"النكسة" حبة مخدر و"النكبة" من صنف الأعاصير: عن لعبة المصطلحات وآثارها النفسية

الاثنين 5 يونيو 201705:34 م

يقول الشاعر والناقد الأدبي الفرنسي إيف بونفوا: "في اللغة العربية مكان طبيعي للشعر، في حين أننا في اللغة الفرنسية نصارع دائماً لنتذكر الشعر فيها". يرى بونفوا الذي يُعتبر من رواد شعراء فرنسا في القرن العشرين، أن هذه الطاقة الجمالية تفتح الكتابة العربية على أفق لا نهائي من الموسيقى.

لم يكن بونفوا وحده من استشعر تلك الطاقة اللامتناهية من الإيقاع في اللغة العربية. الأخيرة، بنثرها وشعرها، ليست مجرد حروف أبجدية أو كلمات مرتبة بل هي روح غامضة تعصى على الوصف، وتجربة جمالية بحتة. لكن لهذه الجمالية تبعاتها عندما يصل الأمر إلى استخدامها في مجالات السياسة أو العسكر أو العلوم.

في اللغة ثالوث عبقري يجمع الكلمة والإيقاع والوزن، لكن الإفراط فيه يعني انطلاق اللغة خارج تخوم المعنى، إذ تطغى الصورة على المعنى الفعلي، ثم يأتي الإيقاع أو الوزن فيها ليغطى على الصورة والمعنى معاً. لا ينفع التعميم مع لغة شاسعة كاللغة العربية، لكن العودة إلى هذه الفكرة تفيد في مقاربة مصطلحات طُبعت في وجدان أجيال عدة لعقود طويلة، ولعبت دورها كعناصر تعريفية في مقاربة هؤلاء للأحداث التي عبرت عنها تلك المصطلحات.

قد يكون أبرزها في هذا الإطار: مصطلح النكسة وقبله النكبة. نناقش هنا قدرة هاتين التسميتين، أقله لغوياً، على عكس أحداث كانت أكبر من إمكانية استيعابها، ومن ثم تأثير اللغة النفسي على مقاربتها، سواء من أجيال عايشتها أو أخرى سمعت عنها وخبرت نتائجها.

هكذا نُحت أكثر المصطلحات إلهاماً لتجاوز الهزيمة

تزخر اللغة العربية بمصطلحات التهوين والتهويل، تلك التي اختبأنا خلفها لتهوين أخطائنا وتلك التي تسلحنا بها لتهويل إنجازاتنا. في هذا الإطار، يمكن النظر لـ"النكسة" كأحد أبرز مصطلحات التهوين.

كيف ذلك؟ يُعدّ الكاتب الصحافي الشهير محمد حسنين هيكل عرّاب المصطلح. وهيكل كما هو معروف لم يكن صحافياً عادياً، بل اشتهر إلى جانب دوره السياسي بنحت مصطلحات عدة بقيت راسخة في الأذهان، استعادها السياسيون وخبراء الإعلام مراراً. من تلك المصطلحات "رئيس الضرورة" و"زوار الفجر" (عناصر الأمن الذين ينفذون حملات اعتقال فجراً)، أما أبرزها فكان "النكسة".

في حوارات الصحافي عبدالله السناوي مع هيكل، والتي نشرها في كتابه "أحاديث برقاش... هيكل بلا حواجز"، يروي هيكل أنه عندما شرع في كتابة خطاب تنحي الرئيس جمال عبد الناصر في يونيو عام 67، كانت اللحظة شديدة التأثير والأحداث المتسارعة لا تسمح بالتفكير والتدبر والبحث في المصطلحات والتعبيرات.

لكن هيكل الذي رأى "كل شيء يقارب الانهيار، والأحلام الكبرى تقوضت في صحراء سيناء ومشروع يوليو يتزعزع وعبد الناصر يصرّ على التنحي…"، كان الشيء الواضح بالنسبة له هو عدم وجود مجال لاستخدام مصطلح الهزيمة لوصف حرب الأيام الستة.

"مصطلح النكسة غطى على حقائق كارثية منها الهزيمة الفعلية للجيوش العربية، وطرد آلاف الفلسطينيين من أرضهم"

عندما سُئل "كيف طرأ على ذهنه مصطلح النكسة؟"، أجاب بأنه لا يدري، ليعود ويردف "أظنها مشاعر مواطن لم يكن يقدر على إغلاق أبواب الأمل فى المستقبل أمام شعبه". يقول هيكل شارحاً "للتعبيرات قوة تأثيرها فى حركة الأحداث، عندما تقول هزيمة فإن كل شيء قد انتهى، وعليك أن تقر بما جرى وتستسلم له، بينما تعبير النكسة ساعدنا على لملمة جراحنا". هكذا نحت "الأستاذ" أكثر التعبيرات إلهاماً لتجاوز الهزيمة.

"حبة مخدر" بحجم كارثة

دافع هيكل عن "نكسته" باعتبارها لازمة لتأكيد إرادة القتال من جديد، كما توحي بإمكانية تصحيح الأسباب التي أدت للخسارة وإزالة آثار الأخيرة. برأيه كانت "النكسة" وضع مؤقت و"الهزيمة" استسلام نهائي. أتى ذلك بعدما تعرض المصطلح لانتقادات عديدة اعتبرته أملاً خادعاً، وهماً حال دون اعتراف مطلق بالهزيمة والسعي لمعرفة أسبابها، وبالتالي معالجتها.

في العام 2012، وفي ذكرى ميلاد هيكل التسعين، وصف الكاتب الصحافي وحيد عبد المجيد في مقال نشره في جريدة "الأهرام" التي تولى هيكل للمناسبة رئاسة تحريرها لمدة 17 عاماً، بكثير من الاحترام والإعجاب مسيرة "تجربة فريدة لا مثيل لها في تاريخ الصحافة العربية". مع ذلك، اعتبر أن هيكل "جانَبَه الصواب" حين استخدم مصطلح النكسة الذي كان برأي عبد المجيد أكثر المصطلحات خطأً وأشدها سلبية.

بموازاة ذلك، رأى البعض في مصطلح "النكسة" جريمة لتخدير الشعوب العربية ومحاولة لإخفاء حجم الكارثة التي تمثلت بأكبر هزيمة في تاريخ الحروب الحديثة، سواء من ناحية حجم الأطراف التي خاضتها أو من ناحية سرعة الحسم أو من ناحية نتائجها الكارثية وآثارها بعيدة المدى على كافة المستويات والأصعدة.

يوافق على ذلك المترجم والباحث الفلسطيني وسيم دهمش، في حديثه لرصيف22، فيرى أن المصطلح غطّى على حقائق كارثية منها الهزيمة الفعلية لجيوش الأنظمة العربية، ثم طرد آلاف الفلسطينيين من أرضهم (تهجر من الضفة الغربية أكثر من نصف السكان ونزح الآلاف من قطاع غزة…).  

يفضل دهمش، المقيم في إيطاليا والذي عمل على ترجمة عشرات الأعمال الأدبية العربية من سرد وشعر إلى اللغة الإيطالية، العودة إلى الكلمة والإيقاع والوزن في اللغة العربية لشرح تأثير مصطلح النكسة. يرى أن في هذه اللغة لا يأخذ كل طرف حيزه الخاص، كما أن الكلمة في اللغة العربية جميلة لدرجة تغطي فيها أحياناً على الصورة والمعنى.

إضافة إلى ما سبق، قد يكون التماثل والتطابق في كلمة النكسة، إذا ما وضعناها بجانب مصطلح النكبة، أسهما بدورهما في انتشار المصطلح أو في استحضاره إلى ذهن صاحبه أساساً.

"هوامش على دفتر النكسة"

لأن ما نحسه أكبر من أوراقنا/ لا بد أن نخجل من أشعارنا إذا خسرنا الحرب/ لا غرابه لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابه/بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة/ لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة"... كتب الشاعر نزار قباني قصيدته "هوامش على دفتر النكسة" عقب الهزيمة مباشرة، فانتشرت على نطاق واسع، ورددها بأسى وغضب جميع من نام قبل مدة قصيرة على "إذاعة صوت العرب" تخبر بصوت مذيعها الأشهر أحمد سعيد عن هزيمة ساحقة للجيش الإسرائيلي وتعد بتحرير فلسطين قبل ساعات.

وإن كان قباني قد اعترف بمشكلة "العنتريات" التي صاحبت "ارتجالنا الذي كلف خمسين ألف خيمة جديدة" وجعلت "اليهود يتسربون كالنمل من عيوننا"، إلا أن قصيدته تأتي في المنطق نفسه لوهم الكلمة الجميلة التي تساعد في التفريغ العاطفي الذي يعقب الصدمة من دون أن تسهم في تحديد الأسباب الحقيقية للهزيمة، فتختلط فيها النتائج بالأسباب.

كلفت القصيدة صاحبها قرار منعٍ بدخول مصر لما جاء فيها من نقد لنظام الحكم أيام عبد الناصر حسب من أصدروا قرار المنع، كما حُجبت قصائده وأغانيه في مصر. حُلّت القضية بعد رسالة بعثها قباني لعبد الناصر، ولكن قصيدته بقيت كشاهد ومثال على الطريقة الانفعالية التي قارب بها العرب حرب يونيو، بحلو آمالها ومر انكساراتها.

"النكبة" من صنف الأعاصير

لمصطلح النكبة قصته أيضاً. يُعتبر الشاعر المصري من أصول شركسية أحمد محرم أول من استخدم المصطلح، وكان ذلك عام 1933، أي قبل 15 عاماً على وقوع أحداث ما اصطلح تسميته لاحقاً بالنكبة.

"يا فلسطينُ اصطليها نكبةً/ هاجها للقومِ عَهْدٌ مُضطرِمْ" أو "فكأَنَّا منهما في مُلتَقى/ نكبةٍ تَطغَى، وأُخرى تَسْتَجِمْ"... هذا بعض ما جاء في قصيدة محرم التي نشرتها صحيفة "البلاغ" المصرية تحت عنوان "نكبة فلسطين"، وفيها كان يستشرف الشاعر "الحدث الجلل" القادم على الأمة العربية، ويدعو العرب إلى نصرة فلسطين.

ويُعدّ الكاتب الفلسطيني والباحث التاريخي قسطنطين زريق أول من استخدم مصطلح النكبة بعد عام 48، في كتابه "معنى النكبة" الذي ركز بشكل أساسي على نتائج تأسيس دولة إسرائيل الكارثية على الوحدة العربية والمشروع القومي. مع العلم أنه عاد واستخدم العنوان نفسه عام 1967، في كتابه "معنى النكبة مجدداً".

"مصطلح النكبة يحيلنا إلى الكوارث الطبيعية كالأعاصير والزلازل التي تحصل بشكل قدري لا ينفع سوى الرضوخ لها"

وفي العام 1956، استخدم المؤرخ والسياسي الفلسطيني عارف العارف التسمية في عمله التوثيقي الذي أصدره بعد ترك وظيفته رئيساً لبلدية القدس الشرقية، تحت عنوان "النكبة والفردوس المفقود".

تبدلت معاني المصطلح واستخداماته بتبدل المراحل العربية، بين كونه مصطلحاً يدل على مأساة عربية شاملة وبين كونه مصطلحاً فلسطيني الدلالة وحسب، وبين استخدامه في الجانب الإنساني لاختصار أزمة شعب بكامله تم نهبه وتشريده وقتله، أو استخدامه سياسياً للإشارة إلى قيام دولة إسرائيل وسقوط المشروع القومي. لا يمكن التشكيك هنا بصدق نوايا مطلق التسمية الأول ولا في من تبعه لاحقاً بعد عام 1948، واتهامهم بعدم الأخذ بالاعتبار الأبعاد النفسية للتسميات.

لكن بعد مرور هذا الوقت، تبدو ضرورية العودة إلى البعد النفسي للمصطلح. يشرح دهمش أن مصطلح النكبة يُحيلنا إلى الكوارث الطبيعية كالأعاصير والزلازل التي تحصل بشكل قدري لا ينفع سوى الرضوخ لها ولنتائجها. وفي الكوارث الطبيعية ما يرفع المسؤولية عمن أسهم في الوصول لتلك النتيجة، أو أقله ما يطمس دوره، وهذا لا ينطبق على ما حلّ بفلسطين. في الجانب الثاني، حسب دهمش، لا يمكن إغفال البعد النفسي للمصطلح الذي أصبح تجسيداً لحال الصدمة "التروما"، وما فيها من إحساس بالذنب.

ولأن ما حصل كان أكبر من القدرة على التصور أو التحمل، كان كذلك أكبر من القدرة على الكتابة عنه. يشير دهمش إلى أن قلة ممن شهدوا الأيام الأولى للتهجير كتبوا عن تجربتهم كغسان كنفاني، البقية وثّقوا أو تخيلوا أو نقلوا عن أشخاص آخرين قصص النكبة. في حين أن الشريحة العظمى التي عايشت تلك المرحلة لم ترد أن تروي ما حصل في أيامها الأولى، فغلب على الروايات طابع العودة إلى أيام الطفولة الأولى قبل النكبة، أو نتائجها اللاحقة البعيدة.

عموماً، ما زلنا نستخدم المصطلح اليوم بشكل ثابت، رغم تغير مدلولاته ومفاعيله بتغير المراحل الزمنية. وهكذا يبدو أن حروبنا لم تكن هزائمها التجسيد الوحيد للإخفاق، بل أيضاً العجز عن استخدام المصطلحات بشكلها السليم والعلمي، وفي توقيتها المناسب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard