نحن لنا ذكرى ثورة... وللأسد ولاية جديدة

الاثنين 24 مايو 202102:52 م

غالباً ما تعتمد المسلسلات الرخيصة على فكرة تسخيف جميع الممثلين، وإظهارهم في هيئة رجال ضعفاء قليلي الذكاء والحنكة، عديمي الخبرة الحياتية، وأحياناً في أشكال قبيحة لتلمع صورة البطل القوي الذي يهابه الجميع؛ الوسيم الذي تحلم به الفتيات، والذكي الذي ليس ذكاؤه إلا انعكاساً لغباء قُدّر لباقي الشخصيات في العمل. لعلّ هذه النصوص البدائية والضعيفة، هي الوصف الأدق والمثالي للعرض الانتخابي في سوريا، فيكون بشار الأسد البطل المخلّص بين زحمة الكومبارس، ونحصل على نص رخيص، بتمويل خيالي للإنتاج. والتمويل هنا لا يعني تكلفة مادية، بل يعني رجالاً ونساء من لحم ودم يحولهم/ ن النظام إلى أداة تظهر من خلالها قوة وكفاءة بشار الأسد ونظامه.

خمسون طلباً للترشيح عدا طلب بشار الأسد. رقم كبير لكنه لا يتطلب منا عناء البحث؛ لأنهم مجرد دمى يحرك خيوطها النظام السوري. وفي عملية بحث سريعة ستعرف: أحدهم كان عضواً في مجلس الشعب في ظل حكم الأسد، وآخر في ظل حكم أبيه. وغير هذا وذاك، ثمة من يعلن خبر ترشيحه على فيسبوك بصورة يثني فوقها على الديموقراطية في سوريا "الأسد". هذا الفعل طبيعي ومنطقي في بلاد اللا منطق؛ ففعل الترشيح غايته أولاً تلميع صورة النظام الحاكم أمام من بقي من مواليه، وثانياً أن يقول القائد للمجتمع السوري انظروا من أنتم، وانظروا إلي، لا وليّ لكم سواي. أما في حال رغبنا في البحث عميقاً ومطولاً، فسنجد أسماء لشخصيات مجهولة لم نسمع بها من قبل، ولا نعرف عنها شيئاً، ليكون العرس الديموقراطي عرساً يشوبه الغموض، وفي أحسن الأحوال يكون الأمر أشبه بنكتة شعبية حين تجد أن أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية هو "أدمن" لصفحات على الفيسبوك، وكأن ما يحتاجه الشارع السوري اليوم هو التسويق لهذا النصب.

فعل الترشيح غايته أولاً تلميع صورة النظام الحاكم أمام من بقي من مواليه، وثانياً أن يقول القائد للمجتمع السوري انظروا من أنتم، وانظروا إلي، لا وليّ لكم سواي

الجدير بالذكر أنه سواء أقُدّم خمسون طلب ترشيح، أم مئة طلب، فسيكون الناتج نفسه. ولا أقصد هنا بقاء الأسد في الحكم، إنما الكذبة الدستورية التي نعيشها. فدستورياً، من أجل قبول طلبات الترشيح رسمياً، يتعين على كل مرشح أن ينال مباركة 35 عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب الذي يتمتع حزب البعث الحاكم بالأغلبية الساحقة فيه، عدا عن حلفائه من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي لا خيار لها سوى الحاكم المخلّص، إلى درجة أن أحد الأحزاب تنكّر لطلب ترشيح أحد أعضائه، فنعود إلى دوامة الخدعة الديموقراطية المتنكرة بقناع الدستور.

قد يتساءل كثيرون هنا كيف يتعامل بشار الأسد مع كل ما يجري حوله. وربما تكون بعض الإجابات غير مقنعة للبعض، لكنها سوريا. فاليوم، جُل ما يسعى إليه من يمثل السلطة الرئاسية، هو خفض الأسعار، والحفاظ على سمعة الليرة السورية من الانهيار، ومراقبة المواد التموينية الأولية. وكل هذا عن طريق شلّ الحركة في السوق. وبغضّ النظر عن كون كل ما سبق حاجات بديهية لأي مواطن ومواطنة، إلا أن البديهيات في سوريا تحتاج إلى حاكم يتحول إلى مراقب تمويني، تاركاً الدستور في درج مكتبه.

تقول الأسطورة إنه وبحسب دستور 2012، لا يحق للرئيس أن يُرشّح نفسه لأكثر من ولايتين، لكن هل سيعجز مَن غيّر الدستور مرتين -ليكون على مقاسه- عن تغييره لمرة ثالثة؟

وهنا نذكر أنه بعد وفاة القائد الأب، تم تعديل الدستور في ليلة وضحاها، ليكون شرط عمر الترشيح للرئاسة من 34 إلى 40، بعد أن كان 40 عاماً، ليعود الشرط في دستور 2012، بعدما كبر الابن، إلى وضعه الطبيعي قبل التعديل.

من جهة أخرى، عجزت العصابة نفسها عن إضافة تاء تأنيث واحدة إلى الدستور، وتحديداً في المادة 84 التي تحدد الشروط الواجب توافرها في المرشح للمنصب الرئاسي، لنجدها اقتصرت فقط على طرح صيغة المذكر، وأكدت على ذلك في البند الرابع الذي جاء فيه: "ألّا يكون متزوجاً بغير سورية".

أما نحن؛ مَن حلمنا طويلاً بالحرية، بسوريا من دون الأسد، فليس لنا إلا أن نذهب إلى أبعد من ذلك: الإنكار والإحباط. فنحن لنا ذكرى ثورة وللأسد ولاية جديدة

ألم تكن تلك الإشارات كافية لسبع نساء أو أكثر، ليتراجعن عن فكرة تقديم طلب الترشيح، أم أنه مشهد آخر من فيلم الحريات الذي نشاهده مجاناً، وتأخذ المرأة فيه دوراً هزيلاً مسيئاً إلى المرأة السورية؟ لا بل يذهب إلى ما هو أقذر من ذلك، فيكرّس فكرة عدم أخذ النساء على محمل الجد، حين لم تتطرق فاتن النهار، إحدى المرشحات، للحديث عن برنامجها الانتخابي الذي سينهض بالمرأة، بل وفرّت طاقتها وجهدها لتتحدث عن مدى تعاون الرئيس الحالي ونزاهته. وبدل أن تضع برنامجاً انتخابياً، وضعت خطة للمهاترات الفارغة على مواقع التواصل الاجتماعي، وخصصت وقتاً لتحكي عن مقابلتها مع القائد في قاعدة حميميم، والذي قال لها فيها إنه لا مانع لديه من تسليم السلطة في صناديق الاقتراع.

مع التضييق الأمني الشديد الذي نعيشه داخل سوريا، والذي يتزامن مع استعراض الانتخابات كحدث فانتازي، يلجأ معظم رواد "السوشال ميديا" إلى تداول النكات التي انتشرت عن مشاركة المرأة في العمل السياسي في ظل غياب العمل السياسي أصلاً، أو ترشيح شبيحة النظام لدعم نزاهة النظام وديموقراطيته بشكل موارب، وغيرها من النكات و"الميمز" عن مفاجأة الشعب بتقدم الأسد بطلب الترشيح. وكل ذلك لتخفيف وطأة هزيمة الثورة المُقنّعة بولاية جديدة للقائد.

يكفي اليوم أن تمشي في أي شارع عشوائي في دمشق، لتجد نفسك محاصراً بصور القائد المفدّى، فتكتمل مسرحية الحملة الانتخابية، وكأنه بحاجة إلى برنامج انتخابي، أو كأن أحداً منا يملك حرية الاختيار، لتسوّل له نفسه أن يكتب اسم أبيه على البطاقة الانتخابية.

أما نحن؛ مَن حلمنا طويلاً بالحرية، بسوريا من دون الأسد، فليس لنا إلا أن نذهب إلى أبعد من ذلك: الإنكار والإحباط. فنحن لنا ذكرى ثورة وللأسد ولاية جديدة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard