في ذكرى النكسة الـ54… كيف خطط الإسرائيليون لاحتلال الأراضي العربية وشكروا لاحقاً الصدفة؟

السبت 5 يونيو 202101:52 م

54 عاماً مرّت على هزيمة الخامس من حزيران/ يونيو عام 1967 حين احتلت إسرائيل المزيد من الأراضي العربية في مصر وسوريا وفلسطين، زاعمةً أن ذلك لم يكن مخططاً له. الآن، تكشف وثائق مرفوعة عنها السرية لجيش الاحتلال كذبَ هذا الادعاء.

في مقال بصحيفة "هآرتس"، أوضح المؤرخ الإسرائيلي آدم راز، الباحث في معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أنه بينما ادعت الرواية الإسرائيلية لسنوات أن صانعي القرار في تل أبيب "فوجئوا" بثمار الانتصار على العرب في حزيران/ يونيو عام 1967، المعروفة بـ"النكسة" أو "أم الهزائم"، شككت في صدقية ذلك "الوثائقُ التاريخية بأرشيف إسرائيل والجيش الإسرائيلي ومؤسسة الدفاع الإسرائيلية في السنوات".

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي إبان النكسة، موشيه ديان، قد صرّح بعد ثلاثة أيام من انتهاء الحرب، بأنها "تطورت وتدحرجت إلى جبهات ‘لم تكن مقصودة‘ و‘لم يتم التخطيط لها‘ مسبقاً من قبل أي شخص، بما في ذلك أنا". ترتب على مثل هذه التصريحات اعتقادٌ بأن احتلال الأراضي العربية عقب الحرب كان نتيجة تحوّل سريع أدى إلى واقع جديد لم يكن أحد يريده.

لكن بعض الوثائق، التي رُفعت عنها السرية حديثاً، تكشف الاستعدادات التفصيلية التي أجراها الجيش الإسرائيلي في السنوات التي سبقت عام 1967، في إطار التنظيم المسبق للسيطرة على الأراضي التي "قدّرت الدفاع الإسرائيلية - بدرجة عالية من اليقين- أنه سيتم احتلالها في الحرب القادمة".

تخطيط منذ أوائل الستينيات

قال راز إن ما قرأه في الوثائق يشير إلى أن استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة من الأراضي الفلسطينية ومرتفعات الجولان السورية وأجزاء من شبه جزيرة سيناء المصرية، "لم يكن نتيجة ثانوية للمعركة، بل تجسيداً لنهج إستراتيجي وتحضيرات مسبقة".

في الذكرى الـ54 لـ"أم الهزائم"... وثائق تثبت أن إسرائيل خططت لاحتلال الأراضي التي استولت عليها بعد نكسة 1967 لسنوات وإنْ زعم قادتها أنها "لم تكن مقصودة" و"لم يتم التخطيط لها"

ولفت إلى أن الاستعدادات الدقيقة للجيش الإسرائيلي لاحتلال هذه المناطق كانت قد بدأت في أوائل ستينيات القرن الماضي إذ كانت، جزئياً، نتاج التجربة الإسرائيلية القصيرة والمريرة لمحاولة احتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة أثناء العدوان الثلاثي عام 1956.

استشهد المؤرخ الإسرائيلي بوثيقة عنوانها: "اقتراح تنظيم الحكومة العسكرية"، كتبها رئيس العمليات، العقيد إيلاد بيليد، في حزيران/ يونيو 1961، ووجهها إلى رئيس الأركان تسفي تسور. في الوثيقة التي تسبق النكسة بست سنوات، اقترح القائد العسكري الإسرائيلي تخطيطاً مبدئياً مفصلاً للقوات التي ستكون ضرورية للحكم في ما سيصبح الأراضي المحتلة.

لاحقاً، في آب/ أغسطس عام 1963، وضع فرع الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، والذي كان يترأسه إسحاق رابين، توجيهاً واسع الانتشار بشأن تنظيم الحكومة العسكرية في الأراضي المزمع احتلالها. وهو ما يسلط الضوء على "اتجاهات إسرائيل المتوقعة للتوسع"، والتي تمثل محور الحرب القادمة في نظر القيادات العسكرية الإسرائيلية.

وشملت الأراضي المزمع احتلالها من قبل إسرائيل آنذاك الضفة الغربية وسيناء والجولان ودمشق وجنوب لبنان حتى نهر الليطاني.

وقد صدر أمر عام 1963 بعد نحو شهرين من تقييمه من قبل وحدة الحكومة العسكرية التي كانت تسيطر على حياة المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل. لفتت الوحدة في مراسلات داخلية إلى أن التنظيم المستقبلي للحكم في الأراضي المحتلة نُفذ "على عجل" حتى الآن و"لا يلبي تماماً جميع الاحتياجات".

ودعا "الأمر التنظيمي-الحكومة العسكرية في حالة الطوارئ" إلى أن "توجه الجيش الإسرائيلي لنقل الحرب إلى أراضي العدو سيؤدي بالضرورة إلى التوسع واحتلال مناطق خارج حدود الدولة".

استغلال "الوضع الملائم"

واستناداً إلى التجربة الإسرائيلية في فترة ما بعد الحملة على سيناء، عام 1956، نصت الوثيقة على ضرورة الإسراع في تنصيب حكومة عسكرية، لأن "هذه الفتوحات قد تستمر فترة قصيرة فقط وسيتعين علينا إخلاء الأراضي المحتلة بعد ضغوط دولية أو ترتيب".

بينما لم يشك الإسرائيليون في قدرتهم على الفوز بالحرب، واحتلال الأراضي العربية، في مصر وسوريا وفلسطين، أرّقتهم قدرتهم على "إقامة بيروقراطية حكومية عسكرية" قادرة على حكم المدنيين في الأراضي المستولى عليها

وكان الجزء التالي مخصصاً لمن سيتم تكليفه إدارة الحكومة العسكرية في الأراضي المحتلة المستقبلية، وهو ما يكشف نيات من أصدروا هذا الأمر. "مع ذلك، قد يتطور وضع سياسي مناسب مما يجعل من الممكن الاحتفاظ بالأراضي المحتلة إلى أجل غير مسمى"، ورد بالأمر التنظيمي.

برأي راز، استلزم استغلال هذا "الوضع الملائم" تنظيماً دقيقاً لأنماط الحكم العسكري في الأراضي المزمع احتلالها، وهذا ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى تكريس اهتمامه على تدريب وإعداد الوحدات والهيئات الإدارية التي ستحكم الشعب الفلسطيني، بما في ذلك المسؤولية الواسعة من القضايا القانونية المصاحبة لاحتلال أراضيهم، إلى جمع المعلومات الاستخبارية حول السكان والبنى التحتية في الضفة الغربية.

في حين لم يعترض أيّ من القادة العسكريين على تفوق الجيش الإسرائيلي وقدرته على احتلال الأراضي بسرعة من مصر والأردن وسوريا، قبل عام 1967، تخوّف الضباط في الحكومة العسكرية من إعداد الوحدات التي ستحكم ما بعد الاحتلال.

إلى جانب العقيدة العسكرية التي دعت إلى نقل القتال إلى أراضي العدو، كانت هناك عقيدة تتعلق بحكم المدنيين، على أساس الاعتراف بأنه بعد مثل هذا الاحتلال، ستسيطر إسرائيل على السكان المدنيين المحتلين، الذين تتطلب إدارتهم إقامة بيروقراطية حكومية عسكرية.

قبل عامين من النكسة، تحديداً في حزيران/ يونيو 1965، حذّر حاييم بارليف من أن الهياكل القيادية للإدارة لحكم الأراضي المحتلة غير مؤهلة بشكل كافٍ لتنفيذ مهمتها المستقبلية.

علماً أن الكولونيل يهوشوا فيربين، قائد الحكومة العسكرية بإسرائيل حتى عام 1966، مع خبرة واسعة في تشغيل آليات الإشراف والسيطرة على المواطنين الفلسطينيين بإسرائيل، لعب دوراً مركزياً في الاستعدادات لتنفيذ الأمر بإنشاء حكومة عسكرية في الأراضي المحتلة.

وبعد النكسة، رفض وزير الدفاع، ديان، اقتراح رئيس جهاز الأمن العام الشاباك آنذاك يوسف هرملين بتكرار أشكال السيطرة على الحكومة العسكرية في إسرائيل في الأراضي المحتلة حديثاً.

 ورغم امتناع ديان عن تعيين حكام عسكريين سابقين من الحكومة العسكرية بإسرائيل حكاماً عبر الخط الأخضر، كان تطبيع "الاحتلال المستنير" يحمل طابعاً مشابهاً لهذه الحكومة العسكرية. ترتب على ذلك أنه كلما زاد غموض فترة الاحتلال، أصبح أكثر فظاظة وعنفاً.

ونوّه راز بأن المعلومات التي استعرضها في مقاله ليست سوى جزء صغير من مجموعة واسعة من الوثائق ضمن المحفوظات الحكومية المتعلقة باحتلال الأراضي، والتي لا تزال سرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard