى ذوي الحالات الحرجة لكن غير القابلين للموت، وتتساءل العائلات: "ما الذي سنفعله بالمسنين، إذا لم يعد الموت موجوداً ليقطع عليهم ولعهم المفرط بالحياة المديدة". وصار من السخيف، أو من الغباء، مواصلة دفع أقساط تأمين مرتفعة جداً لشركات لم تعد تنفع.

"لم يعد الموت كرنفالاً يستحق إعلان النفوذ. قليل من الورد، معزّون قلائل يتثاءبون في صالة شبه فارغة لمدة ساعتين، مقرئ يتلو سوراً قليلة من القرآن بصوت منخفض، وينتهي كل شيء"

كل ذلك، يؤدي إلى تزايد مفرط في الضغط السكاني الديموغرافي. وهكذا تنشأ شبكات لتهريب المرضى المصابين بالأمراض المزمنة إلى خارج بلاد الخلود، ليرتاحوا من المعاناة المستمرة مع الخلود في المرض. هذا الطلب على الموت يؤسس لظهور منظمة سرية باسم مافيا، تتوسع شبكاتها لتتفوق على الإدارة الحكومية، عملها الأساس هو توفير الموت لأولئك الراغبين فيه، وكذلك من المشكلات المرتبطة بغياب الموت هو بقاء الحكام في السلطة، سواء كانت ملكية أو استبدادية، إلى الأبد.

تحت عنوان "الخلود بحسب ساراماغو"، كتب الناقد عمار الشقيري: "خلال الأشهر القليلة التي يتوقف فيها الموت في الرواية تبلى الأجساد، يتذمر الجميع من الحياة. ويطفو على السطح مفهوم الخلود الذي أصبح مبتذلاً بعدما نزع عنه ساراماغو، بروح ساخرة، الصورة المثالية التي كرستها البشرية في الأذهان، وحاولت عبر التاريخ السعي إليها، ليرتفع النداء أخيراً: يجب أن نموت لتستمر الحياة".

وبعد 7 أشهر من انقطاع الموت، يعود الموت لمباشرة عمله من جديد مع تعديل طفيف على وظيفته، إذ صار يقوم بتنبيه الناس قبل أسبوع من دنوّ آجالهم، بعد أن طالبوا هم أنفسهم برجوعه. تالياً في الرواية يحضر الموت كشخصية أنثوية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن كلمة موت morte، بلغة المؤلف مؤنثة، كما أن التقاليد الشعبية تقدم الموت على هيئة هيكل عظمي لامرأة تحمل منجلاً طويل الذراع، ولهذا يعمد المترجم صالح علماني، لاستخدام كلمة "المنية" العربية المؤنثة، والتي تحمل المعنى ذاته.

الموت على هيئة شخصية أنثوية

نتابع حكاية شخصية "المنية"، وهي تعمل، كما وعدت سابقاً، على إرسال رسائل إلى المقبلين للموت قبل فترة لتنبيههم، وتكتشف "المنية" أن عازفاً لآلة الفيلونسيل كان يجب أن يموت قبل سنتين، بينما هو ما يزال على قيد الحياة، وكما هي روايات ساراماغو الأخرى، التي تتضمن دوماً مفهوم الرحلة، فإن شخصية "المنية" تبدأ في رحلة البحث عن عازف الفليونسيل، لمعرفة السبب وراء استمراره سنتين زائدتين على قيد الحياة.

كيف يتلقى القارئ  العربي رواية تحتفي بالموت، وتعتبر مديحاً ؟

وفي نهاية رحلة البحث عن عازف الفيولونسيل، تصل شخصية "المنية" إلى منزله، وحالما تدخل عالمه الموسيقي، تستمتع إلى المقطوعات وتقرأ النوتات الموسيقية، وخصوصاً السويت السادسة من العمل 1012 ري ما جور، لجوهان سيباستيان باخ، فإنها تقع في حب العازف، وتستلقي إلى جانبه في السرير. هذه الخاتمة تجعل من الرواية التي تعتبر في مديح الموت، تجعلها في الوقت نفسه، في مديح الموسيقى بقوة أيضاً.

وضعت مجلة لاكروا الفرنسية الرواية في سياق أحس فيه ساراماغو بدنو أجله، وهي بمثابة مدح أدبي للموت، وبضرورة تقبله واعتباره حدثاً طبيعياً في حياة الإنسان. رغم الجانب الجاد والحزين أحيانا لموضوع الرواية، إلا أن ساراماغو أغنى النص بسخريته المعهودة والحادة، وبالعديد من التساؤلات المرحة المتعلقة ببعض المواقف التي يخلقها غياب الموت من المجتمع. لكن للمتلقي العربي تجربة مريرة مع الموت، فالموت مفروض عليه قسراً، حرباً وقمعاً، ويبقى السؤال: كيف يتلقى القارئ العربي رواية تحتفي بالموت، وتعتبر مديحاً في حضوره؟

الموت في بلاد الموت

برز الموت بقوة مؤخراً كموضوعة في الفن السوري، وتعتبر رواية "الموت عمل شاق" للسوري خالد خليفة، عملاً نموذجياً لدراسة رؤية المنطقة للموت، وذلك للحبكة التي تنطلق منها الرواية. هي حكاية محاولة دفن أب فارق الحياة ويسعى أفراد عائلته لنقله عبر الجغرافيا السورية للوصول إلى المدفن الذي اختاره، لتصبح رحلة الدفن هذه بمثابة محاولة لتعريف القارئ بصعوبات الموت والتغيرات التي طالت طقوسه في الفترة الماضية، حيث القتلى في كل مكان، يدفنون في مقابر جماعية دون تدقيق في هوياتهم.

ومراسم العزاء، حتى بالنسبة للعائلات الغنية، اختصرت إلى ساعات قليلة، يروي السارد: "لم يعد الموت كرنفالاً يستحق إعلان النفوذ. قليل من الورد، معزون قلائل يتثاءبون في صالة شبه فارغة لمدة ساعتين، مقرئ يتلو سوراً قليلة من القرآن بصوت منخفض، وينتهي كل شيء".

الموت كخلاص

عبارات مثل التي يقولها أفراد الطاقم الطبي لأبناء المتوفي، تعبّر عن شكل صور الموت: "يموت الكثيرون كل يوم، يجب أن تكونوا سعداء لأنه وصل إلى الشيخوخة". في هذا البلاد يصبح الموت عملاً شاقاً، فللمرة الأولى تساوى الجميع في الموت، لم تعد المراسم تعني شيئاً، الفقراء والأغنياء، الضباط الكبار والجنود الفقراء في الجيش النظامي، قادة الكتائب المسلحة والمقاتلون والموتى العابرون ومجهولو الهوية، يدفنون بمواكب هزيلة تثير الشفقة: "لم يعد الموت فعلاً يستدعي الانفعال، بل أصبح خلاصاً يثير حسد الأحياء".

مصير جثث الموتى المتكاثرة

يحضر الموت إلى درجة قياسه بأرقام الضحايا لكل فرد في المجتمع، في أحد مشاهد الرواية، يخبر الابنُ سائقَ سيارة الأجرة بموت والده بشكل طبيعي منذ ساعة في المشفى، يضحك السائق ويخبره أن ثلاثة من إخوته وأولادهم ماتوا الشهر الماضي في القصف. وحين يتكاثر الموت تحضر حكايات الجثث: "بعد قلق وتردد يجرؤ ابن الميت على دخول المشرحة، في الممرات وجوه قاتمة وحزينة لرجال ونساء ينتظرون تسلم جثث أحبتهم، أشار عليه ممرض ليبحث في الجانب الجنوبي من المشرحة.

كاد يصاب بالتقيؤ وهو يفتح الصناديق المكتظة، وأخيراً وجد جثة أبيه النضرة بعد فقده الأمل، مئات الجثث تشيع في هذه الفوضى، وتُنسى. دفع 3 آلاف ليرة لمسؤول المشرحة، مقابل سماحه لممرض بمساعدته في تغسيله وتكفينه في حمام الموتى القذر الذي لم يعتد يكترث أحد بنظافته".

برز الموت بقوة مؤخراً كموضوعة في الفن السوري، وتعتبر رواية "الموت عمل شاق" للسوري خالد خليفة، عملاً نموذجياً لدراسة رؤية المنطقة للموت، وذلك للحبكة التي تنطلق منها الرواية

طقوس العزاء في بلد الفقدان

تتطرق الرواية أيضاً للطقوس المتعلقة بالموت، فيقارن السارد بين مرور جنازة أيام السلم وكيف كانت يثير تعاطف الجميع، فتفسح لها السيارات الطريق، والمارة يتوقفون وفي عيونهم تعاطف حقيقي، لكن في الحرب، مرور جنازة حدث عادي لا يثير أي شيء سوى حسد الأحياء الذين تحولت حياتهم إلى انتظار مؤلم للموت. لقد انقلب القول المأثور بأن "الحي أبقى من الميت"، ليصبح اليوم مختلفاً حيث الميت هو الأبقى من الحي. لأن الأحياء يعانون من كابوس ثقيل حقيقي يشعر الجميع بوطأته، فسكان المدينة ينظر بعضهم إلى بعض كموتى مقبلين. لم يعد باستطاعة أحد الهروب من الموت، إنه طوفان رهيب يحيط بالجميع.

الصورة الأخيرة للموت والصورة الأولى للولادة

في الرواية، تحسد عائلة المتوفي نفسها، بأن الأب مات موتة طبيعية، بينما يضطر الأهالي، بعد إبلاغهم بموت أقربائهم، للذهاب إلى أرض المعركة والبحث عن جثثهم التي دفنت في قبر جماعي، أو ضاعت وسط ركام الأبنية المدمرة وحديد هياكل الدبابات والمدافع المحترقة، يفكر الابن "بلبل" بجثة والده: "سيدفن في الوقت المناسب، لن تتفسخ الجثة في هذا الشتاء البارد، من حسن حظهم أنه لم يمت في شهر آب حين ينهش الذباب الأموات. الموت واحد في كل الأوقات، إلا أنه عبء ثقيل على الأحياء أحياناً.

فرق كبير بين رجل عجوز يموت في قريته بين أحبته قريباً من المقبرة، وآخر يموت بعيداً عنها مئات الكيلومترات. شقاء الأحياء يختلف عن شقاء الأموات، لا أحد يحب مصير التفسخ لمن يحبه، يريد صورته في الموت أكثر جمالاً، إنها الصورة الأخيرة التي لا يمكن محوها من الذاكرة، هي تعبير عن خلاصة البشر، غالباً تشبه الصورة الأخيرة صورة الولادة الأولى".

"لم يعد الموت فعلاً يستدعي الانفعال، بل أصبح خلاصاً يثير حسد الأحياء"

التباين الذي يصل حدّ التناقض في تناول العملين الأدبيين للموت، يوضح لنا إلى أية درجة يتنوع حضور الموت في الأدب، بين رواية ساراماغو التي تعتبر مديحاً في دور الموت ووظيفته في الحياة الإنسانية، وبين رواية السوري خالد خليفة الذي يسم الموت بالعمل الشاق، في هذه الأوضاع التي تعيشها البلاد. في الرواية الأولى الموت هو نعمة، وفي الثانية ليس الموت وحده النقمة، بل أيضاً مصير الجثة وطقوس الدفن.

كلا العملين الفنيين نجحا في تحقيق الفكرة التي صممها المؤلفان لتحقيق الغاية المرجوّة منهما، وهي تطرّق الأدب، وبالتالي العقل، لمعالجة موضوع على هذه الدرجة من الحساسية، ويصعب التأمل فيها للفكر الإنساني، فيلجأ إلى الفنون لتحقيق ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard