لماذا أحببنا سمير غانم كل هذا الحب

الخميس 27 مايو 202111:34 ص

ماذا نريد أكثر من أن نعمل ما نحب بالطريقة التي نريدها، نستمتع بشبابنا قبل مسؤوليات الزواج، نتزوج من نحب، لا نكترث لأي آراء أو انتقادات، ولا نضطر للدخول في معارك، أو اتخاذ مواقف مجانية من أجل الغير، وبعد كل ذلك ننجح على المستويات كافة؟

لكن حتى تلك الأحلام البسيطة، التي هي في الأصل حقوق غير معترف بها في عالمنا العربي، لم تعد في استطاعتنا. فتحت وطأة "أكل العيش"، نضطر لعمل المتاح. وتحت نظرية "أربط الحمار مطرح ما يحب صاحبه"، لا ننجز شيئاً بطريقتنا. وبسبب اعتبارات السن، يتخلى البعض عن الحب مقابل الزواج. وكي ننجح بأي طريقة، نخوض المعارك ونتخذ مواقف مجانية لإرضاء الغير.

لن أتحدث اليوم عن سمير غانم، الموهبة الاستثنائية في الفن، ومؤسس فلسفة الـ"ولا حاجة". بل سأتحدث عن البطل الذي خاض أقوى المعارك التي يمكن أن يخوضها إنسان، معارك الخروج عن "نص الحياة" لتأسيس نص خاص به. أول تلك المعارك التي خاضها غانم مبكّراً، هو تركه كلّية الشرطة من أجل فعل ما يحب. فتخلى عن كل ما يمنحه لقب "ضابط" من مكانة اجتماعية ومالية، وبدأ مسيرته الفنية في كلّية الزراعة. وهي مسيرة امتدت منذ أوائل ستينيات القرن الماضي إلى ما قبل وفاته بأسابيع قليلة.

سمير غانم لم يتراجع، ولم يكترث بالمقارنات التي تضعه في ذيل قائمة نجوم جيله، أو تصف فنّه بـ"التافه"

وخلال هذا المشوار الفني، لم يخضع سمير غانم لمتطلبات "أكل العيش"، فظل مصمماً على فعل كل شيء بطريقته. لم يهادن من أجل فرصة هنا أو هناك، فاستمر في الخروج عن النص -وهو أمر يرفضه كثيرون من المخرجين- وقبول الأعمال التي يحبها بعيداً عن المضامين، والنظريات الفنية المضمونة النجاح.

المتتبع لهذا المشوار سيُدرك أيضاً كم كانت التحديات كبيرة، فتقديم لون جديد من الكوميديا ليس بالأمر السهل. والخوف من المقارنات يجعل بعض النجوم يتراجعون، لكن سمير غانم لم يتراجع، ولم يكترث بالمقارنات التي تضعه في ذيل قائمة نجوم جيله، أو تصف فنّه بـ"التافه". ظل يقدّم ما يريده رافضاً أن يُصنَّف، أو أن يكون هناك "كاتالوغ" للبطل الفني.

إلى جانب معركة فعل ما يحب بالطريقة التي يريدها، خاض سمير غانم معركة أخرى تتعلق بالزواج. فبعد زيجتين لم تستمر كل منهما أكثر من أسابيع قليلة، ظل الفنان الراحل من دون زواج حتى تخطّيه سن الأربعين حاملاً لقب "أشهر عزبٍ في جيله". وعلى الرغم مما ردده من أنه أراد أن يكمل حياته عزباً. لكنه في رأيي كان ينتظر الحب، الذي وجده مع دلال عبد العزيز التي تزوجها، وعاشا قصة حب استمرت حتى آخر يوم. قد يظن البعض أن تلك المعركة سهلة ولا تستحق أن تُذكر. لكنها تكمل صورة سمير غانم، ورفضه للمفروض. فلم يتزوج لمجرد تكوين أسرة، ولم يستمع إلى نصائح الأصدقاء، أو يضعف أمام رغبة الأهل في رؤية أنجاله، وهي عوامل دفعت الكثيرين لسلوك طرق لا يريدونها. وبسبب تلك المقاومة، استطاع أن يعيش فترة طويلة تمتع فيها بكل مميزات العزوبية.

وعلى الرغم من أن البعض قد يظن أن عدم اتخاذ سمير غانم لموقف سياسي بعينه، أمر سهل، لكنه ليس كذلك في بلد يضع الفن دائماً تحت الحراسة، ويطلب من الفنانين الدعم المستمر من أجل عدم التضييق عليهم. استطاع هو أن يهرب من هذا الفخ من دون دعم سلطة هنا، أو زعيم هناك، إلى جانب عدم دخوله في مشاجرات مع زملاء، أو في ضغائن فنية.

خلال معاركه التي خاضها ضد "النصوص المعدّة"، خسر مخرجين كثراً رفضوا عدم التزامه بالنص. ضاعت فرص من يديه، فظل في نظر الكثير من النقاد، ولفترة طويلة، مجرد "مضحكاتي"

لهذا كله أحببنا سمير غانم. ليس بسبب فنه العظيم فحسب، فهو في نظرنا الرجل الذي عارك الحياة وانتصر عليها. رفض المفروض، وعمل بطريقته، وتزوج حين أحب، وتعالى على المعارك، فلم يتشاجر مع زميل من أجل "دور"، ولم يطعن في أحد بدافع الغيرة، وظل محافظاً على روحه من الاستنزاف، فلم يقدّم مواقف مجانية.

سمير غانم بطلنا، لأنه علّمنا أنه ليس هناك وصفة للنجاح نحققها من خلال أدوار أو أشخاص بعينهم. فخلال معاركه التي خاضها ضد "النصوص المعدّة"، خسر مخرجين كثراً رفضوا عدم التزامه بالنص. ضاعت فرص من يديه، فظل في نظر الكثير من النقاد، ولفترة طويلة، مجرد "مضحكاتي"، فتأخرت نجوميته قليلاً.

لكنه انتصر على كل ذلك في النهاية، وأبدع في المسرح فصار ملكه، وفي السينما صار مدرسة يصعب الانتماء إليها، وفي التلفزيون بقيت أعماله خالدة، وتزوج وأحب وظل حراً حتى آخر يوم في حياته.

ببساطة، سمير غانم بالنسبة إلينا، هو من فعل كل ما حلمنا به، وعجزنا عنه، حتى ظنناه مستحيلاً. فقدّم هو مثالاً حياً ليظل بطلاً في أعيننا، ويقول لنا بين الحين والآخر: ارفضوا كل النصوص المعدّة، واصنعوا نصكم الخاص.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard