نام جنرالاً واستفاق برتبة جندي!... قصة مدير المخابرات الداخلية "بوعزة واسيني" سابقة في تاريخ الجزائر وعبرة للضبّاط كلهم

الاثنين 7 يونيو 202105:35 م

لا تزال الأيام في الجزائر حبلى بأخبار المحاكمات المدنية والعسكرية التي تكشف جزءاً من الحقائق المخفية للمخاض العسير الذي عاشته الجزائر في المرحلة الانتقالية، التي تلت سقوط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فبعد تبرئة ساحة المتهمين في قضية التآمر على سلطتي الجيش والدولة، وأبرزهم قائدا جهاز المخابرات السابقان محمد مدين المدعو "توفيق"، واللواء "عثمان طرطاق"، وشقيق الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، وزعيمة حزب العمال لويزة حنون، توالت الأحكام، الواحد تلو الآخر، لتكمل ما تبقى من تركة ثقيلة لواحدة من أصعب الفترات التي مرت فيها الجزائر.

لكن الصادم حقاً، كان قرار تنزيل رتبة واسيني بوعزة الجنرال القوي الذي شغل منصب مدير الأمن الداخلي، من رتبة عميد إلى رتبة جندي، في سابقة تاريخية هي الأولى من نوعها في تاريخ الجزائر، ما خلق حالة من الجدل، وبعثر فوضى الأسئلة في ذهن الجزائريين: لأي سبب؟ كيف تم ذلك؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات، حيث تقف الجزائر عند مفترق طرق حاسم، قبل أيام قليلة من تنظيم الانتخابات النيابية في 12 حزيران/ يونيو الحالي، وهي انتخابات تراهن عليها السلطات لحل معضلة الفراغ الدستوري الذي تشهده البلاد، بعد إقدام الرئيس عبد المجيد تبون على حل البرلمان.

من هو واسيني بوعزة؟

تخرّج بوعزة من المدرسة التطبيقية للهندسة في بجاية سنة 1983، برتبة ملازم، وبتقدير جيد، إذ كان الأول على دفعته. ومنذ ذلك الحين تدرّج الرجل في الرتب والمهام في سلاح الدفاع الجوي عن الإقليم.

ويُعد الرجل واحداً من كوادر الجيش، ويملك طموحاً غير محدود، وقد واصل الارتقاء في سلم الرتب من دون أخطاء. وفي العام 2018، استُدعي ليشغل منصب المدير المركزي بالنيابة للمنشآت العسكرية، خلفاً للواء عبد الحميد بوهيدل، الذي كان يعاني من المرض، وتوفي بعدها.

نقطة التحول في مسيرة الرجل، حدثت عام 2019، حين عُيّن من قِبل قائد أركان الجيش السابق أحمد قائد صالح، في منصب مدير الأمن الداخلي الذي بقي فيه إلى ما بعد تنظيم الانتخابات الرئاسية في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2019.

إسقاط أسطورة القطط والمارشال الوالي على الحراك

شغل واسيني منصب مدير الأمن الداخلي، أحد ركيزتي جهاز المخابرات، في فترة صعبة وحرجة، كانت الجزائر تعيش فيها حراكاً شعبياً بخروج ملايين المتظاهرين إلى الشوارع أسبوعياً.

وبالإضافة إلى أن كثرة الأعباء تولّد أخطاء كثيرة محتملة، وقد تزامنت بدايتها مع وصول الحراك الشعبي إلى شهره الرابع، فلا يزال السؤال المطروح هو التالي: أين قرار منع رفع راية الهوية الأمازيغية من قِبل المتظاهرين، بعد الخطاب الشهير لرئيس الأركان الراحل الفريق أحمد قايد صالح، الذي أكد بأن للجزائر راية واحدة ووحيدة استشهد من أجلها مليون ونصف مليون شهيد؟

إلى هنا كل شيء مبرر. فالراية الأمازيغية، أخذت زخماً أكبر في موضع وتوقيت خاطئين، حتى أنها أزاحت العلم الوطني من الساحات الكبرى للحراك، مثل البريد المركزي، وساحة موريس أودان، وشارع ديدوش مراد.

جاء دور واسيني بوعزة الذي دعم "نظرية القطط"، وتبنى فكرة الدولة الباديسية النوفمبرية، ضد واحد من المكونات الهوياتية الأساسية للمجتمع الجزائري، وهو المكوّن الأمازيغي.

كان قرار تنزيل رتبة واسيني بوعزة الجنرال القوي الذي شغل منصب مدير الأمن الداخلي، من رتبة عميد إلى رتبة جندي، في سابقة تاريخية هي الأولى من نوعها في تاريخ الجزائر

والقطط، لمزيد من الشرح، مجموعة من النشطاء داخل الحراك، أُطلق عليهم هذا الاسم تيمناً بكبيرهم "المارشال القط"، وهو الاسم المستعار للناشط السياسي محمد الوالي، الذي قضى سنوات شبابه في بريطانيا، قبل أن يوافيه الأجل في ظروف غامضة، قبل أكثر من عامين في شمال لندن.

واشتغل محمد الوالي على تغذية خطاب معادٍ للبربر، وحمّلهم مسؤولية الوضع الذي تعيشه البلاد منذ عقود، وانتقد ما وصفه بـ"التغلغل المنظم" لهم في مؤسسات الدولة، كالجيش، والاستخبارات، والإدارة، والإعلام، والمصارف، والأعمال، والشركات الكبرى، على حساب من كان يصفهم بـ"الأغلبية العربية".

الدولة "الباديسية النوفمبرية" ضد "الزوافية"

جزء آخر من لعبة سياسية حيكت خيوطها بإحكام، إذ استغل واسيني بوعزة، تاريخ الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر المقدس عند الجزائريين لأنه عيد الثورة المجيدة التي اندلعت ضد المستعمر الفرنسي عام 1954، بالإضافة إلى صورة العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي دافع عن عروبة الجزائر وشعبها.

توظيف واسيني لورقة النعرات الجهوية كان قنبلة كادت أن تفجّر الجزائر من الداخل، وتزلزل وحدة البلاد، وتماسك شعبها، بعد أن ظهرت إلى السطح فئة متطرفة جديدة تطلق على نفسها اسم "الباديسيون النوفمبريون"، وتنشط ضد أهالي منطقة القبائل، الذين يسمونهم بالزواف وخونة الوطن.

هذا الوضع كان ينذر بدمار ذاتي للنسيج المجتمعي الذي انصهر فيه البربر والعرب منذ قرون، وقد سمح بتغذية سجال هوياتي في الجزائر، خاصةً بين المتطرفين في المكوّنين البربري والعربي.

يعلّق المدوّن الجزائري حمزة خروبي على هذا الموضوع قائلاً لرصيف22: "السياسة العرقية والجهوية هي سياسة نظام بأكمله، من أجل تشتيت الحراك، وتفريقه، وزراعة الفتنة داخله، وهذا ديدن الأنظمة الديكتاتورية". ويضيف خروبي الموجود حالياً في بلجيكا: "هذا الشخص ـيقصد واسيني بوعزةـ كان جزءاً من عملية الالتفاف على أهداف ثورة الشعب السلمية في 22 شباط/ فبراير 2019، وفرض مسار الانتخابات الرئاسية. وبغض النظر عن المرشح الذي دعمه، فبعد وفاة قائد الأركان السابق، استُبعدت مجموعته كلها تدريجياً بشكل انتقامي وواضح، عقب سيطرة مجموعة أخرى على مراكز القرار، وهذا ما تتسم به الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، فلا يوجد فيها عدو دائم، ولا صديق دائم، وكل شيء يمكن أن يحدث في إطار صراع الأجنحة، والصراع على النفوذ". 

واسيني فشل في أن يكون "سيسي" الجزائر

شيئاً فشيئاً، بدأ واسيني بوعزة في التغول، والسيطرة على المشهد الإعلامي، إذ أضحى يملك أذرعاً إعلامية، وامتداداً داخل الصحف، والقنوات التلفزيونية، والمواقع الإلكترونية، التي باتت تخضع لسلطته، وتخدم أجندته التي يطبقها في الميدان، وعلى واقع المشهد السياسي المثقل بالمشاكل، والتوترات السياسية آنذاك.

هذه السيطرة تعدت الإعلام إلى الأحزاب السياسية والجمعيات، وبات واسيني عرّاب المرحلة، يضع من يشاء على رأس الأحزاب، ويبعد من يشاء.

وبعد إحكام قبضته على الإعلام والأحزاب، أصبح واسيني يحرك الرأي العام، ويؤثر على مجريات المرحلة.

توظيف واسيني لورقة النعرات الجهوية كان قنبلة كادت أن تفجّر الجزائر من الداخل، وتزلزل وحدة البلاد، وتماسك شعبها

لم يكن خفياً بالنسبة للحراك الشعبي أن واسيني يحلم بأن يكون "سيسي" الجزائر، فخرجت المظاهرات هاتفةً: "بوعزة واسيني/ حاب يولي سيسي".

بمعنى أن طموح الرجل صار أكبر منه، فكان يرى نفسه رجل المرحلة، ومنقذاً للجزائر، بل ورئيساً له، يسير على خطى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إذ حاول جاهداً ربط الخيوط ببعضها ليحقق هذا الحلم، ممهداً الطريق لتجسيده على أرض الواقع.

"وتر أخيل" يسقط قائد المخابرات الداخلية

عمى الطموح، كان هذا "وتر أخيل" بالنسبة لواسيني بوعزة، فعلى الرغم من القوة والنفوذ اللذين كان يتمتع بهما، إلا أنه كان يخطط لما هو أكبر: أن يصبح رئيساً للبلاد.

وعلى عكس تيار المؤسسة العسكرية آنذاك، ورغبة قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي كان يبدو أقرب إلى الرئيس الحالي للبلاد عبد المجيد تبون، اختار مدير المخابرات الداخلية الوقوف إلى جانب المرشح عز الدين ميهوبي، فأوصله إلى قيادة ثاني أكبر حزب سياسي في الجزائر، وهو حزب التجمع الوطني الديمقراطي، خلفاً للوزير الأول والأمين العام أحمد أويحيى، الذي زجّ به في السجن بتهم فساد ثقيلة جداً.

واسيني ذهب بعيداً في مسعاه، فحسب مصادر رصيف22، اجتمع بالمدراء الجهويين للأمن الداخلي، التابع لجهاز المخابرات، وأمرهم بتوجيه تعليمات وأوامر إلى ولاة الجمهورية في 48 ولاية آنذاك، بالإضافة إلى رؤساء الدوائر، لدعم ميهوبي، وتسخير آلة التزوير لصالح فوزه.

ولعرقلة عبد المجيد تبون، فجّر قضية كمال البوشي، التي حجزت فيها كمية مروعة من الكوكايين في ميناء وهران، تقدر بسبعة قناطير كاملة، وزجّ بنجله خالد في السجن، وربط اسمه بهذه القضية حتى تصبح على كل لسان، قبل أن يستفيد لاحقاً من حكم البراءة من محكمة سيدي محمد في الجزائر العاصمة.

كما تسبب واسيني باستقالة مدير حملة تبون، عبد الله باعلي، بطريقة لفّها الغموض، وألقى القبض على أحد مستشاريه وداعميه، وهو رجل الأعمال عمر عليلات، وحدث هذا كله قبل أيام قليلة من الانتخابات الرئاسية، لبعثرة أوراق تبون ومن معه.

لم يكن خفياً بالنسبة للحراك الشعبي أن واسيني يحلم بأن يكون "سيسي" الجزائر، فخرجت المظاهرات هاتفةً: "بوعزة واسيني/ حاب يولي سيسي"

وبإيعاز من مدير الأمن الداخلي في تلك الفترة، أعلن الحزب الحاكم "جبهة التحرير الوطني" الذي ينتمي إليه تبون، دعمه لمرشح منافسه وغريمه التقليدي حزب التجمع الديمقراطي، عز الدين ميهوبي، وهو الطريق نفسه الذي سارت عليه جمعيات وتنظيمات عدة أعلنت عن تخليها بشكل مفاجئ عن دعم الوزير الأول الأسبق تبون -شغل هذا المنصب عام 2017ـ فضلاً عن حملة شرسة شنتها قناة النهار لمالكها أنيس رحماني، ضد المرشح تبون الذي وجد نفسه محاصراً من الجهات كلها في قلب حملته الانتخابية.

محاولة فرض دورة ثانية للانتخابات بالقوة رغم فوز تبون!

هذا كله لم يكفِ أمام إصرار بوعزة على قطع الطريق أمام المرشح عبد المجيد تبون، المنافس المباشر لعز الدين ميهوبي، الذي مهد له الطريق للوصول إلى قصر الرئاسة في المرادية، إذ اخترق السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وعين العقيد "إسكندر" في منصب مسؤول الإعلام الآلي، ليتمكن من تغيير النتائج التي تصل إلى سلطة "محمد شرفي"، أولاً بأول.

وكشف مصدر مقرب من سلطة الانتخابات، رفض الكشف عن هويته، أن محاولات واسيني لم تتوقف عند هذا الحد، ففي الوقت الذي تيقن فيه بأن الصندوق سيسفر عن فوز غريمه عبد المجيد تبون، لجأ إلى خطة بديلة، ألا وهي المرور بالقوة إلى دورة ثانية للانتخابات، من خلال تضخيم نسبة الأصوات لصالح مرشحه ميهوبي.

هذه العملية لم تكن سهلة، لأن أدوات التزوير لم تكن بيده، ولا بيد المؤسسة العسكرية، ولا بيد الولاة، واصطدم واسيني بأعضاء سلطة الانتخابات الذين لم يسايروا طموحه، وبإرادة الصندوق الذي حكم بفارق رهيب في الأصوات.

في بعض المراكز اكتسح تبون منافسيه بنسبة فاقت 90 بالمئة، وانقلب السحر على الساحر، وما قام به مدير الأمن الداخلي، لم ينجح كله أمام حالة التعاطف الشعبي، فسحْب جبهة التحرير دعمها لتبون، ومهاجمة قناة النهار، وإدخال نجله إلى السجن في قضية الكوكايين، واستقالة مدير حملته، كلها مؤشرات أعطت انطباعاً لدى الرأي العام بأن تبون تعرض إلى مؤامرة، فجاءت النتيجة عكسية.

ثورة مضادة

وصول الرئيس الجديد عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم، ليكون الرئيس الثامن في تاريخ الجزائر، كان نقطة تحول في مسيرة واسيني بوعزة ومستقبله، وهو الذي تبوأ منصب مدير الأمن الداخلي لمدة عام كامل، من هنا بدأت عملية التحضير لإزاحته، كونه تركة ثقيلة من مخلفات الفترة الانتقالية.

واسيني بوعزة كان يدرك ذلك، ولم يستسلم حسب مصادر عديدة، بل حاول قيادة ثورة مضادة من خلال ما يعرف بالدولة العميقة، فخلال الأربعة أشهر الأولى من حكم تبون، كان يظهر للعيان بأن هنالك مقاومة للتغيير، ومحاولة لإشعال غضب الشارع، باختلاق مشكلات عديدة، خلال فترة زمنية وجيزة، بدأت بأزمة السيولة المالية، ثم حرائق الغابات، ولم تنتهِ بعملية تزويد المواطنين بماء الحنفيات.

هذه المشاكل التي تحاصر الدولة، وتنغّص معيشة المواطنين، دفعت الرئيس إلى الخروج عن صمته، والتأكيد على وجود ثورة مضادة. فقراراته، وتعليماته، وأوامره، لا تُطبّق على أرض الميدان.

سقوط حر من قمة الجبل

لكبح طموحه، وإيقاف ثورته المضادة، كان على الرئيس تبون كونه وزيراً للدفاع، وقائداً أعلى للقوات المسلحة، أن يضع حداً لهذا التغوّل.

عملية سجن الجنرال واسيني بوعزة، كانت متوقعة، بحكم العلاقات المتوترة بينه وبين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي بادر، كخطوة أولى في سياق تحجيم دور رجل مديرية الأمن الداخلي الأول، إلى تعيين نائب له هو العميد عبد الغني راشدي "بصلاحيات واسعة"، وقد تولى إدارة المؤسسة الأمنية الحساسة بعد خمسة أيام فقط من تعيينه.

وبتاريخ 15 نيسان/ أبريل 2020، أودِع الجنرال واسيني بوعزة السجن، مباشرة عقب الإعلان عن تنصيب مدير جديد لجهاز المخابرات الداخلية.

تهم ثقيلة وتجريد من الرتبة

بعد مكوثه قرابة أربعة أشهر في السجن العسكري في البليدة، قضت المحكمة العسكرية، بتاريخ 26 شباط/ فبراير 2020، بالسجن النافذ لمدة ثماني سنوات بحق مدير المخابرات الداخلية سابقاً الجنرال واسيني بوعزة، لإدانته بـ"التزوير وإهانة هيئة نظامية".

وفي الفاتح من نيسان/ أبريل 2021، ضاعفت المحكمة عينها، عقوبته إلى 16 سنة، بعد أن التمس الوكيل العسكري عقوبة السجن 20 سنة.

وفي القضية نفسها، حُكم على الضابطين العسكريين "إسكندر" و"نبيل"، بالحبس عشر سنوات، والعقيد لطفي بالحبس 15 سنة.

ووُجهت إلى العميد بوعزة تهم تتعلق بالثراء غير المشروع، وإهانة هيئة نظامية، ومخالفة القانون العسكري، والتزوير واستعمال المزور ـالانتخابات الرئاسيةـ وحيازة أسلحة وذخيرة حربية من الصنف الرابع.

الجنرال يتحول في رمشة عين إلى جندي

أمام الأفعال التي حاكمته عليها المحكمة العسكرية، وخلافاته الشديدة مع الرئيس عبد المجيد تبون، لم تكن عقوبة السجن 16 عاماً، كافية بالنسبة إلى السلطات العليا في البلاد، بل صدر قرار من مجلس الانضباط العسكري بتاريخ 23 أيار/ مايو، يقضي بتخفيض رتبة واسيني بوعزة من عميد إلى جندي، وهي المرة الأولى في تاريخ الجزائر.

ويقول الضابط العسكري السابق علي روينة لرصيف22:

"السلطات العسكرية استعملت ما هو مخول لها، لحماية صورة المؤسسة العسكرية، وإبعادها عن الشبهات كافة، وذلك من خلال تطبيق القانون الأساسي 06-02-2006، الخاص بالمستخدمين العسكريين، والذي صادق عليه البرلمان الجزائري عام 2006، وعُدّل عام 2019،

هذا القانون يهدف إلى تعزيز دولة المؤسسات، لما تضمنه من أحكام تحافظ على مكانة مؤسسة الجيش الوطني الشعبي في مجتمعنا، لإبقائها بعيدة عن الصراعات السياسية والحزبية كلها، ولهذا لجأت السلطات العسكرية إلى الضرب بيد من حديد، لتكون قضية واسيني سابقة في تاريخ الجزائر، وفي الوقت نفسه، رسالة إلى كل عسكري مهما بلغت رتبته، بأن سمعة الجيش وصورته وشرفه، خط أحمر".

تصفية حسابات وإهانة

أشارت صحيفة الوطن الجزائرية الناطقة بالفرنسية، إلى أن تجريد العميد بوعزة واسيني جاء بطلب من رئيس البلاد عبد المجيد تبون، وبينما لم يصدر أي رد فعل رسمي حول هذه الحادثة، تطفو على السطح أسئلة أخرى: هل سقط واسيني في فخ المؤامرة؟ هل كان ضحية تصفية حسابات؟ خاصة وأنه تمسّك بقوله حرفياً في جلسة محاكمته، وأمام مجلس الانضباط العسكري، إنه طبّق أوامر الراحل الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش، في واحدة من أعقد الفترات التي مرت فيها الجزائر في تاريخها المعاصر.

ويؤكد كثيرون من المحللين العسكريين على غرار هشام عبود، أن "الهدف من وراء تجريد واسيني من رتبة جنرال، هو إهانته بسبب الخلافات الحادة مع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الذي دعا إلى اجتماع مجلس الانضباط العسكري، حيث وجهت له الأسئلة نفسها التي طرحت في المحاكمتين السابقتين، والاختلاف هذه المرة هو في عدم وجود محامين يدافعون عنه ـحسب عبود دائماًـ فما كان الرئيس تبون ليغفر لواسيني ما قام به خلال الحملة الانتخابية، والرئاسيات الماضية، خاصةً زجّه بنجله في السجن بسبب صراع سياسي شخصي، يعكس طموحه في الاستحواذ على السلطة في البلاد".

هل سقط واسيني في فخ المؤامرة؟ هل كان ضحية تصفية حسابات؟ خاصة وأنه تمسّك بقوله حرفياً في جلسة محاكمته، وأمام مجلس الانضباط العسكري، إنه طبّق أوامر الراحل الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش

وضمن دائرة التساؤل نفسها، يأتي تصريح العربي الشريف العقيد السابق في الجيش الجزائري لرصيف22 قائلاً: "لقد صدرت أحكام ثقيلة في حق العميد واسيني بوعزة، وبعد ذلك أُسقطت عنه كل الرتب، وأُنزل إلى رتبة جندي، وهذه سابقة في تاريخ الجيش الوطني الشعبي، لقد تمت معالجة قضايا عدة بتهم الثراء الفاحش وغير المبرر، والتآمر، والفساد، وصدرت أحكام ثقيلة في حقهم، ولكنها لم تُتبع بقرار تجريد أصحابها من رتبهم، فحتى محاولة الانقلاب سنة 1967 التي قادها عقيد آنذاك، حكم عليه، ثم سُجن، ولم يصدر في حقه قرار التجريد من الرتبة، التي تُعدّ سابقة في تاريخ المؤسسة العسكرية". ويتابع العقيد السابق حديثه بتعجب قائلاً: "لماذا صدرت مثل هذه العقوبة؟ لا أملك إجابة موضوعية، فلا أحد مطّلع على الملف عدا المعني، ومحاميه، والعدالة، وقد يكون ذلك لحساسية المنصب الذي تولاه. سننتظر البت النهائي في قضايا الفساد كلها، بأطوار محاكماتها جميعها، لمعرفة مدى صرامة السلطات وحزمها في التعامل، وهل سيُطبَّق القانون على الجميع من دون استثناء، أو خلفيات".

رتبة جندي، عقوبة أم تشريف؟

"عقوبة الضابط واسيني بوعزة، تدخل في سياق تطبيق الإجراءات التأديبية المتعلقة بمجالس الانضباط للمؤسسة العسكرية، وهي تجسيد للقانون، فإنزال أقصى العقوبات بالرافضين للأوامر والتعليمات من القيادات العليا، مسألة عادية في الجيش، ولاحظنا ذلك في خطابات قائد الأركان سعيد شنقريحة الذي أمر بطاعة المسؤولين، وعدم مخالفة أوامرهم. وما حصل مع واسيني بوعزة، قد يكون درساً لكل من يريد التمرد مستقبلاً. وعلى الرغم من ذلك، أرى أن خيار تنزيل الرتبة إلى جندي ليس في محله، والمشرّع هنا أساء التقدير". بهذا يفتتح المحلل السياسي عبد الحكيم بوغرارة حديثه مع رصيف22، ويضيف: "رتبة جندي محترمة جداً، وميدانية، والجنود ركيزة الجيش، وهم من يقودون الجبهات الأولى، وبالتالي أرى أن قرار شطب واسيني نهائياً من الجيش، هو العقوبة المناسبة لتفادي إلحاق الضرر المعنوي بأي رتبة".

ما حدث لبوعزة بعث برسائل إلى الثكنة لضرورة احترام الجيش، وللرأي العام بحتمية إبعاد العسكر عن السياسة، بالإضافة إلى رسائل أخرى موجهة للخارج، مفادها بدء عملية تنظيف كبيرة لشوائب المرحلة الانتقالية في الجزائر، وما صاحبها من قرارات مثيرة للجدل تسبب بها مدير المخابرات الداخلية الذي سقط في فخ طموحه للوصول إلى قصر الرئاسة، فنام جنرالاً، واستفاق من حيث لا يدري على رتبة جندي، وقد يشطب قريباً من لائحة الجيش، ليكون عبرة تؤخذ منها الدروس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard