قوس مُستدقّ الرأس... عن حجر وبنّائين مجهولين

الجمعة 18 يونيو 202109:18 ص

احترقت أجزاء من كنيسة نوتردام في باريس عام 2019، بعضنا شاهد الحريق على الشاشات، والبعض الآخر شاهده مباشرة من على جسور باريس، الشلل عمّ الجميع، ولم يكن هناك حلّ سوى الصلاة والدعاء وانتظار احتواء الحريق.

انهالت التبرعات لأجل إصلاح الكنيسة، رمز فرنسا اللايكية، وواحدة من أقدم الكنائس القوطية في العالم، من ضمن من عرض المساعدة، جميل علوش، لاجئ سوري في فرنسا سبق له أن عمل في ترميم الكنائس في سوريا التي تركها مُكرهاً.

المثير للاهتمام، كما نقرأ في مقال لأنمار حجازي، إعلان "الكثير من المعماريين أن خطة الرئيس الفرنسي للترميم ليست ممكنة بسبب نقص الحرفيين في فرنسا"، وهنا تظهر المفارقة التي تتمثل في تلبية جميل علوش النداء. هو المهاجر، القادم من سوريا، تلك التي تحوي كنيسة "قلب لوزة"، التي تعتبر مُلهمة كنيسة نوتردام.

علوش مختص في ترميم الكنائس الشرقية وعمله في أوروبا ربما امتداد لتقليد معماري، تشير له ديانا داركي في كتابها "السرقة من الساراسين: كيف شكلت العمارة الإسلامية أوروبا"، إذ تخبرنا عن "البنائين الأحرار"، وبعيداً عن نظريات المؤامرة، تشير إلى أنهم مهاجرون من الشرق الأوسط أثناء الحروب الصلبية.

هم حرفيون وبنّاؤون ومعماريون، نظموا أنفسهم ضمن ما يشبه النقابات، ووظّفتهم السلطات في أوروبا بسبب سرعتهم في البناء ومهاراتهم. وهم من أدخلوا نظام العمارة الإسلامية وسلفها الروماني إلى أوروبا، هذا النظام القائم على الرياضيات والحسابات التي تؤدي إلى سرعة إنتاج العمل واستخدام مواد أقل، والأهم متانة أكثر.

هؤلاء المجاهيل، كحالة جميل علوش الذي نعرف اسمه الآن، هم من شيدوا الكنائس المسيحية الفاخرة، تلك التي تعكس السطوة الدينية و"انتصارات" الصليبيين، هم من رسموا الزخرفة والأشكال الهندسية، والأهم، أُهملوا على حساب ما يسمّى النظام القوطي الذي نشأ فجأة بعد الحروب الصليبية، والذي حسب الكتاب ليس إلا "سرقة" من العمارة الإسلامية والشرق أوسطية، غنيمة حملها الأوروبيون معهم ونسبوها لأنفسهم.

الحجر في أعلى القوس

تبني داركي نظريتها في السرقة بناء على مؤلفات المعماري البريطاني كريستوفر وارين (1632-1723)، الذي ينتقد النظام القوطي بشدة، ويرى أنه سرقة من العرب والمسلمين، الذين اطلع على "علومهم" واعتمدها في الكنائس التي صممها، وأبرز ما يميز هذا التصميم "القوس المروّس" أو "القوس مستدق الرأس"، الذي تلتقي فيه ذراعا القوس في نقطة في أعلاه.

هذا الشكل والحسابات الرياضية المرتبطة به، جعلت الأقواس أشد قدرة على الاحتمال، والأهم، أشد علواً، وهذا ما يتضح حين نشاهد الأقواس التي تزين كنيسة نوتردام، تلك التي ترى داركي أنها مستمدة من تصميم الجوامع والمآذن.

ينتقد المعماري البريطاني كريستوفر وارين النظام القوطي بشدة، ويرى أنه سرقة من العرب والمسلمين، وأبرز ما يميز هذا التصميم "القوس المروّس" أو "القوس مستدق الرأس"، الذي تلتقي فيه ذراعا القوس في نقطة في أعلاه

هذا التطاول الذي أساسه شدة احتمال القوس، ذو الحجر في الأعلى، والذي يشكّل مركز الثقل، هو اللمسة الإسلامية/ العربية إن صحّ التعبير، موتيف، يتكرر ويختلف عن التصاميم التي سبقته، هو حجر في الأعلى، تتحد عنده الأقواس لتشكيل القباب المزدوجة، أيضاً الاختراع الذي "نهبه" الصليبيون أثناء حروبهم في المنطقة.

تفسيرات داركي تمتد خارج التأملات المعمارية والمقارنة، إذ نقرأ عن اختلاف التصاميم الإسلامية ونسبها عن تلك الأوروبية، دور الضوء وهرمية العبادة فيها، كما نتعرف على التعديلات التي قام بها المسلمون أنفسهم على ما ورثوه من الرومان والبيزنطيين.

الحنين إلى الزمن الجميل

نقرأ الكتاب الذي يتغنّى بالعمارة الإسلامية، لتعتلينا نفحة من النوستالجيا والرغبة بالاكتشاف أكثر وأكثر، خصوصاً حين نحن نرى المقارنات بالصور والأرقام والقياسات، من الأقصى إلى الأموي في دمشق إلى قرطبة، فالقوس ولو اختفى كل ما يدلّ على أصله، يبقى واقفاً، علامةً لا يمكن تجاهلها ما إن نعرف أصلها، لنجد أنفسنا لاحقاً أمام أحجية وشغف بالبحث، كل صورة لكنيسة أو جامع أو معبد تدفعنا للبحث عن القوس الشهير.

و هذا ما تقوم به داركي نفسها، وكأننا أمام علامة جديدة عن فئة مجهولة من الحرفيين، تتحرك حولنا دون أن ندري. لكن، إلى أي حد يكفي الاحتفاء والنبش في الذاكرة والصور؟

الكثير من آثار الشرق تدمّرت، وهذا ما تشير إليه داركي نفسها بحزن يمسّنا ونحن نقرأ، لكن الأمر يتجاوز التدمير نحو الإهمال، إذ نشاهد مثلاً صورة مئذنة يسوع في الأموي، ونقرأ شرح داركي لدلالاتها وأهميتها في الثقافة الإسلامية، بوصفها مكان نزول المسيح لقتل الأعور الدجال.

انهالت التبرعات لأجل إصلاح كنيسة نوتردام، واحدة من أقدم الكنائس القوطية في العالم. من ضمن من عرض المساعدة، جميل علوش، لاجئ سوري في فرنسا سبق له أن عمل في ترميم الكنائس في سوريا

وهنا تذكرت بدقة، كيف أصريت مرّة على أحد خدم الجامع الأموي أن يسمح لي بالصعود إليها، وبعد أخذ ورد ورشوة، صعدنا سوية، لم نتمكن من دخول المساحة التي تطل منها المئذنة على المدينة، ناهيك عن الأوساخ المتناثرة، لكن المدهش، هو وجود كرسي هناك، سألته هل هذا للمؤذن؟ قال لي لا، لا يؤذن منها منذ زمن طويل، بسبب مكبرات الصوت.

إذا لماذا الكرسي؟ أجاب بكل صدق، هو ليسوع المسيح حين يهبط من السماء، الرحلة متعبة من أعلى، ولابد أن يرتاح ما إن يصل قبل أن يبدأ معركة نهاية العالم.

لا أدري إن كان يسخر مني أو يستهزأ أو فقط يحاول المزاح، لكن فعلاً، الرحلة متعبة، ولابد من هنيهات لالتقاط النفس.

هل هي سرقة؟

عنوان الكتاب مثير للجدل، بل ويستدعي كلمة Saracens، التي تقول داركي أنها تحوير لكلمة "السراقين"، التي كانت تستخدم لوصف العرب، ونقرأ في خاتمة أيضاً رأي دراكي التي ترى أنه لا يوجد سرقة في الفنون والثقافات والعلوم، كلها تقتبس من بعضها البعض وتتحاور وتستمر، ولا تنطبق عليها كلمة سرقة.

خصوصاً أن كلمة سرقة، تفترض أن من سُرق منه، فقد شيئاً ما، لكن في هذه الحالة لم تفقد العمارة الإسلامية أٌقواسها، لكن هناك استثناء، وهو العمارة، حسب الكاتبة، "فهي ليست علماً فقط ولا مجرد جماليات، بل خيار متعمد، يعكس صورة الذات، وفي سياق الأبنية العامة والتاريخية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالهوية الوطنية، خصوصاً أنها توظيف في الحروب لتقسيم الحضارات وخلق الصراع".

من المنطقي القول إن المسلات والمومياوات المصرية في فرنسا "مسروقة" أو "منهوبة"، كونها لم تعد موجودة في بلد الأصل، لكن هل يمكن اتهام كل من بنى هرماً بأنه سرق من المصريين؟

هذا الاستثناء المعماري الذي تطرحه المؤلفة إشكالي. صحيح أنها تقول إن مفهوم العمارة القوطية ظهر فجأة في القرن الخامس عشر، لكن هل كان هناك فعلاً قرار بطمس "السابقين" وأثرهم، مصادرة معارفهم وابتداع هذا الشكل من العمارة؟ أي لحظة تاريخية قرّر فيها "الغرب" محي أي أثر عربي وتغيير الأسماء؟

تبرر دراكي أن العمارة خيار، لكنه خيار من؟ خيار السلطة؟ المعمارين؟ البنائين الأحرار؟ عملية الطمس هذه إن افترضنا أنها فعلاً ممنهجة فهي تحتاج لسنين طويلة واتفاق بين "الجميع" على عدم ذكر أولئك "البنّائين" ومصادر التصاميم، والأهم ستكون مؤرّخة بوضوح، أي هل كل بناء يحوي قوساً "عربياً" هو بناء قائم على سرقة "جهود" العرب؟

يمكن فهم حماسة الكاتبة، خصوصاً أنها في السنوات الماضية ألّفت عدداً من الكتب عن سوريا ودمشق التي زارتها، وترك الدمار الذي شهدته سوريا أثراً هائلاً عليها، ولا ننكر أبداً جهدها البحثي.

يظهر الأمر كأحجية تاريخية، تتبعها الكاتبة في واجهات الأبنية وأقواسها وقبابها، الأمر بالاعتماد على نظرية شخص واحد فقط، مهندس من القرن السادس عشر أنكر الجماليات القوطية بل وكرهها لأسباب رياضية وجمالية، لكنه أيضاً استخدمها لاحقاً، وسمّى أصلها، لكن هل تكفي التسمية لنفي صفة السرقة التي تتبناها المؤلفة؟

نعود هنا للسرقة والنقص الذي تفترضه. من المنطقي القول إن المسلات والمومياوات المصرية في فرنسا "مسروقة" أو "منهوبة"، كونها لم تعد موجودة في بلد الأصل، لكن هل يمكن اتهام كل من بنى هرماً بأنه سرق من المصريين؟

نعم هناك تراث لا مادّي نفترض أنه التصميم والحسابات الرياضية، لكن لا نظن أنه من المنطقي اتهام كل العاملين في بناء الكنائس من مصممين وحرفيين وعمال، بأنهم لصوص سرقوا من العرب.

لا إجابة عن التساؤلات السابقة، وبرأينا الكتاب موجّه للقارئ الأجنبي، الأوروبي، ذاك الذي يتهم اللاجئين بـ"سرقة" بلاده، هو يدفع الواحد "منهم" لإعادة النظر في هويته الوطنية ومكوناتها وتاريخها.

أما نحن، المهاجرين واللاجئين و من نحاول رصد الأقواس مستدقة الرأس في المدن التي نسكنها، فالكتاب ليس لنا، لكن هذه المرة الأولى التي لن تختفي أسماء الحرفيين والبنائين الذين سيكررون ما فعلوه منذ ألف عام، تشييد أقواس تحمل ما هُندس و"سُرق" وسمي قوطياً اعتباطاً وخوفاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard