حسرة لبنانية على "فترة ذهبية"

الخميس 20 مايو 202111:37 ص

اعتاد الناس ربط جميع الذكريات والعواطف بزمان معيّن. إذا أخذنا المجتمع اللبناني مثالاً، نعلم أن عام 2005 مرتبط باغتيال الرئيس رفيق الحريري، والـ2006 بحرب تموز، والـ2020 بجائحة كورونا... ولكل فرد أيام يتحدث عنها: أيام الطفولة، أيام الشباب، أيام الدارسة، وأيام الحرب الأهلية...

تختلف نفس الذكريات من شخص إلى آخر، ففي الوقت الذي تُشعر البعض بالسعادة، تُتعس البعض الآخر. لكن هناك شبه إجماع لبناني على السعادة والراحة التي كان يعيشها معظم أفراد هذا الشعب، أيام كان سعر الدولار ثابتاً، ويعادل 1500 ليرة لبنانية، إجماع شبيه بالإجماع اللبناني على أهمية وضع دبس الرمان في صحن الفتوش.

خسر المجتمع اللبناني فترة يعتبرها الآن ذهبية. صارت اليوم من الماضي، ولم يكن يعرف سابقاً أنه قد يتحسّر عليها. يترحم اللبنانيون عليها، ويستذكرون حسناتها، ثمّ يرددون "الله يرحم أيام الـ1500". انقضت تلك الأيام الجميلة، ولم يتبقَّ منها سوى الذكريات، كما هي الحال مع "أيام الزمن الجميل"، ذكريات مثل أغنية "بوس الواوا" وأخواتها.

الحفلات الفنية

لبنان بلد صغير على الخريطة الجغرافية، إلا أنه كبير ومهم على الخريطة الفنية العالمية. لذلك، وعلى مدى سنوات طويلة، اجتذب مشاهير العرب والأجانب لإقامة حفلات فنية ومسرحيات. توزعت المهرجانات الصيفية في مختلف المدن، ساحلاً وجبلاً، ومن الشمال إلى الجنوب: مهرجانات بعلبك الدولية، حيث غنّى عمالقة الفن، وقدّمت فرق فنية أعمالاً مهمة من المسرح إلى الرقص، ومهرجانات بيت الدين، القبيّات، إهدن، صور، بيروت، وغيرها الكثير.

بعض الفنانين واظبوا على المشاركة كل عام في المهرجانات اللبنانية، مثل القيصر كاظم الساهر، وسلطان الطرب جورج وسوف، وغيرهم. للتذكير أيضاً، لوتشيانو بافاروتي أقام حفلاً في بيروت احتفاءً بالانتعاش اللبناني على المسرح العالمي بعد الحرب الأهلية، وحضره 20 ألف شخص أتوا من بلدان بعيدة، وكانت تلك الحفلة الوحيدة للمغنّي في الشرق الأوسط. واللائحة تطول، من شارل أزنافور وياني، إلى لارا فابيان. سنوات انقضت واللائحة تطول.

خلال أيام الـ1500 الكريمة، استطاعت غالبية أطياف الشعب حضور حفلة لفنانهم المفضل، فسعر بطاقة الدخول كان مقبولاً وضمن قدرات كثيرين. أما اليوم، وبعد زوال النعمة، سيفتقد اللبنانيون كثيراً هذه الحفلات والعروض الفنية، لأنه وفقاً لأبسط الحسابات، فإن أرخص تذكرة سيتجاوز سعرها الحد الأدنى للأجور، كما أن بعض المقاعد الأمامية قد يتجاوز سعر تذكرتها المعاش الشهري لرئيس الجمهورية اللبنانية!

القروض المصرفية

في العصور السابقة، كان القراصنة يركبون السفن ويجوبون البحار، ليسرقوا أموال وممتلكات الآخرين. في لبنان، لبس القراصنة بدلات وأداروا مصارف. حرفياً، قامت المصارف اللبنانية، ومن خلفها المصرف المركزي، بسرقة ممنهجة لأموال المودعين، اللبنانيين وغير اللبنانيين على حد سواء.

في بداية عام 2019، كانت الصحف والمقالات والإعلانات تنتشر في كل مكان وزمان، لمدح وتبجيل إمبراطورية القطاع المصرفي اللبناني، كواحدٍ من أكبر القطاعات المصرفية العربية والدولية، مقارنةً بحجم الاقتصاد الوطني، إذ بلغت الأصول المجمّعة للقطاع أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبنان.

في نهاية 2019، استمرت المصارف في تصدّر العناوين اليومية، لكن هذه المرة كانت تظهر مجموعة من الشبّاب الملثمين يقومون بالهجوم على المصارف وتحطيمها، وإحراق العديد منها، بعدما أمعنت في إذلال المودعين للحصول على القليل القليل من مدّخراتهم، وفق آليات سحب تُشعر صاحب الحق بالإهانة، كأنه يحصل على صدقة لا على ماله الخاص!

خلال السنوات التي سبقت الأزمة، شكّلت القروض المصرفية مادة دسمة للتهكم والسخرية. فإذا كان القرض السكني مفهوماً، وأيضاً قرض السيارة، إلا أن قروض شهر العسل، قروض السفر، قروض عمليات التجميل، وغيرها الكثير من القروض التي كانت تمنحها المصارف، جعلت المواطن اللبناني يعيش في فقاعة وهمية من البحبوحة ومظاهر الثراء.

هذا الوهم الذي عاشه الناس أيام الـ1500 بدأ يتبدد حين صارت السحوبات محدودة، والقروض مرفوضة، والدولارات مغيّبة حتى إشعار آخر. اليوم يعيش اللبناني حياته الطبيعية: إذا توفّر المال في جيبه يشترى ما يحتاجه أو يرغب به، تطبيقاً للمثل الشائع: "ع قد بساطك مدّ إجريك".

الموضة والرفاهية

عُرف لبنان بأنه بلد الموضة والأزياء، عربياً وعالمياً. لمع اسم العديد من المصممين اللبنانيين في أرجاء العالم، كما اشتهر هذا البلد باستقطابه أهم الوكالات العالمية للأزياء والمنتجات. أيام الـ1500 المجيدة، تمتعت معظم طبقات المجتمع بقدرة شرائية جيّدة، فكان من غير المكلِف شهرياً شراء قطعة من الثياب، ذات نوعية جيدة ومن ماركة عالمية.

اليوم، صار سعر حذاء رياضي جيّد يتخطى ضعفي الحد الأدنى للأجور. ونتيجةً لتردي الأوضاع الاقتصادية، وضعف القدرة الشرائية عند كثيرين ممّن كانوا ضمن الطبقة الوسطى، قلّصت الشركات عدد فروعها، ومنها مَن أغلق أبوابه نهائياً.

"سيفتقد اللبنانيون كثيراً الحفلات والعروض الفنية، لأنه وفقاً لأبسط الحسابات، فإن أرخص تذكرة سيتجاوز سعرها الحد الأدنى للأجور، كما أن بعض المقاعد الأمامية قد يتجاوز سعر تذكرتها المعاش الشهري لرئيس الجمهورية اللبنانية!"

هذه التغيّرات لن تكون سهلة نفسياً على اللبناني، وخصوصاً العنصري، الذي كان حتى الأمس القريب يسخر من أزياء وثياب غيره من شعوب البلدان المجاورة.

وكما الحال في الأزياء، كذلك في المطاعم والمؤسسات الخدماتية، من شركات السفر والسياحة، إلى مكاتب التأمين ومعارض السيارات المستعملة وغيرها. جميعها شهدت تراجعاً كبيراً أجبر ما يقارب نصفها على الإغلاق.

انهيار العملة المحلية يُجبر المواطن على إعادة تحديد أولوياته، وإزالة كل ما ليس ضرورياً عن اللائحة، وصياغة نمط حياتي جديد يتماشى مع واقعه. كثيرون من اللبنانيين اعتادوا على السهر كل أسبوع في مطعم، في حانة، أو حتى إقامة سهرة في منزل أحدهم، حيث يقوم بشراء اللحم للشواء، والمكسرات، والمازات اللبنانية الغنية عن التعداد والتعريف. اليوم، إنْ أقدَم أحدهم على هذه المغامرة، فهو بحاجة إلى صرف معاش شهرين من أجل سهرة عابرة، وقد يندم عليها طوال الشهر.

أما السياحة في الخارج فموضوع مختلف تماماً. كان السفر في متناول فئات غير قليلة من الطبقة الوسطى، إلى درجة أن البعض كان يخصص شهرياً يومين أو ثلاثة للسفر إلى بلد جديد. وبما أن الليرة اللبنانية الآن صارت غير سارية المفعول خارج لبنان (ولا حتى داخله أحياناً)، فإن السياحة الداخلية هي البديل، لذا سيبدأ اللبنانيون باكتشاف تراث ومزايا بلدهم الطبيعية، بعد أن صرفوا ملايين الدولارات على السياحة الخارجية.

القطاع العقاري والسياحة

مَن يزور المناطق الجبلية اللبنانية، يلاحظ أن معظم القصور خالية من سكانها، ذلك أن أصحابها هم من أبناء الدول العربية الشقيقة، أو من الأوروبيين. لبنان سابقاً كان المصيف الأول لأهل الخليج والجوار، قبل أن تبدأ الإمارات وغيرها من دول المنطقة بالانفتاح والازدهار.

وتشجيعاً للشباب على الاستقرار في بلدهم، قامت الدولة اللبنانية بتيسير قروض الإسكان، وتقديم الكثير من التسهيلات. كما أن المغترب اللبناني، الذي يسافر للعمل لبضعة سنوات في الخليج أو إفريقيا، كان بعد فترة وجيزة يرسل المال لشراء شقة، تطبيقاً للقول الشائع: "نيال اللي عندو مربط عنزة بلبنان".

ما عجز عنه المستبّد الخارجي أنجره بتفوّق المستبدّ الداخلي. فعلاً قد يتفوق التلميذ على معلّمه أحياناً

أيام الـ1500 العظيمة، ازدهر القطاع العمراني، وانتشرت الإعلانات والدعايات لتحفيز الناس على اقتناء شقة، ومَن لديه شقة يشجعونه على شراء شقة ثانية، وتأجيرها. ففكرة استثمار المال في الشقق والعقارات كانت ضماناً وأماناً. حتى أن مَن يرغب بشراء "فيلّا"، فإن التقسيط أيضاً كان متاحاً، وبأسعار مدروسة. حالياً، الشاب الذين يفكّرون بشراء شقة صغيرة، يحتاجون، بأبسط الحسابات، إلى تقسيط ثمنها على أكثر من 120 سنة، هذا إنْ لم نحتسب الفوائد. وهكذا يصير تقسيط الشقة إرثاً تتعاقب عليه الأجيال.

الكورونا والاحتلال

لأسباب مجهولة، أيام الـ1500 المباركة كانت خالية من كورونا. كان فيها من الطهر والنقاوة ما أخّر ظهور الفيروس إلى ما بعد رحيلها. خلال تلك الفترة، ظهر جنون البقر، السارس، H1N1، وغيرها الكثير من الأمراض المميتة، إلا أن مناعة الـ1500 قاومت الفيروسات والبكتيريا الضّارة، وحصّنت الشعب اللبناني من الأمراض.

وخلال أيام نعيم الـ1500، خرج الاحتلالين الإسرائيلي والسوري، وعاش لبنان فترة من الانتصارات والإنجازات، بعضها واقعي وكثير منها وهمي، إلا أنه في النهاية لم تستطع البلاد احتمال طغيان وفساد بعض الأشخاص: تكاثروا عليها حتى أسقطوها أرضاً بالضربة القاضية، هي التي قاومت الجنود الظالمين، من الإسرائيليين والأسديين. ما عجز عنه المستبّد الخارجي أنجره بتفوّق المستبدّ الداخلي. فعلاً قد يتفوق التلميذ على معلّمه أحياناً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard