"سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا"... مغامرات الصحفيين/ات المصريين/ات الأوائل مع الأنظمة المستبدة

الأحد 31 يناير 202104:02 م

على مدار قرن ونصف، لم يرض عن الصحافة أي من الحكام الذين مرّوا على مصر، وإذا لقبت سنوات بـ "العجاف" فهي حينما لا تكون الصحافة حرة، وتكون وقتها صوتاً للنظام، الملكي أو الرئاسي، أو حتى للاحتلال الأجنبي.

وخلال قرن ونصف، أعاد التاريخ نفسه في مصر عدة مرات، سنوات تشبه بعضها من منع ومصادرة الصحف.

تعلو وتيرة الحريات تارة، فتصل إلى نقد الحكومات والحكام، وتنخفض تارة لتصل إلى الاعتقال، المصادرة والمنع نهائياً من الكتابة، أو إغلاق الصحف بشكل كامل.

ومن جهة أخرى، طوال تلك السنوات، كانت هناك حيل للصحفيين لنشر إنتاجهم رغماً عن المنع والمصادرة، حتى حارت السلطة في أمرهم.


"أبو الغلب" و"الواد الأهبل"

بعيداً عن الميول الفنية لـ "أبو نظارة"، يعقوب صنوع، فهو صحفي لا يرضى بمصادرة صحفه، ويبتكر الحيل لنشر إنتاجه الصحفي الذي اختاره بعناية ليكون اللون الساخر، كتابة ورسماً، ليناسب أغلب الشعب المصري الذي غلبت عليه الأمية، وكان الكاريكاتير مفهوماً للجميع، ولكن السخرية لم تعجب أي حكومة ولا حاكم، بدءاً من مجلة "أبو نظارة".

كانت الفكاهة هي الخبز اليومي للشعب بدلاً من لقمة العيش الصعبة.

يتساءل كثيرون: لماذا لا يتنازل الشعب المصري عن فكاهته وسخريته حتى في الأزمات؟ ربما ذلك، بحسب كتاب "حكايات في الفكاهة والكاريكاتير" لمؤلفه أحمد عبد المنعم، لأن مصر شهدت في ظل الحكم العثماني حالة من التردي، وساءت الأحوال الاقتصادية والعلمية والأدبية، وكانت الفكاهة هي الخبز اليومي للشعب بدلاً من لقمة العيش الصعبة، واستمرت هذه الحالة، حتى طورتها صحف هزلية مصرية، مثل "التنكيت والتبكيت" لعبدالله النديم، و"أبو نظارة" ليعقوب صنوع، محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، والتي تولى الأول إدارتها، وصدر العدد الأول منها في 5 أبريل 1877، ويعتبرها المؤلف الشرارة الأولى لوضع قواعد هذا الفن في العصر الحديث، وكان توزع وقتها أكثر من 15 ألف نسخة.

ابتكر صنوع (بحسب الكتاب) شخصيات رمزية، مثل "أبو الغلب"، يقصد به الفلاح البسيط، و"غوبار باشا" سخرية من نوبار باشا، وأطلق على الخديوي توفيق اسم "تلفيقا"، وأحياناً "الواد الأهبل"، وبسبب الأسلوب الساخر، صادرت الحكومة الأعداد الأولى من المجلة، وتم نفي صنوع للخارج، وفي فرنسا التقى مع عدد من المثقفين المصريين الساخطين على الأوضاع، وأصدر المجلة، ولجأ إلى حيلة طريفة، وهي تغيير اسمها هرباً من مصادرتها في مصر، وبذلك غير اسمها حوالي 12 مرة، منها "أبو صفارة" و"أبو زمارة" وأصدرها بـ 8 لغات مختلفة، منها الفرنسية والإنجليزية والتركية.

صنوع صحفي مشاغب، إذا أغلقت له صحيفة فتح أخرى، وإذا صودر عدد لمجلته، وزعه بطريقة سرية في علب الجبن واللبن ومع المنشورات السياسية.

وكان الناس يتناقلونها سراً، وفيما كان يظن "الأمن" وقتها أن العدد تمت مصادرته، كان يصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء في نجوع مصر، بطرق سرية ومخفية، وكان كل قارئ يفرغ من الصحيفة يهديها لآخر.

ويرصد سيرة صنوع وغيره من الصحفيين، كتابُ "الملك والكتابة" لمؤلفه محمد توفيق، يتناول الفترة منذ أوائل التجارب الصحفية مع الحملة الفرنسية على مصر، في ثلاثة أجزاء، بدءاً من عام 1789 وحتى عام 1999، ويتضمن الكتاب 500 وثيقة وغلاف، خلال 200 عام من تاريخ مصر وصحافتها، والأعداد الأولى من صحف "الوقائع المصرية، وادي النيل، المؤيد، المقطم، الأهرام" وغيرها، وأغلفة مجلات "الهلال" و"التنكيت والتبكيت".


"كل الصحف مصادرة إلا الأهرام"

"صحفيو أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت منازلاتهم مع الحكومة تشبه مباراة تنس الطاولة، فكلما أخذت الحكومة خطوة ضد الصحفيين يأخذ الصحفيون خطوة أخرى ضد الحكومة، أما في النصف الثاني من القرن العشرين فكانت تشبه مباريات الملاكمة"، يقول توفيق لرصيف22.

يُرجح توفيق مصادرة صحف صنوع وعبد الله النديم بسبب موقفهم المؤيد لثورة عرابي، فبعدها صودرت كل الصحف باستثناء الأهرام، لأنها كانت معارضة للثورة ومؤيدة للاحتلال الإنجليزي، وظلت المصادرة لحين صدرت صحفيتي "المؤيد" و"المقطم" عام 1889، "كانت 7 سنوات عجاف"، يصفهم الكاتب، مضيفاً، "تقريباً لم يكن هناك صحف سوى الأهرام".

وعن حيل صنوع وصحفيي القرن العشرين، يقول مؤلف "الملك والكتابة": "كانت صحف صنوع ترسل بالبريد، وهو ما حدث مع محمد عبده والأفغاني، حينما صودرت جريدة (العروة الوثقى)، ورغم أنها كانت ترسل من الخارج أيضاً بالبريد، لكن تمت ملاحقة من كانت تصلهم الصحيفة، وكانت توزع مجاناً، ولجؤوا إلى إرسال صحفهم مع شخص من أهل الثقة، حينما يسافر إلى مصر لتدخل معه، ويتولى توزيعها على الوسطاء بمعرفته، وكانت هناك محاولات أخرى لدخول الصحف، أما داخل مصر فكانت الصحف التي تصادر ينتهي أمرها".

تغير هذا الوضع بعد ثورة 1919، التي كانت بمثابة الباب الذي انفتح على حريات أوسع، وبالتالي لعبة مختلفة بين السلطة والصحافة، "لعبة ممتعة". يقول الكاتب محمد توفيق: "في النصف الأول من القرن العشرين، كان هناك ما يشبه لعبة التنس، من حق الحكومة مصادرة الجريدة، ومن حق صاحب الجريدة إصدار غيرها، وعلى سبيل المثال خرجت روز اليوسف بـ 3 مجلات مختلفة في شهر واحد".

"صحفيو أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت منازلاتهم مع الحكومة تشبه مباراة تنس الطاولة، فكلما أخذت الحكومة خطوة ضد الصحفيين يأخذ الصحفيون خطوة أخرى ضد الحكومة، أما في النصف الثاني من القرن العشرين فكانت تشبه مباريات الملاكمة، وكانت لعبد الناصر الضربة القاضية"

لم تيأس الحكومة من مصادرة روز اليوسف، ولم تيأس فاطمة اليوسف ومحمد التابعي من إصدارها بالشكل الساخر والمعارض الذي كانا عليه، لدرجة أن التابعي في إحدى المجلات، كتب: "هذه المجلة تصدر بدلاً من روز اليوسف صادرها بقى"، وهو، بحسب محمد توفيق، يعتبر أعلى رد صحفي على المصادرة.

في عام 1928، صدر مرسوم ملكي بمصادرة وإغلاق أكثر من 100 صحيفة، وحينما نشروا إنذار الرقيب، سخرت (روز اليوسف) من الإنذار، ونشرته في صفحتها الأولى، وبجواره مقال بعنوان: "سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا وإليك المصير".

وكتبت فاطمة اليوسف في مذكراتها آنذاك: "لقد بذل رئيس الحكومة أكثر من محاولة لإخضاع روز اليوسف لمشيئته، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل والخيبة".

ويضيف توفيق لـرصيف22: "كانت الصحف التي لها طابع هزلي تصادر، لأن السلطة لا تتحمل هذا النوع من الصحف لأنها ساخرة منها".

وصودرت لنفس الصحفيين جرائد مختلفة، فصنوع صودر له 12 إصدار، وروز اليوسف حوالي 13، وتوفيق دياب، صاحب جريدة "الجهاد"، 13 صحيفة.

كانت فاطمة اليوسف ومحمد التابعي ممن اشتهرا بمشاكساتهم للحكومة، وقاما بنهضة حقيقية للأشكال الصحفية المألوفة، وكانا يغيّران الماكيت وأسلوب المجلة في كل عدد، بسبب السرقات التي كانا يتعرضان لها، بحسب محمد توفيق.

ورغم أن روز اليوسف كانت وفدية الهوى، لكنها كانت لا تتأخر عن نقد الوفد نفسه في بعض الأحيان، وكان العقاد أكثر من سخر من الوزير محمد محمود، المشهور بوزير القبضة الحديدية –وزارة الداخلية- وكان الوزراء والمسؤولون يظهرون على أغلفة المجلات بطريقة ساخرة.


"رئيس تحرير حبس"

وعلى درب يعقوب صنوع، سار الشاعر بيرم التونسي، فأسس عدداً من المجلات بأسماء مختلفة، جميعها تنتقد الحكومة بأسلوب ساخر، مثل جريدة "الخازوق"، التي تعطلت بعد ثورة 1919، وعقب المصادرة أصدر مطبوعة أخرى للتحايل على السلطة، وهرباً من ملاحقة وزارة الداخلية، اسمها "المسلة"، وصفها بأنها "لا جريدة ولا مجلة"، في مايو عام 1919، لكن حيلته لم تفلح وصودرت في نفس العام.

من الطرق الأخرى التي كان يلجأ إليها الصحفيون للتحايل على الرقابة والتعطيل ووقف إصداراتهم، هو وجود صحف بديلة أو رخصة مؤقتة، مثل جريدة "المصري أفندي" و"الصرخة"، بحسب مؤلف "الملك والكتابة"، والتي كانت تصدر بدلاً من الصحف التي تصادر.

كما كان جزءاً من التحايل أن يكون هناك رئيس تحرير وهمي، فيأتون بشخص ليس صحفياً على الإطلاق وغير معروف للسلطة ولا للمثقفين، فيوضع اسمه كرئيس تحرير لتمرير الجريدة، وإذا صدر أمر بالحبس، يتلقى أموالاً مقابل سجنه بدلاً من رئيس التحرير الأصلي، وهو ما حدث مع عدد من الصحف والمجلات، مثل روز اليوسف، وكان يطلق عليه "رئيس تحرير حبس"، وكان القضاة يتعاملون معهم بتخفيف لأحكامهم، مثل إبراهيم منصور، الذي ترأس التحرير بدلاً من فاطمة اليوسف في فترة من الفترات.

كتبت فاطمة اليوسف عن معاركها مع السلطة في مذكراتها، والتي نقلها الباحث والصحفي رشاد كامل في مجلة "الصرخة"، وهي إحدى المجلات التي كانت تصدر منها "روز اليوسف" المجلة، وكانت مجلة بديلة، اتفقت على استعارتها من صاحبها الأديب عبد الرحمن العيسوي، مقابل 12 جنيهاً شهرياً.

وعن موقفها من المنع والمصادرة، كتبت فاطمة اليوسف: "وكان يعزيني أن مصادرة مجلتي أو إغلاقها هو العمل الثالث الذي تفرضه كل وزارة، تعطل الدستور، ثم تضع الأقفال على أبواب البرلمان، ثم تصادر روز اليوسف".

في عام 1928، صدر مرسوم ملكي بمصادرة وإغلاق أكثر من 100 صحيفة، وحينما نشروا إنذار الرقيب، سخرت (روز اليوسف) من الإنذار، ونشرته في صفحتها الأولى، وبجواره مقال بعنوان: "سمعنا وأطعنا... غفرانك ربنا وإليك المصير"

وأضافت: "كنت أواجه هذا التحدي بإصرار، كلما عطلت الوزارة المجلة، أصدرت مجلة أخرى باسم جديد، يكفي أن أذكر أن روز اليوسف في السنتين الثالثة والرابعة كان من المفروض أن يصدر منها 104 عدداً لكن لم يصدر منها سوى 42 عدداً، وصودر 62 عدداً، ولم يكن الأمر مصادرات فقط، بل تحقيقات وقضايا ووقوف في ساحات المحاكم ورحلات يومية إلى مبنى النيابة".

كانت الحكومة تصادر الأعداد بعد طباعتها وقبل توزيعها، حتى تكون الخسارة كبيرة.

بعد الثورات يتغير الحال دوماً بالنسبة للحريات، فمع ثورة 1919 جاء الانفتاح، لكن مع ثورة يوليو 1952 جاء الانغلاق، فبعد يوليو بعامين، كانت الصحف التي تصادر ينتهي أمرها، يشبهها محمد توفيق أنها بـ "مثابة الضربة القاضية في حلبة الملاكمة"، للصحف المعارضة للحكومة وللضباط الأحرار، وتعرض صحفيون عديدون للحبس، مثل إحسان عبدالقدوس، الذي كتب مقالاً ينتقدهم فيه باسم "الجمعية السرية التي تحكم مصر".


"كان الحلم واضح"

تقدر الدكتورة منى مجدي فرج، أستاذة مساعدة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، مغامرات الصحفيين/ات الأوائل، وحيلهم، وابتكاراتهم، مقارنة بالوضع الحالي، تقول: "كان الناس لديهم حلم وهدف واضح، يدافعون عنه بسبب الاحتلال، فلم يكن خير البلد لشعبها، وكنا نحارب عدواً ولدينا قضية عادلة، كل هذا بجانب وعي الناس بدور الصحفي في المجتمع".

لم ترض أي سلطة عن الصحافة طوال القرن الماضي، تؤكد منى، وتضيف: "الصحافة والصحفيون على مر التاريخ دائماً في صراع مع السلطة، نتيجة لحرية التعبير، وهامش الحرية ذاك يضيق أو يتسع حسب وعي المجتمع، مستوى تعليمه، قدرة الناس على المطالبة بحقوقهم، مدى قدرة النظام السياسي على استيعاب الاختلاف ونظرته لدور الصحفي في المجتمع".

لكن تغيرت الأوضاع للأسوأ خلال الأعوام القليلة الماضية، تضيف منى لرصيف22: "للأسف الشديد، حالياً بعد ثورة يناير كنا نطمح لتحقيق حلم ما، وأن تكون الصحافة سلطة رابعة، لكن بعد النكسة التي حدثت بعد الثورة ضاع هذا الحلم، ما أحبط المواطن والصحفي بوجود تغيير يستحق التضحية، وبالتالي اعتكف كل شخص "صحفي" على نفسه، وأصبح يفكر في دائرته المقربة وتأمين حياة أسرته".

لكنها ترجح كذلك سبب تدهور "مقام" الصحافة الحرة في تأدية دورها إلى "الخمول والاستسلام الذي أصاب الإبداع الصحفي والإعلامي، هو نتيجة تغييب الوعي والخوف والكسل لدى الصحفيين".

يرفض خالد البلشي صحفي، مصري ورئيس لتحرير أحد التجارب الصحفية المستقلة، اتهام الجيل الحالي من الصحفيين بـ "الخوف والكسل"، مدللاً على ذلك بما قضاه، خاصة خلال العشرين عاماً الأخيرة من حياته، مؤسساً لتجربة صحفية أو مشاركاً في تأسيسها، ثم سرعان ما يغلقها "الأمن"، مثل "الوادي، البديل، البداية، الدستور، النهار، الكاتب" وغيرها، بعض هذه التجارب كانت يتم حجبها بعد ساعات فقط من إصدارها، مثل "الكاتب" التي حجبت بعد 9 ساعات فقط من إطلاقها.

"لكل جيل ظروفه الخاصة".

يقول البلشي لـرصيف22: "اتهام الصحفيين بالكسل والخوف بهذا التعميم هو اتهام ظالم، كما أن إضفاء صفة القداسة على الأجيال السابقة من الصحفيين ظالم أيضاً، فلكل جيل ظروفه الخاصة، الأمر ليس المثابرة والإصرار فقط، فلو على ذلك، هناك تجارب صحفية عديدة ناجحة، لكن الأمر له أبعاد أخرى، مثل سقف الحرية الحالي والمحتوى المقدم، مقارنة بعدد الصحفيين الممارسين للمهنة".

كما يرى أن "المثابرة في هذه الأوقات ندفع أثمانها كصحفيين"، قائلاً: "نحن مشتاقين لعمل صحافة، ولن نتوقف، ونحاول طوال الوقت أن نجد حلولاً لنخرج للناس ونكتب، رغم أنف المصادرة والمنع والحجب، مكسبنا الحقيقي هو أن نواصل الكتابة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard