"الحكومة بتفقرنا وبتعايرنا بوزننا الزايد"... السمنة ومحاولة محدودي الدخل لاكتساب الرشاقة

السبت 29 مايو 202106:33 م

"كانت البطاطس صديقة الفقراء، طبقنا اليومي، نأكلها مقلية مع مكرونة أو مطبوخة مع أرز أو مهروسة مع الخبز طبعاً لازم نتخن، ولكن ده المتاح"، تقول شيماء، مفسرة حالة السمنة، التي شملتها هي وأولادها.

تحدث رصيف22 مع ثلاثة مصريين/ات عن رحلتهم في التخلص من الوزن الزائد، والطرق التي تبنوها، وتكلفتها بالمقارنة مع دخلهم المحدود.

"باتمشى في الصالة"

مروة، هي الشقيقة التوأم التي تصنفها عائلتها بالأقل جمالاً، وذكاءً، وتفوقاً، وحتى حظاً مقارنة بشقيقتها، تتلقى الأخيرة المدح والثناء والتعليم الجامعي، بينما يطلب من مروة، بعد توقفها عند الشهادة الثانوية القيام بالأعمال المنزلية كاملة، ودون شكر.

مروة، غاضبة ولكنها لا تستطيع الإفصاح، حتى لا تتهم مجدداً بالغيرة من شقيقتها، وتقاوم غضبها بأن تأكل وتأكل وتنام، تزداد إحباطاً، فتزداد وزناً، وتثقل عليها التعليقات السلبية الإضافية على وزنها المتزايد، فيزداد أكثر، خلال عامين وصل وزنها 140 كيلو غراماً.

"بادوخ من المشي في الصالة لأنها ضيقة، لكن أهون برضو من اللي بيحصل لي لو مشيت في الشارع، أتعرض لتعليقات بذيئة بسبب وزني الزائد، وأوفر من اشتراك الجيم، بسبب ظروفنا المادية"

خطبت شقيقتها، واستعدت للزواج، وازداد الضغط على مروة، وعزمت على بدء نظام غذائي لتقليل وزنها، وصفت لها الطبيبة نظاماً غذائياً غنياً بالبروتينات، وطلبت منها أن تمشي ساعة يومياً أو تذهب لصالة ألعاب رياضية، التزمت جزئياً بالنظام الغذائي، ولكنها قللت كمية البروتينات لأقل من النصف لتتناسب مع إمكانيات أسرتها المادية.

ولكن الجزء الصعب أيضاً، كان الالتزام بممارسة الرياضة يومياً، تقيم مروة، بمنطقة شعبية بمدينة طنطا، ويعرضها الخروج للمشي لكم لا نهائي من التعليقات البذيئة والمسيئة على جسدها، واضطرت بالنهاية لممارسة المشي داخل شقتها، تقول:"بادوخ من المشي في الصالة لأنها ضيقة، لكن أهون برضو من اللي بيحصل لي لو مشيت في الشارع، وأوفر من الجيم".

تعاني من نقص الهيموجلوبين بالدم المعروف بالأنيميا، وشعور دائم بالهزال والإعياء.

نجحت مروة، في التخلص من 20 كيلو غراماً من وزنها الزائد، ولكنها تعاني مع عدم قدرتها على المشي بحرية، وتعاني من نقص الهيموجلوبين بالدم المعروف بالأنيميا، وشعور دائم بالهزال والإعياء، فسرته طبيبتها بعدم التزامها بتناول الكميات الموصوفة من الطعام.

لا تعرف مروة، إن كانت ستستطيع المواصلة رغم مشكلاتها الصحية والمجتمعية، تضيف لرصيف22: "أكل الريجيم محتاج ميزانية لوحده، وأنا مش باشتغل، ومش هاطلب من بابا فراخ أو سمك كل يوم وتونة وتفاح، منقدرش عالمصاريف دي، يظهر الرشاقة للأغنياء، لكن مبسوطة إني خسيت، وهاحاول أكمل، لكن أنا تعبانة ومرهقة".

انتقد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، تصاعد معدلات السمنة في بلاده، وقال في تصريحات سابقة:"اللى عندهم وزن طبيعى وما دون 25 % والباقى فوق الوزن أو سمنة مفرطة، دا كلام؟.. دا بيتحول لأمراض تؤذى الناس، وتصبح عبء على القلب وأجهزة الجسم والمخ، وقد يصاب المواطن بجلطة".

التكلفة المرتفعة حرمتني من وزني

كان علي (18 عاماً) صاحب وزن مثالي حتى مراهقته، ولكنه بدأ التهرب من مشكلة عاطفية، وتأخره بالدراسة، ويعوضها بحالة من النهم، يتناول فيها كل ما يجده أمامه حرفاً لا مجازاً، ليتصاعد وزنه من 80 كيلو إلى 130 كيلو غرام، وهو لم يعبر العشرين بعد.

زاد من أزمة علي، طالب في التعليم الفني المتوسط، ويسكن في الجيزة جنوب العاصمة، التعليقات التي تطلقها أسرته باستمرار، وسوء المعاملة، يقول لرصيف22: "والدتي كانت بتخبي الأكل مني، ودايماً تحرجني وإحنا بناكل، كفاية أكل مش شايف نفسك.. بطلت آكل معاهم، وبقيت آكل أكتر من الأول مش قادر أبطل أكل، لحد ما وصلت 165 كيلو".

"كفاية أكل مش شايف نفسك".

يجد علي، صعوبة في كل شيء، يتم إحراجه في المواصلات بتعليقات من بعض الركاب، وإجباره على حجز مقعدين، يشتري ملابس تناسب وزنه بصعوبة بالغة، يتهرب منه أصدقائه وزملائه.

احتوته غرفته أكثر، وبالطبع المطبخ والثلاجة: "مكنتش بلاقي حاجة أعملها، ولا حد أكلمه، فكنت أعمل أكل وآكل، ولو مش عايز برضو باكل ولو عيش حاف".

قرر علي أن يوقف تراكم الدهون في جسده، فهو لا يقوى على صعود سلالم أو بذل جهد، ولا يفعل شيئاً سوى النوم، كما أن إحدى زميلاته تعامله بلطف يلمس قلبه، ذهب لطبيب تغذية، وضع له نظاماً غذائياً يعتمد على تقليل السعرات التي يحصل عليها، والتركيز على البروتين الحيواني، والفاكهة، والخضروات، وتقليل النشويات، كما طلب منه الاشتراك بصالة ألعاب رياضية ليحصل على نتائج أفضل.

كانت أسرة علي سعيدة بقراره، ولكن فاتورة شهر من تكاليف نظامه الغذائي، واشتراك صالة الألعاب الرياضية كانت كفيلة لتفقدهم حماسهم، يحتاج الشاب نصف دجاجة يومياً، أو سمكتان للغداء، وتونة أو دجاج أو بيض للعشاء، وفول وجبن وخبز كامل الحبة للإفطار، وبينهم فاكهة وخضروات.

تتكون أسرة علي من أب وأم وثلاثة أخوة، يعمل الأب مدرساً، ولا يمكنه تغطية تكلفة نظام ابنه الغذائي، مضافاً إليه ألف جنيه شهرياً (ما يقارب 75 دولاراً) لاشتراك صالة الألعاب الرياضية، فأبلغ ابنه أن يبحث عن نظام أقل تكلفة، ولكن الطبيب رد بأن البروتين ضروري ليتخلص من وزنه الزائد، ويحافظ على صحته.

توقف علي في النهاية، بعد أن قال والده له: "اقفل بقك وانت تخس، أنا ما أقدرش ع المصاريف ده كلها".

تبلغ نسبة الفقر في مصر، 29.7%، وفقا لنتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019-2020، أما متوسط الدخل الشهري للأسر المصرية فيبلغ 5700 جنيه (360 دولاراً).

لا يعرف علي، راتب والده، ولكنه يعتقد أنه أقل من المتوسط الشهري الذي أعلنه البحث السابق، ولكن إذا قررنا اعتماده كأجر متوسط، فيكون نصيب كل فرد من أسرة علي 1140 جنيها، لتغطية تكلفة السكن والخدمات والتغذية والانتقالات والتعليم والعلاج، وهو ما يقدم تفسيراً أكبر لموقف الوالد، الذي اضطر لدفع نصف راتبه تقريباً ليتحصل نجله على نظام غذائي صحي ورياضي يساعده على فقد الوزن.

"الفقر سبب السمنة"

يعلق رامي صيام، مدير تكلفة أغذية ومشروبات: "قطاع كبير من الأسر المصرية يحكمها عوز اقتصادي، يضطرهم للجوء لهوامش الطعام، أو الأغذية فقيرة القيمة الغذائية، عالية السعرات، وهو ما يتسبب في زيادة الوزن بشكل كبير، وكذلك الإصابة بالأمراض".

يشير صيام، إلى أن معظم الأنظمة الصحية تحدد حاجة الشخص اليومية من البروتين بـ 200 غرام، وهو ما يتكلف وحده شهرياً 1000 جنيه للفرد الواحد، وعند حسابها بعدد أفراد الأسرة، وربطها بقيمة الدخل، تتضح جذور مشكلة سوء التغذية التي يعاني منها كثيرون.

وأوضح صيام، أن اللجوء للنظام النباتي مثلاً، للهروب من تكلفة البروتين لن يكون فعالاً، لأن مكونات النظام النباتي الصحي أيضاَ مكلفة، لحاجتهم لبذور وحبوب غنية بالبروتين، وزيوت طبيعية، وجميعها عناصر مرتفعة التكلفة أيضاً.

"المكرونة بتشبع"

شيماء، هي نموذج لما يفعله الفقر بالجسد، تعاني الشابة العشرينية من نقص الهيموجلوبين بالدم، والمعروف بالأنيميا، والسمنة المفرطة حيث يتجاوز وزنها 120 كيلوغرام.

تعرف شيماء الآن السبب وراء زيادة وزنها وجميع شقيقاتها: "كنا بناكل كميات من الخبز أو الأرز أو المكرونة عشان نشبع، وكانت البطاطس صديقة الفقراء طبقنا اليومي، نأكلها مقلية مع مكرونة أو مطبوخة مع أرز أو مهروسة مع الخبز، طبعا لازم نتخن، ولكن ده اللي كان متاح".

تواصل شيماء، دراستها الجامعية حيث تنتقل من قريتها بصعيد مصر لتقيم بالمدينة الجامعية لجامعة القاهرة في فترة الدراسة، وفاجأها أنهم يقدمون لهم اللحوم والدجاج والبيض والخضروات المطبوخة بشكل شبه يومي إلى جانب الأرز، وبدأ وزنها في الانخفاض ببطء ودون تخطيط، وأدركت أن نظام أسرتها الغذائي هو السبب في زيادة وزنها.

"الفقر مش عيب لكن اللي بيعمله فينا وفي صحتنا هو اللي عيب، وإن الحكومة تتفرج علينا وإحنا مش لاقيين ناكل، وبنسد جوعنا بأي حاجة، وبعدين يتريأوا علينا عشان تخننا هو العيب"

تقول شيماء: "الفقر مش عيب لكن اللي بيعمله فينا وفي صحتنا هو اللي عيب، وإن الحكومة تتفرج علينا وإحنا مش لاقيين ناكل، وبنسد جوعنا بأي حاجة، وبعدين يتريأوا علينا عشان تخننا هو العيب".

تحاول شيماء، إقناع أسرتها بتغيير نظامها الغذائي، ولكن عدم توفر إمكانيات مادية لاستبدال المكونات غير المفيدة، والتي تسبب السمنة بأخرى مفيدة وصحية أكثر، يتركها عاجزة في مواجهة ما اعتادته الأسرة من امتلاء محدود التكلفة.

يقول برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، إن مصر تواجه مجموعة من التحديات الإنمائية طويلة الأمد، بما في ذلك الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، فوفقاً لمؤشر الجوع العالمي لعام 2019، تحتل مصر المرتبة 61 من أصل 117 دولة، وتظل القدرة على تحمل تكاليف الغذاء ونوعيته وسلامته من أكثر التحديات إلحاحاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard