حين يتحول المرئي إلى عثرة في درب الناظر

الثلاثاء 16 فبراير 202112:35 م

تمّ اختراع الزجاج منذ وقت طويل، صنعت منه الأواني والكؤوس وأدوات الزينة، لكن ليس التماثيل، وذلك لهشاشته الكبيرة رغم ديمومته، فيما يعتقد أنه يجدر بالتماثيل أن تكون أكثر صلابة، كذلك لنفس السبب الذي يجعلنا لا نتخذ من "الزجاج" شعاراً لحياتنا، لأنه شفّاف، لا يخفي شيئاً، يكشف سرائرنا ويفضح نوايانا.

رغم أن الصناعة لاحقاً لعبت به، ومزجته، أضافت إليه بلورات أخرى وألواناً، جعلته أصلب وأقتم، لكنه "زجاج"، والذين يقرأون بكثرة يعرفون الحكمة القائلة: إذا كان بيتك من زجاج، لا تضاجع زوجتك في الصالون.

والزجاج أيضاً هو المادة التي سمحت بالدخول إلى الحداثة المعمارية والفلسفية ربما، إذ كفّ الفنانون عن تلوين جدران الجص ونوافذ الكاتدرائيات، وبدأوا ببناء هياكل عملاقة زجاجية، تسمح بدخول النور الإلهي إلى معابد الرب، لكنها أيضاً صنعت تغييراً عميقاً في المجتمع، أضعف انسجامه مع "كنهه" واتصاله بالخارج.

 إذا غيّرنا مدخل القرآن و"لخبطنا" ترتيبه المتعارف عليه، هل نستطيع أن "ندخله" من جديد، هل سيكون هو نفسه؟ أم أنه على شاكلة الزجاج المغطى بالفضّة، سيعكس صورة مقلوبة، بحيث تصبح الملائكة شياطين والشياطين ملائكة؟

موقع الشفافية هنا يتراوح بين إمكانية الرؤية وانكشاف المرئي، بين الظهور كموضوع للنظر وتكوين الهيكل المجسم للجسد، وتتضمن في كلمتها اللاتينية transparence معنى العبور من A إلى B، وربما C، حسب جودة الحاجز الزجاجي الذي يبعث فيه الصانع من قتامة روحه، ورغم استحالة وجود شفافية مطلقة، كما يعلّمنا علم الجزيئات، إلا أن ذلك ممكن في النفس البشرية، اعتماداً هذه المرة على "صنعة" الرب في سبائكه.

للعبور في الشفافية يلزم بداية ونهاية ورحلة بينهما، المدخل اسم مكان غير مرئي، مكان ميت يمنحه العابر روحاً بعبوره، أو بمحاولته العبور، والملائكة كائنات نورانية شفافة أي لا روح لها، لا باطن، ولا مدخل، وهذا يستتبع عدم وجود مخرج أيضاً، أنت تدخل في الشفافية بدون أمل في الخروج هذا إذا صحّ أنك دخلت، في الحقيقة أنت لا تدخل. أنت تعبر من حيث لا مدخل وتخرج من حيث لا مخرج.

ذكر مصطلح الأجسام الشفّافة في أعمال ابن الهيثم، عالم الرياضيات والفيزيائي في القرون الوسطى، من خلال اعتقاده أن الضوء أصل كل شيء، وأن توسيع المدّ البصري للإنسان مشفوعاً بعمقه الإيماني يجعله يرى ما لا يُرى، يجعله يرى الشفافية والكائنات الشفافة أيضاً، ومنها الأحلام، الملائكة والرب أيضاً، ولهذا يعادي الفقهاء الفيزيائيين، لكنه بحث آخر.

المدخل يتفعّل بإرادة الداخل، هو لا يملك قراراً خاصاً به بالسماح أو الامتناع، هو مجرد فاصل زمني نسبي يسهل تخطيه، عندما تقرر أن تفتح باب البيت، غطاء علبة الفاصولياء أو ثقب في جدار البنك الذي تنوي أن تسرقه.

لا يمكن أن تكون ملاكاً أو تعبر حالة الشفافية المطلقة في الأرواح، سحابات البخار النورانية. لأنك لا تمتص الضوء حينها ولا تعكسه، ولا يتعيّن لك مدخلاً حينها.

الذين يقرأون بكثرة يعرفون الحكمة القائلة: إذا كان بيتك من زجاج، لا تضاجع زوجتك في الصالون

القرآن يبتدأ بالفاتحة التي هي مدخله، بالتعريف هي المكان الذي يبتدأ منه الكتاب، كالإهداء مثلاً، أو الصفحة البيضاء الأولى، إما إذا لم تفتح الكتاب فلا مدخل له، مجرّد حالة سديمية لا تمنح ذاتها أو تعطيك "معنى"، كذلك الشفافية المزعومة تلك، كيف تدخلها وأنت تعيّن مدخلها بنفسك، دون أن يكون لها مدخلاً خاصاً، بعيداً عنك، مستقلاً ويملك مفتاحه، الله مثلاً أو أنبياؤه؟

أيضاً الشفافية عكس اسمها، مغلقة، تراقب عاملات الجنس اللواتي يرقصن خلف ألواح زجاجية، تظنها شفافة لكنها ليست كذلك، إذ إنك ترى فقط ما تسمح لك به أن ترى شركة الزجاج الصانعة والمؤسسة المشغّلة للنساء، أنت لا تستطيع أن تعبر هذه الشفافية، ولا تستطيع أن تعيّن لها مدخلاً، حتى بتحطيم الزجاج، لن تحصل على المشهد أبداً.

سيبقى السرّ النفعي مغلقاً في وجهك، إذ ثمة علاقة كثيفة بين السرّية والنفعية، رغم أن البشر، والسياسيين بالطبع، يحاججون بالدفاع عن "الشفافية" كأنها منفعة عامة، لكن السرية والإعتام هما عماد المجتمعات والاقتصاد، الشفافية محدودة بين المدخل والمخرج وما بينهما، بينما الإعتام لا نهائي وبسيط.

الممثلون في التلفزيون، الأصدقاء خلف شاشات الكومبيوتر، اللوحات خلف زجاجها في المتاحف، صور المتزوجين حديثاً، الجواهر والملابس الثمينة خلف واجهات عرضها، كلها موجودة في حيّز فيزيائي مدرك اسمه الشفافية، لكنك لا تصله، ولا تتلمسه، تدرك وجوده بحاسة وحيدة، يلزم تفكيكها للتيقن من وجوده فعلاً، وفي هذه الحالة، من وجودك أنت أيضاً، بالنسبة له.

لا يخاف الله من ملائكته، لا يخشى تكرار حادثة العصيان بعدم السجود، إذ لا تمتلك الملائكة كثافة ولا عمقاً، هم حالات غامضة من النور، الرطوبة، الشفافية، حتى أنهم لا يمتلكون الغضب إذ لا يغضب الشفّاف، لا تتملكه مشاعر الحسد أو الغيرة، لذلك تلتزم الملائكة بالإخبار فحسب، تستطيع أن تتكلم لا أن تحرّك الموجودات، تنقل الرسائل الصوتية لا الورقية. أقرب تشبيه لها هو الاتصال التلفوني من جهاز قديم، تسمع صوتاً ولا ترى وجهاً أو تشمّ رائحة.

لا يخاف الله من ملائكته، لا يخشى تكرار حادثة العصيان بعدم السجود، إذ لا تمتلك الملائكة كثافة ولا عمقاً، هم حالات غامضة من النور، الرطوبة، الشفافية، حتى أنهم لا يمتلكون الغضب إذ لا يغضب الشفّاف

المخارج مختلفة بعض الشيء، بأنها أكثر التماعاً، توحي بأنها خلاص ولا تمتلك خاصية المراوغة، أنت تختار نقطة الدخول لكن الخروج هو من يختارك، وما بين المدخل المتحفّظ والنهاية البرّاقة، حسب سماكة الشفافية التي تعبرها أو المسافة بين A وB، تكتشف الداخل، العمق، القصة والمغزى والحكمة من كل ذلك. لكن المفاجأة أنك لا تعرف "العمق" إلى أي الطرفين ينتمي، إلى المدخل أو إلى المخرج؟

لدي صديقة لا تقرأ الكتب من مقدمتها، تفتح الكتاب على هوى سماكته، من المنتصف، الربع، الثلث، وتبدأ القراءة، وبعد وصولها إلى نتيجة ما، معنى معين، يتغيّر بحسب ذائقتها ومزاجها، تغلق الكتاب وتكف عن قراءته، أو إذا لم تصل لرضاها الشخصي، تنهي الكتاب ثم تعود للبداية. هي ترفض أن يعين حتى الكاتب مدخلاً إجبارياً لها، هي تصنع مدخلها الخاص، وتنهي كتابه/كتابها بطريقتها، لا نستطيع هنا أن نقول إن القراءة أو رحلة القراءة تنتمي لأي منهما، للبداية المعينة من الكاتب أو للنهاية المعينة من قبل قارئته.

هذا الدخول في الكتاب، في الشفافية التي تتضمنها قصة تمنح نفسها لقارئ ما، لا يتمّ استنفاد موارده، يحتوي آلاف المداخل إلى داخله، ومن المفترض أن ينتهي بنهاية وحيدة، إلا أن التوقف عن القراءة بعد الوصول لنتائج خاصة، يمنع هذه الاحتمالية، يُميتها، يمنحها آلاف الاحتمالات أيضاً.

إذا عيّنا فاتحة أخرى للقرآن ونهاية أخرى، أي مدخلاً ومخرجاً آخرين، هل سيكون هو نفسه؟ إذا غيّرنا مدخله و"لخبطنا" ترتيبه المتعارف عليه، هل نستطيع أن "ندخله" من جديد، أم أنه على شاكلة الزجاج المغطى بالفضّة، سيعكس صورة مقلوبة، بحيث تصبح الملائكة شياطين والشياطين ملائكة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard