مصر وأزمة سدّ النهضة... ما هي كلفة الخيار العسكري؟

الأحد 11 أبريل 202110:27 ص

بعد ست سنوات من المفاوضات العقيمة والإجراءات الأحادية، لم تتوصّل مصر وإثيوبيا إلى حل حول أزمة بناء سدّ النهضة، وقد تتجه الأمور بينهما إلى تصعيد ستكون له عواقب وخيمة على إفريقيا ككل، وهو آخر ما تتمنّاه هذه القارة التي تعجّ بمشاكل كثيرة، وآخر ما يحتاجه المجتمع الدولي.

إذا وصلت الأمور إلى اندلاع حرب، يحذّر محللون من أن ذلك قد يعرقل جهود التنمية في مصر، بعدما أطلقت الحكومة المصرية مشاريع صخمة كان آخرها مبادرة "حياة كريمة" لتطوير القرى ومشروع "مستقبل مصر" الذي يهدف إلى زراعة مليون فدان، في وقت تعرّض فيه أحد أهم مواردها، وهو السياحة، لانتكاسة بسبب تفشي فيروس كورونا.

في المقابل، يعتبر محللون مصريون من أن ملء السدّ من وجهة نظر مصر لا يقلّ خطوة عن امتلاك إيران قنبلة نووية من وجهة نظر إسرائيل، مشيرين إلى أن ذلك سيسمح لإثيوبيا بالتحكم بمصير ومستقبل الشعبين السوداني والمصري.

ماذا تريد مصر والسودان من المفاوضات؟

أعلنت إثيوبيا، دولة المنبع، أنها ستمضي في الملء الثاني لسد النهضة في تموز/ يوليو المقبل، على الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان اللتين تطالبان بضرورة الاتفاق على أمور فنية قبل الشروع في هذه الخطوة.

وقال الباحث المصري في العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن عاطف عبد الجواد لرصيف22 إن 90% من الاتفاق تم ولكن القاهرة لا تزال تطالب بأمرين: الأول، التزام قانوني بما قد يحدث في موسم الجفاف؛ والثاني، التزام بآليات فض النزاعات في أي نزاع في المستقبل.

من جانبه، يشير الباحث المصري والمحاضر في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والسياسات الدفاعية أنس القصاص إلى أن مصر والسودان تطالبان بأمرين آخرين وهما الإدارة المشتركة للسد، كي لا تتحكم أديس أبابا منفردة بالمياه العابرة إليهما، والثاني هو حمايته، لكن إثيوبيا رفضت الأمرين.

وأضاف القصاص: "مصر ليست لديها أزمة في أن يُملأ السد مرة أو اثنين أو ثلاث، ما دام ذلك لن ينتقص من حصتها المائية، لأن المياه ستمر من التوربينات إليها"، مشيراً إلى أن الجانب الإثيوبي يراوغ الآن ويقول إنه لن ينتقص من حصة القاهرة لأن ملء السدّ سيكون تدريجياً على مدى سبع سنوات.

واعتبر أن "المشكلة هي رهن إرادة الدولتين. هذا السد الذي تريد إثيوبيا ملأه، بإرادة منفردة، بأكثر من 70 مليار متر مكعب من المياه، لو انهار لأي سبب، سيكون قنبلة مائية تبيد 160 مليون نسمة"، لافتاً إلى أن "الدراسات الفنية التي جرت لم تكشف عنها أديس أبابا، وهذا يولّد عدم ثقة ويوحي بسوء نية".

وتابع القصاص أن إدارة وتشغيل سد النهضة مسألة خلافية جوهرية لأن السد سيكون "مثل الحنفية"، و"لا مجال لترك يد إثيوبيا وحدها تتحكم بهذه الحنفية، تفتحها وتغلقها كما تشاء".

في الرابع من نيسان/ أبريل، عُقدت جولة مفاوضات في كينشاسا، بحضور وزراء الخارجية والمياه في مصر والسودان وإثيوبيا، لبحث التوصل إلى اتفاق "ملزم".

وبعد يومين، أعلنت القاهرة والخرطوم فشل المفاوضات وعدم إحراز أي تقدم، واتهمتا أديس أبابا بمواصلة التفاوض بنفس النهج القديم دون جدوى، وذلك بعدما رفضت الأخيرة حضور وسطاء دوليين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

يعتبر محللون مصريون من أن ملء السدّ من وجهة نظر مصر لا يقلّ خطوة عن امتلاك إيران قنبلة نووية من وجهة نظر إسرائيل، مشيرين إلى أن ذلك سيسمح لإثيوبيا بالتحكم بمصير ومستقبل الشعبين السوداني والمصري

يرى الباحث السوداني وائل علي نصر الدين أن إثيوبيا تتبع "استراتيجية المائدة المتحركة" في التفاوض، وهي استراتيجية تقوم على أساس تغيير وفدها مواقفه وشروطه كل فترة، لاستهلاك الوقت، والوصول إلى الأمر الواقع، وهو الملء الثاني.

ويضيف لرصيف22: "كان التفاوض في بداية الأمر على ضمان حصة مصر وهي 55 مليار متر مكعب، وكانت إثيوبيا تماطل في الموافقة عليها"، إلى أن وافقت مؤخراً، كما وافقت على ملء خزان السد على مدى سبع سنوات على الأقل، وعلى ألا يكون ذلك من حصة مصر بل من الأمطار، كي لا يُنتقص من حصة مصر.

في صيف العام الماضي، جمع الملء الأول خمسة مليارات متر مكعّب من المياه في خزان السدّ، ومن المقرر أن تملأ إثيوبيا في تموز/ يوليو المقبل الخزان بأكثر من تسعة مليارات متر مكعب، علماً أنها لم تعلن عن إجمالي المياه المتوفرة حالياً، بعد عام من الملء الأول.

ويقول نصر الدين: "بعدما شرعت إثيوبيا في ملء السد العام الماضي، لم تخبر السودان مثلما تعهدت في السابق، وقامت بذلك سراً، فجفت الخزانات والسدود السودانية، ثم فجأة حدثت فيضانات غير مسبوقة، أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والبنية التحتية. لقد كانت تجربة لسيناريو أكبر، وهذا ما لا تريد بلادنا تكراره".

في بيان نشرته وزارة الخارجية الإثيوبية في السادس من نيسان/ أبريل الحالي، أكدت أنه لا يمكن لأديس أبابا الدخول في اتفاق من شأنه أن يحرمها من حقوقها المشروعة الحالية والمستقبلية في استخدام نهر النيل.

متى قد يتجه البلدان إلى العمل العسكري؟

"إذا تمت تعليه القطاع الأوسط من السد، بما يعنى دخول الملء الثاني إلى حيز التنفيذ، على مصر إيقاف إثيوبيا عن ذلك بالقوة مهما كانت التكلفة، وبغض النظر عن أي ظروف أو تقديرات"، يقول مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية هاني رسلان.

"إثيوبيا تعتقد بملكيتها للنيل رغم أنه نهر دولي، وتريد استخدام المياه في الهيمنة والتوسع في القرن الإفريقي وحوض النيل، وكذلك استخدامها سياسياً واستراتيجياً كسلاح للإملاء والإكراه ضد السودان ومصر"

ويضيف: "الملء الثاني يعني اكتساب السد للحصانة والحماية، ومن ثم امتلاك إثيوبيا فعلياً للنيل الازرق، والعالم كله أصبح يعلم يقيناً أن إثيوبيا تعتقد بملكيتها للنيل رغم أنه نهر دولي، وأنها تريد بيع المياه للآخرين، وأنها تريد أيضاً استخدام المياه في الهيمنة والتوسع في القرن الإفريقي وحوض النيل، وكذلك استخدامها سياسياً واستراتيجياً كسلاح للإملاء والإكراه ضد السودان ومصر".

في الخامس من نيسان/ أبريل، أعلنت صفحة المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية أن القوات الجوية المصرية والسودانية أجرت تدريبات مشتركة، أطلق عليها اسم "نسور النيل 2" في قاعدة مروي الجوية شمال الخرطوم، بعد مناورة "نسور النيل 1" التي جرت في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.

وقال الخبير الاستراتيجي والمحاضر في أكاديمية الأمن السودانية العليا، اللواء أمين إسماعيل، إن المناورات الجارية تُعتبر حلقة تكميلية ضمن السيناريوهات المتوقعة في أزمة سد النهضة، وهذا الخيار لا بد من التجهيز له.

ويشير أستاذ العلوم السياسية في مركز العلاقات الدولية، الرشيد محمد إبراهيم، إلى أن "التنسيق الأمني وصل إلى ذروته في المجالات السياسية والعسكرية وربما الأمنية"، ويصف تدريبات "نسور النيل 2" بأنها "هجومية متقدمة شاركت فيها قوات خاصة"، مضيفاً: "لا أتوقع أن يحدث عمل عسكري منفرد تجاه سد النهضة، بل سيكون عملية مشتركة".

وقال إبراهيم لرصيف22 إن الشهور الثلاثة القادمة يمكن تسميتها بفترة الوقت الاستراتيجي وإن العمل العسكري ليس بالضرورة أن يكون ضربة مباشرة للسد، ولكن قد يكون عبر وسائل أخرى، مثل دعم جماعات ذات نزعة استقلالية مثل أقليات التيغراي والقمز في بني شنقول والعفر والعيسى.

هل تقع "حرب الضرورة"؟

يؤكد القصاص أن ذهاب مصر إلى الخيار العسكري، سيكون فقط في حالة الضرورة، ولمنع كارثة أكبر تتمثّل في تعطيش 160 مليون نسمة في السودان ومصر أو في إبادتهم إذا انهار السد أو فُتحت المياه فجأة على الدولتين.

"إثيوبيا هي ثالث أكبر قوة عسكرية في إفريقيا بعد مصر والجزائر من حيث الإعداد، ما يعني أن مصر ستكون في حرب طويلة مجهولة النتائج وتستنزف مواردها بحيث لن تحدث تنمية اقتصادية في مصر ولا في إثيوبيا"

أما رسلان، فيرى أن تحكم إثيوبيا بالنهر اعتداءٌ وإعلان حرب، ويعنى حرفياً موت مصر تدريجياً وبالتقسيط، وعليه فإن أي تكلفه لإيقاف إثيوبيا مهما كانت ممتدة ومتشعبة، ستظل أفضل وأقل مخاطرة من التغاضي وانتظار حلول أو اتفاقات لن تأتي أبداً.

في 30 آذار/ مارس الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن مياه مصر خط أحمر وأي مساس بها سيؤثر على استقرار المنطقة كلها، وعاد وأكد في الثاني من نيسان/ أبريل أن كل "الخيارات مفتوحة".

يقول القصاص إن السيسي كان وضحاً وكلامه كان مدروساً بدقة، وسينفّذه، لأن ملء السد يعني تهديداً لاستقرار الأنظمة السياسية والمؤسسات والمجتمعات، وستكون له تداعيات خطيرة على هيبة مصر في المنطقة.

ووصف القصاص خطر ملء سد النهضة على مصر والسودان، بذات الخطر الذي تراه إسرائيل في امتلاك إيران قنبلة نووية، مشيراً إلى ذلك سيسمح لأديس أبابا بالتحكم بإرادة السودان والقاهرة، و"يمكن لدول أخرى أن تدفع إثيوبيا إلى إملاء سياسات معيّنة عليهما في المستقبل، وبذلك تصبح أديس أبابا وكيلاً".

تكلفة الخيار العسكري

مع ذلك، حذّر الكاتب والصحافي السوداني محمد حامد جمعة من أن العمل العسكري ولو لغرض جزئي، سيمنح القيادة الإثيوبية ما يسميه "حرب كل رئيس"، في إشارة إلى أن لكل زعيم حربه التي يشغل الناس بها عن قضايا داخلية.

وأشار جمعة إلى أن الزعيم الإثيوبي الراحل منغستو هايلي مريم دخل في حرب أوغادين في الصومال، ورئيس الوزراء السابق ميليس زيناوي دخل حرباً في بادمي في إرتيريا، والآن هناك رئيس الوزراء آبي أحمد وسد النهضة.

وأضاف جمعة: "الظروف في إثيوبيا داخلياً حيث يخوض الجيش حرباً في عدة جبهات من التيغراي وبني شنقول أوروميا والعفر... وضعف عظم حزب الازدهار، كلها معطيات تجعل من حدوث مهدد خارجي، فرصة لا تُعوّض لتحشيد الداخل وتحييده لصالح عدو مشترك وجماعي".

وقال الرشيد إنه في حال حدوث ضربة مباشرة للسدّ وتدفق المياه المجمّعة في خزّانه، لن يشكّل الأمر تهديداً كبيراً، لأن المياه المحجوزة حالياً تقدّر بـ9.5 مليارات متر مكعب.

أما وائل نصر الدين، فتحدث عن خطر دعم إثيوبيا للحركات الانفصالية في السودان، مشيراً إلى أن إرتيريا تحالفت مع إثيوبيا، وقد تشارك في الرد عسكرياً مع أديس أبابا على أي هجوم على سد النهضة.

واتهمت السودان إثيوبيا بأنها تقدّم دعماً لوجستياً لقوات توكا في النيل الأزرق، على شكل أسلحة وذخائر ومعدات قتالية وصلت منطقة يابوس بتاريخ 27 شباط/ فبراير 2021.

ولفت الباحث السوداني إلى أن المجلس العسكري سارع في الأسابيع القليلة الماضية إلى التوقيع على اتفاقيات سلام مع قادة حركات مسلحة، لقطع الطريق على أديس أبابا.

وحول رد الفعل الدولي، توقع القصاص أن اشتراك مصر والسودان في عملية منسّقة سيضعف رد الفعل الدولي، مقارنةً مع لو قامت مصر لوحدها بالعملية.

ولفت إلى أن المناورات تُظهر مشاركة مقاتلات ميغ-29 الروسية، ما يعني أن القاهرة حيّدت السلاح الغربي نهائياً، ولا يُتوقع رد فعل روسي حقيقي على استخدام سلاحها.

وقال القصاص إن ضرب السد سيحتاج إلى قنابل خارقة للحصون الخرسانية "Bunker buster".

وفي عام 2019، كشفت وسائل الإعلام الروسية عن امتلاك مصر صواريخ قادرة على قصف مبانٍ خرسانية عملاقة ومحصنة.

في المقابل، يرى عبد الجواد أن العمل العسكري سيزيد "الطين بلة" خصوصاً في ما يتعلق برد فعل الدول الغربية، مشيراً إلى أن إثيوبيا تلعب دوراً هاماً في إفريقيا في ما يخص الاستراتيجية الأمريكية في القارة، والدليل أن واشنطن عادت وأفرجت عن مساعداتها لها، وقالت إنها لن تربط المساعدات بمسألة السد.

وأضاف عبد الجواد: "حكومة (الرئيس الأمريكي) جو بايدن نفسها تريد حل خلافات أمريكا في العالم عن طريق الدبلوماسية ولن ترضى بحل لمشكلة سد النهضة عن طريق العمل العسكري ومعها في هذا الموقف بقية الدول الغربية ومنها بريطانيا التي أعطت لمصر أصلاً نصيب الأسد في مياه النيل".

وحذّر عبد الجواد من أن إثيوبيا هي ثالث أكبر قوة عسكرية في إفريقيا بعد مصر والجزائر من حيث الإعداد، ما يعني أن مصر ستكون في حرب طويلة مجهولة النتائج وتستنزف مواردها بحيث لن تحدث تنمية اقتصادية في مصر ولا في إثيوبيا، محذّراً من أن أديس أبابا قد تستهدف السد العالي عن طريق التخريب أو الإرهاب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard