وجه آخر للحصار... إسرائيل تحتجز جثامين فلسطينيين ودلائل على الاتّجار بأعضائهم

الاثنين 31 مايو 202104:18 م

انضم الشاب المقدسي البهي زهدي الطويل، منفذ عملية الطعن الفدائية في حي الشيخ جراح بالقدس يوم 24 مايو / آيار الحالي، والتي أصيب خلالها عنصران من شرطة الاحتلال، إلى قائمة طويلة من مئات الشهداء المحتجزة جثامينهم لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي في ثلاجات الموتى، وما يُعرف باسم "مقابر الأرقام".

بعد احتجاز جثمان البهي ومنع تشييعه، كتب المحامي الفلسطيني محمد عليان في منشور عبر فيسبوك أن "أعداد الشهداء المحتجزة جثامينهم في ثلاجات الاحتلال وما يسمى بـ’مقابر الأرقام’ منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2015 ارتفع إلى 77 شهيدا - حتى اللحظة - وهو الرقم الأعلى منذ أن أصبح الاحتجاز سياسة رسمية، تنفيذاً لقرارات حكومة الاحتلال، وشرعنة مما يسمى بمحكمة العدل العليا".

في سبتمبر/ أيلول 2019 أصدرت "محكمة العدل الإسرائيلية" قراراً غير قابل للاستئناف يسمح لسلطات الاحتلال باحتجاز جثامين الفلسطينيين الذين فقدوا حيواتهم برصاص الاحتلال، من أجل استخدامها كورقة في المساومة خلال مفاوضات تبادل الأسرى.

في سبتمبر/ آيلول 2019 أصدرت ما تسمى بـ"محكمة العدل الإسرائيلية" قراراً غير قابل للاستئناف يسمح لسلطات الاحتلال باحتجاز جثامين الفلسطينيين الذين فقدوا حيواتهم برصاص الاحتلال، من أجل استخدامها كورقة رابحة في المساومة على مفاوضات تبادل الأسرى، وذلك يعد عامين من قرار للمحكمة نفسها في 2017 بأن لا "سلطة قانونية لإسرائيل باحتجاز الجثامين للمساومة".

وبرغم تأكيد اتفاقات جنيف على "وجوب دفن الموتى المعتقلين باحترام، وإذا أمكن طبقاً لشعائر دينهم"، ومطالبات حقوقية لإنهاء الحصار الإسرائيلي على الجثث، فإن تل أبيب لا تزال تخرق القانون الدولي الإنساني وتتجاهل التزاماتها كدولة طرف في اتفاقية جنيف وكدولة احتلال، غير عابئة بأحكام الاتفاقيات أو خصوصية جثث الضحايا وحقهم في دفنٍ لائق.

مقابر الأرقام اسم رمزي لمدافن سرية أنشأتها إسرائيل داخل أماكن عسكرية موجودة في أراضي 48 المحتلة، تُدفن فيها جثث الضحايا والأسرى الذين ماتوا في المعتقلات الإسرائيلية من دون كتابة أسمائهم، وتوضع الأرقام بديلاً لأسماء الشهداء.

ما مقابر الأرقام؟

مقابر الأرقام اسم رمزي لمدافن سرية أنشأتها إسرائيل داخل أماكن عسكرية موجودة في أراضي الـ48 المحتلة، تُدفن فيها جثث الضحايا والأسرى الذين ماتوا في المعتقلات الإسرائيلية، وفي هذه المقابر التي يطلق عليها الاحتلال "مقابر العدو"، تُدفن الضحايا بدون كتابة أسمائها، وتوضع الأرقام بديلاً لأسماء الشهداء، ويكون لكل رقم ملف خاص لدى الجهات الأمنية الإسرائيلية يشمل المعلومات المتعلقة به، وبعض الشهداء المحتجزين لا يدفنون وتظل أجسادهم محتجزة في ثلاجات الموتى لدى سلطات الاحتلال.

يعود تأسيس تلك المقابر إلى عام 1969، بعد عامين من حرب الأيام الستة (1967) وموقعها بين نابلس وأريحا حسبما أشارت صحيفة معاريف (وهي مصدر صحافي غير موثوق به). منذ ذاك التاريخ لم يُسمح لأهالي الضحايا المدفونين بزيارة تلك القبور. وقد اعترفت الجريدة العبرية – المعروفة بتوجهها إلى اليمين - بوجود قصور يشوب عملية الدفن وصيانة المقابر أدى إلى تشوه الجثث.

وحول وجود إحصائية للجثامين المحتجزة، تقول منسقة لجنة استرداد جثامين الشهداء سلوى حماد لرصيف22 إنها بلغت 253 جثماناً في مقابر الأرقام منذ ستينيات القرن الماضي حتى عام 2008، فيما بلغت أعداد الجثامين الذين تم احتجازها منذ العام 2015 نحو 79 شهيداً أغلبهم تم احتجازهم داخل معهد الطب الشرعيّ في أبو كبير بالقدس.

وتؤكد حماد أن الحملة الوطنية "تبذل جهوداً لاستعادة جثامين الشهداء"، وتحاول مدعومة بالضغط الشعبي الحصول على قرارات من محكمة العدل الإسرائيلية باستعادة بعضها.

وتقول إن الحملة استطاعت بالأساليب القانونية استرداد رفات 121 شهيداً بموجب قرارات من محكمة العدل الإسرائيلية، علماً أن أول قضية ربحتها الحملة كانت عام 2010 على الرغم من أن قضية احتجاز الجثامين تعود إلى ما هو أبعد من ذلك.

 

خريطة بأشهر "مقابر الأرقام" نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية وفا


 ورقة مفاضاوت أم ترسيخ للانتقام؟

في عام 2012، أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن جثامين 91 فدائياً من الفلسطينيين فقدوا حيواتهم خلال عمليات فدائية يعود بعضها إلى عام 1975. حينها وصف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي  بنيامين نتنياهو عملية الإفراج "بأنها مبادرة نية حسنة تجاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من أجل استئناف المفاوضات بين الجانبين".

وبينما تبرر تل أبيب احتجازها للجثامين على أنه "ورقة من أجل التفاوض عليها مستقبلاً مع السلطة والمقاومة"، تشير روايات أخرى إسرائيلية إلى عكس ذلك، كما هو موضح على موقع صحيفة معاريف العبرية التي نقلت عن متحدث باسم الشرطة الإسرائيلية بأن هدف بلاده من احتجاز الجثامين: "حتى لا تجعل الإرهابيين نموذجًا يحتذى بهم" على حد وصفه، إذ تعتقد الشرطة أن تسليم الجثة وسيرها في موكب جنائزي ودفنها وإقامة شاهد قبر لها قد يمجد اسم الضحية.

غير أن دولة الاحتلال تتعامل مع هذا الملف ببرجماتية شديدة، وتشجع الدولة العبرية على سياسة احتجاز جثث الضحايا من أجل المفاوضات المستقبلية، زفي الوقت نفسه؛ تستخدم الورقة ذاتها في ترسيخ سياسة العقاب في حق ذوي الضحايا، "وليس كما تشيع باستخدامها كورقة مفاوضات"، كما تقول سلوى حماد.

شادي الحمري: احتجاز أكثر من 3 سنوات

لأكثر من 3 سنوات لا تعلم عائلة الشهيد شادي الحمري أية معلومات عن جثمانه منذ استشهاده في عام 2017 داخل أحد الأنفاق بالقرب من خان يونس. حاولت الأسرة طرق كل الأبواب عن طريق التواصل مع منظمات حقوقية أو الصليب الأحمر لتسلم الجثمان، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، واكتفت العائلة بصلاة الغائب وفتح بيت عزاء.

حاخامات إسرائيليين منهم الحاخام ليفي اسحاق روزنباوم، عملوا سمسارة لنقل الأعضاء البشرية وبيعها في الولايات المتحدة من دون ترخيص قانوني.

والحمري واحد من عشرات الشهداء التي شملتهم قائمة المحامي محمد عليان للشهداء المحتجزة جثامينهم في مقابر الأرقام أو في ثلاجات الموتى، منذ عام 2015.

حسب الموقع الرسمي لسراي القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والذي التحق به الحمري كجندي في عام 2012، فإنه لقى مصرعه خلال عمله في وحدة الأنفاق شرق خان يونس قرب بوابة (كسوفيم) يوم 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، حين أن أراد أن يصل إلى عمق تل أبيب لتنفيذ عملية فدائية، إلا أنه تعرض لقصف أوقع النفق عليه وفقد الاتصال معه، لتعلن سرايا القدس نبأ استشهاده في بيان رسمي يوم 3 نوفمبر/ تشرين الاني 2017.

وقال البيان إن قوات العدو الصهيوني تمكنت من البحث عنه من خلف الخط الزائل على حدود قطاع غزة، وانتشلت جثمانه، ثم قامت باحتجازه رفقة الذين كانوا معه.

وقال شقيق أحد المحتجزة أجسادهم لدى قوات الاحتلال، ومضى على احتجاز جثامينهم عدة سنوات، لرصيف 22، إن الرد الذي كان يأتي إليهم من الجهات المعنية عند السؤال عن جثمان أخيه: "هذه قضية سياسية ولن يتم التقدم فيها إلا بصفقة تبادل الأسرى".

قبور غير آدمية.. وتجارة بالأعضاء

نقل تقرير جريدة معاريف عن قصور وإخفاقات في معالجة الجثث المحتجزة في مقابر الأرقام، حيث كتبت الجريدة عن عدم تمييز الجثث بأرقام واضحة، وإنما تم تمييزها بناء على أرقام كتبت بأقلام "فلوماستر" على كيس بلاستيكي، وبالتالي فإن الأرقام معرضة للمحو، فضلاً عن العثور على مخلفات وروث بقر في  القبور، وتداخل بعض الجثث لعدم وجود حواجز خرسانية فاصلة. وأوصى تقرير صادر عن الحاخام العسكري إلى القائد المسؤول عن الدفن بصيانة المقابر بصب الخرسانة، وإنشاء مسارات بين المقابر، وتمميزها بلافتات واضحة.

في 17 أغسطس/ آب عام 2009، اتهم الصحفي السويدي دونالد بوستروم جيش الاحتلال الإسرائيلي بسرقة أعضاء الشباب الفلسطينيين المحتجزة جثامينهم بغرض التجارة، وبيعها إلى المرضى البائسين في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقال دونالد في مقال نشره صحيفة "أفتون بلاديت" السويدية تحت عنوان "أبناؤنا نهبت أعضاؤهم" وترجمه المركز الفلسطيني للإعلام، إن حاخامات إسرائيليين منهم الحاخام ليفي اسحاق روزنباوم، عملوا سمسارة لنقل الأعضاء البشرية وبيعها في الولايات المتحدة من دون ترخيص قانوني. وقد ألقت السلطات الأمريكية القبض على روزنباوم، وأشارت لائحة الاتهام إلى أن الحاخام الإسرائيلي "عرض على عميل سري يعمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي وشاهد آخر، توفير كلية البشرية مقابل حصوله على 160 ألف دولار، ليحقق ربحاً صافياً قدره 150 ألف دولار".

وتحدث الصحفي السويدي خلال تقريره مع عائلات فلسطينية أعربت عن شكوكها من عملية سرقة أعضاء جثامين ذويهم الذين تم استردادها لاحقاً، ومنهم عائلة الطفل بلال غانم  (19 عاماً) أحد قادة أطفال الحجارة.

ويروي الصحفي السويدي نقلاً عن عائلة بلال وسكان بالقرية، إن الطفل أًصيب برصاص قوات الاحتلال، وعندما سقط على الأرض قامت القوات الإسرائيلية بجره وتحميله في سيارة جيب عسكري، ثم نقلوه إلى مكان مجهول. وبعد 5 أيام عادت جثة بلال وكان واضحاً عليها شق جثته من رقبته إلى أسفل بطنه.

وبحسب عائلات فلسطينية تحدث معها الصحافي السويدي، منهم أقارب خالد من نابلس، ووالدة رائد من جنين، وأقارب محمود ونافذ في غزة، إضافة إلى عائلة بلال؛ فإن جثث هؤلاء أعيدت إلى أهاليهم بعد تشريحها.

معاناة كبيرة يعيشها الفلسطينيون أحياءً وأمواتاً، وبالرغم من ذلك لم تقطع الأمل عند شقيق شادي الحمري في استرداد الجثمان، ودفنه بطريقة تليق به كأحد الشهداء الذين ضحت بهم فلسطين في وجه المحتل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard