حسم رسمي وحيرة شعبية... خريطة زمنية لبروز موقف مصر من الاعتداءات على غزة

الأربعاء 19 مايو 202106:33 م

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس الثلاثاء 18 مايو/ آيار، قرارين متعلقين بفلسطين المحتلة، أحدهما عزم مصر تقديم 500 مليوم دولار لإعادة إعمار غزة على أن تقوم شركات مصرية بعمليات إعادة الإعمار المتفق عليها. إلى جانب التوجيه بمساهمة الدولة المصرية في تدريب كوادر من الشباب الفلسطيني على القيادة السياسية والإدارية عبر أكاديمية تدريب الشباب، التي خرجت مجموعة من الكوادر السياسية الشابة "الواعية بمتطلبات الامن القومي" في مصر والذين انضوى معظمهم في مجموعة "تنسيقية شباب الأحزاب" الناشطة في البرلمان المصري الحالي. وأتي ذلك بالتزامن مع إعلان الصحف العبرية عن الاستعداد لوصول وفد استخباراتي مصري إلى تل أبيب في الداخل الفلسطيني المحتل للتفاوض على هدنة بين قوات الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر.

احتفى معارضون للرئيس عبدالفتاح السيسي عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بالتحركات، وإن أعربوا عن حيرتهم من التحول الشديد في الموقف المصري، الذي بدا "متخلياً" خلال السنوات القليلة الماضية عن الطرف الفلسطيني في النزاع. ولم ترتفع اللهجة المصرية إلا بعد دخول صواريخ المقاومة على خط الأحداث.

هذه الأخبار جميعها توجت موقفاً مصرياً أثار حيرة المصريين أنفسهم بعد سنوات سبع من تبني الدولة وإعلامها خطاباً مهادناً لدولة الاحتلال، ومعادياً للفصائل الفلسطينية في غزة وعلى رأسها حركة حماس، التي سبق للدولة تصنيفها منظمة إرهابية قبل رفعها من قوائم الإرهاب في 2017، بعد عام تقريباً من إعلان حماس لمراجعاتها في مارس/ أذار 2016 والتي أعلنت خلالها انفصالها عن جماعة الإخوان المسلمين.

 حسم الدولة

 في العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة، يظهر أن رد الفعل الرسمي في مصر يقترب من الغضب الشعبي ومريح للشارع، من دون أن يكون هناك الضغط الشعبي المعتاد الذي ظهر أيام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وفي السنوات التالية حتى 2013 في شكل مظاهرات داعمة للمطالب الفلسطينية غالباً ما قادتها حركات اليسار إلى جانب الناصريين والإخوان المسلمين، وإن كان لكل منهم خطاب ومنطلقات مختلفة عن الآخرين.

في العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة، يظهر أن رد الفعل الرسمي في مصر يقترب من الغضب الشعبي ومريح للشارع، من دون أن يكون هناك الضغط المعتاد الذي ظهر أيام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وفي السنوات التالية حتى 2013 في شكل مظاهرات داعمة للمطالب الفلسطينية

وترجمت الدولة المصرية في خطاب دبلوماسي وسياسي لم يعن بمخاطبة الداخل بشكل مباشر ما خلا خطبة الجمعة الماضية، يوم 14 مايو/ أيار، وصارت خطبة الجمعة تحت سيطرة الدولية كلياً منذ القرار الوزاري بتوحيدها في جميع مساجد الجمهورية الصادر في 2016.

واهتمت الدولة بتوجيه الخطاب مباشرة إلى تل أبيب بوقف اعتداءاتها على قطاع غزة والتهديد بتجميد بعض الملفات المشتركة، إلى جانب مخاطبة المجتمع الدولي عبر اتصالاتها وكلمة وزير الخارجية المصري الموجهة لمجلس الأمن الدولي وتقديم المساعدة المباشرة للفلسطينيين من خلال الإمدادات الطبية والغذائية وفتح مستشفيات مصر أمام الجرحى والمصابين جراء الاعتداءات الإسرائيلية في قطاع غزة.

 خريطة التحركات المصرية

 في 11 أيار/مايو الحالي، ألقى وزير الخارجية سامح شكري كلمة أمام جامعة الدول العربية وصف فيها الفلسطينيين بـ"الأخوة الذين يخوضون معركة وجود في الدفاع عن المقدسات والهوية". ومنذ ذلك الحين صدرت عنه عدة تصريحات مماثلة أمام مجلس الأمن ووسائل الإعلام الأجنبية التي هاجم فيها إسرائيل بقوة.

 في 12 أيار/مايو، أعلن وكيل وزارة الصحة في شمال سيناء عن استعداد مستشفيات شمال سيناء لاستقبال الجرحى الفلسطينيين جراء العدوان الإسرائيلي، وانتشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي لتحرك سيارات الإسعاف نحو معبر رفح.

 ويوم الجمعة 14 أيار/مايو، ألقى رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أحمد عمر هاشم، خطبة عن القدس في جامع الأزهر، على الهواء مباشرة في التلفزيون المصري، ليعلن أن "ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة"، ودعا إلى تشكيل قوة إسلامية.

 في 17 أيار/مايو، تم الإعلان عن فتح معبر رفح، وظهرت صور لنقل الجرحى وعبور العالقين، وصور سيارات تحمل مساعدات تتجه إلى داخل قطاع غزة المحاصر عليها صورة الرئيس المصري.

وفي اليوم ذاته عرضت وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد على رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خطة دعم مصابي قطاع غزة، وعملية إجلاء واستقبال المصابين الفلسطينيين إلى المستشفيات المصرية.

وأعلنت  وزيرة التضامن نيفين القباج، ونائب رئيس مجلس إدارة الهلال الأحمر المصري، أن الهلال الأحمر المصري على تواصل لحظي ومستمر مع نظيره الفلسطيني، لتقديم التجهيزات الطبية والمساعدات الإغاثية والإنسانية.

 وفي 18 أيار/مايو، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تقديم مصر مبلغ 500 مليون دولار لإعادة إعمار قطاع غزة من خلال شركات مصرية بعد انتهاء العدوان.

وبتوجيهات من الرئيس السيسي، أعلن مجلس إدارة صندوق تحيا مصر، عن حساب بنكي لإعادة إعمار غزة ودعم الاحتياجات المعيشية والطبية للفلسطينيين. وزار وفد من نواب "تنسيقية شباب الأحزاب" السفير الفلسطيني في القاهرة للتعبير عن دعمه، وأعلنت وزارة الأوقاف عن تبرعها لقطاع غزة، وقال بيان لحزب مستقبل وطن الذي يسيطر على الأغلبية في البرلمان والمحسوب على الرئيس السيسي مباشرة إنه "مستعد لقيادة قافلة مساعدات إلى القطاع"، وخرجت بيانات مماثلة عن مشيخة الأزهر الشريف والكنيسة ودار الإفتاء.

في المقابل، احتفى معارضون للرئيس عبدالفتاح السيسي عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بالتحركات، وإن أعربوا عن حيرتهم من التحول الشديد في الموقف المصري، الذي بدا "متخلياً" خلال السنوات القليلة الماضية عن الطرف الفلسطيني في النزاع القائم على الأراضي المحتلة، خاصة أن الخطاب المصري لم يظهر قوياً مع بداية الازمة خلال محاولات سلطات الاحتلال نزع ملكية منازل أهالي حي الشيخ جراح لتسليم البيوت إلى مستوطنين إسرائيليين، ولم ترتفع اللهجة المصرية إلا بعد دخول صواريخ المقاومة على خط الأحداث.   


(المواجهات في القدس وحي الشيخ جراح قبل تصعيد الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه على قطاع غزة المحاصر) 

لماذا علا صوت مصر ضد الاحتلال؟

من جانبه، قال الباحث المصري والمحاضر في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية وقضايا الأمن الدولي أنس القصاص، إن "تغير الموقف المصري إلى هذه النبرة" يعود إلى عدة عوامل منها تغير موقف قيادة حماس، بداية من إعلان انفصالهم عن استراتيجية الإخوان، ومساعدتهم في استقرار الوضع في سيناء.

 وفي رأي القصاص، فإن التفاهمات الجديدة مع حماس بدأت، بعد وصول إسماعيل هنية إلى رئاسة المكتب السياسي، ويرجح أنه تم التوصل إلى وضع أمني وسياسي جديد، طمأن القاهرة.

 ولفت القصاص لرصيف22 إلى أن الخطاب المصري كان يسير مع الشارع المصري الغاضب من العدوان وعبر عنه، كما أن مصر وجدت فرصة في ضرب محاور التطبيع الجديدة في المنطقة التي تلعب دوراً ضد مصالح القاهرة، وأفشلت الرهان على أن الرأي العام العربي نسي هذه القضية.

ورأى الدكتور عاطف عبد الجواد الباحث في العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، أن مصر التي لها سجل طويل في العمل كوسيط لوقف النار في حروب سابقة بين إسرائيل وحماس، تمتلك هدفين من وراء هذه الوساطات، وكلاهما يخدم مصر كفاعل "جميل" بالنسبة لحماس وبالنسبة لإسرائيل.

وقال عبد الجواد لرصيف22 إن هذا الهدف المصري إلى جانب أهداف أمنية من التقارب مع حركة حماس ولعب دور الوسيط، لديها هذه المرة أهداف اخرى تتصل بالمحور الجديد الذي يتشكل بعد عداء بينها وبين تركيا وقطر.

وأضاف عبد الجواد: "نحن نعلم أن هاتين الدولتين من أكبر داعمي حماس وتشاركانها في الأيديولوجية الإخوانية. والدعم المصري لحماس وغزة في الحرب الراهنة يعكس ويستهدف تعزيز جهود المصالحة الجارية الآن بين القاهرة وكل من الدوحة وأنقرة".

وأردف: "وليس واضحاً ما إذا كان الدعم المصري يأتي نتيجة شروط تفرضها تركيا وقطر كثمن لتعزيز المصالحة، ولكن مصر مستفيدة حتى لو استبعدنا وجود هذه الشروط. مصر مستفيدة سياسياً ومالياً واقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً".

وفي 16 أيار/مايو، ناقش وزير الخارجية، سامح شكري مع نظيره القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، جهود البلدين لوقف العدوان على قطاع غزة.

  وقال عبد الجواد إن عمليات إعادة الإعمار التي قد تمولها قطر وتركيا ستكون مفيدة لمصر، كما أن هذا التنسيق يعزز جهود المصالحة بل وجهود ثني الإسلاميين المتشددين في سيناء عن مواصلة العنف داخل مصر فضلاً عن فوائد أخرى ستأتي من الأطراف المتعددة الأخرى كالولايات المتحدة".

باحث مصري: "عمليات إعادة الإعمار التي قد تمولها قطر وتركيا ستكون مفيدة لمصر، كما أن هذا التنسيق يعزز جهود المصالحة، فضلاً عن فوائد أخرى ستأتي من الأطراف المتعددة الأخرى كالولايات المتحدة".

وفي مقال نشره الصحافي الأمريكي بوبي غوش في 18 أيار/مايو في وكالة بلومبرج، قال إن عبئاً ثقيلاً وقع على عاتق مصر لهندسة وقف إطلاق النار في غزة، وكان ذلك بالنسبة لحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي فرصة لإظهار مركزية القاهرة في مسائل الخلاف الرئيسية في الشرق الأوسط.

وفي رأيه، توسطت مصر في الهدنة التي أنهت حرب غزة الأخيرة في عام 2014. ومنذ ذلك الحين، احتل ممثلون آخرون مركز الصدارة. لجأت حماس إلى قطر للحصول على المال وإيران للأسلحة وتركيا للحصول على الدعم السياسي. في الآونة الأخيرة، وجدت إسرائيل حلفاء جدداً في العالم العربي من خلال توقيع اتفاقيات أبراهام (إبراهيم) مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب".



ولفت إلى أن هناك دولاً "ذات أجندات إقليمية طموحة"، مثل السعودية وتركيا والإمارات طغت على مصر. وتحولت القاهرة إلى مرتبة الشريك الأصغر في الائتلافات العربية والشرق أوسطية، سواء في الحظر المفروض على قطر أو الحملة العسكرية في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من إيران.

وتغيرت النظرة الأمريكية لمصر أيضاً، حيث اعتبر الرئيس دونالد ترامب السيسي "ديكتاتوره المفضل"، فتعهد بايدن بأنه لن يكون هناك المزيد من الشيكات الفارغة لحكومة الدكتاتور المفضل التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل صارخ.

وأشار هذا إلى أن القاهرة لا يمكنها الاعتماد على الدعم الأمريكي لقضايا السياسة الخارجية التي تعتبرها مصر ذات أهمية وجودية، مثل الخلاف مع إثيوبيا حول سد عملاق على النيل الأزرق.

لكن الأمور بدأت في التغير بالنسبة للسيسي في الأشهر القليلة الماضية. العلاقات مع تركيا، بعد سنوات من الخلاف حول دعم أنقرة للإخوان المسلمين، آخذة في التحسن. وأصبحت مصر لاعباً محورياً في المنافسة على الموارد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط. ويواصل غوش: "إذا وجد السيسي أنه يفتقر إلى دفء بايدن، فلديه أفضل صديق جديد هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون". يذكر أن فرنسا تقدمت، اليوم الأربعاء 19 أيار/مايو، بالتعاون مع مصر وقطر بمشروع قرار للوقف الفوري لإطلاق النيران في الأراضي الفسلطينية المحتلة.

ويواصل الصحافي الأمريكي: "على الرغم من كل الدعم الذي تحصل عليه في أماكن أخرى، فإن حماس بحاجة إلى البقاء في حظوة القاهرة. مع حصار غزة من ثلاث جهات من قبل إسرائيل، فإن مصر هي صلتها المادية الوحيدة بالعالم الخارجي. وهذا يعطي مصر ما لا يملكه أي من اللاعبين الآخرين في الشرق الأوسط: علاقات مباشرة مع كل من إسرائيل وحماس، وهذا أمر حاسم لفرصها في التوسط في الصراع الحالي".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard