لا يسعنا سوى الانتظار والبحث عن دولة نهاجر إليها

الأربعاء 2 سبتمبر 202011:52 ص

بيروت. الاسم يُرجَّحُ اشتقاقه من "بئروت"، أي جمع بئر باللغة العبرية، إذاً يدلّ على الخير والوفرة. لكن في الحقيقة، لم ترَ بيروت الخير إلا في ما ندر. كأن لعنة الأسماء تلاحق هذه المدينة.

قد يكون هذا البئر أشد ظلمة من بئر "يوسف". كلما تخمّرت أحلام ساكنيه ازدادوا بؤساً. بعد انفجار المرفأ، في الرابع من آب/ أغسطس، وما خلّفه من دمار هائل، غاص الوطن أكثر في المجهول. ماذا ينتظرنا بعد عام؟ أين سنكون في آب 2021؟ هل يحق لنا أن نحلم بالأمل؟

في كتاب "الجين الأناني"، يقول ريتشارد دوكنز إن "المعاناة البشرية نشأت لأن الكثيرين منّا لا يدركون أن الكلمات مجرد أدوات نستخدمها، وأن مجرد وجود كلمة في المعجم لا يعني بالضرورة وجوب أن تعني شيئاً في العالم الحقيقي".

هل "الحياد"، "الأمل"، "الكرامة"، "السيادة"... كلها كلمات مصفوفة ومنمقة، لكنها لا تجد مخرجاً من الكتب والمقالات نحو العالم الواقعي. في بلد يجتمع أضداده ليقامروا بدماء الشعب، ضاعت التعريفات.

لم نعد نميّز العدو من الصديق. لسنا في حالة حرب ولا في بحبوحة سلم. الحرب نزهة في بلاد الأرز، إذا ما انتهت جلس الجميع ليحصدوا في السياسة ما دفعه مناصروهم بالدماء. تحصل على مقاعد نيابية وحصص وزارية بقدر ما قدّمتَ من خِرافك للغول. آخر مَن عمّر بيروت قُتِلَ فيها، وآخر مَن دمّر بيروت، على الأرجح، يعيش فيها أو في ضواحيها.

الحاجة إلى أمّ

كان البشر بحاجة إلى آلهة، فاخترعوها. وبعد غربلتهم رسى الأمر على إله واحد. ثم اخترعوا الأنبياء، وحين انتهوا منهم برز الأوصياء والآباء، فبعد أن كان للفقراء ربٌّ، ظهر الدور الأبوي، "أبو الفقراء"، "أبو الأيتام"، "الأب الروحي"...

هؤلاء مرّوا كلّهم على بيروت، ولم يستطيعوا إيجاد حل جذري يجنب هذه المسكينة الكوارث والمجازر. ربما لا تحتاج بيروت أباً لفقرائها، أو مُلهماً لكرامتها وشرفها. هي تحتاج أمّاً الآن أكثر من أي وقت مضى، أمّاً تحنّ عليها وعلى أبنائها، تعطف على المتشردين اليوم فيها، وعددهم اليوم يقارب الـ300 ألف شخص، أي أكثر من عدد سكان بعض الدول في العالم.

قلّما نسمع عبر التاريخ عن "قاتلة"، "مجرمة"، "سفاحة"... هذه الصفات تذهب بخيالنا إلى أشخاص معظمهم ذكور. قادة الحرب وزعماء الطوائف كلهم رجال. اقتتلوا سابقاً في بيروت، واليوم يقتلون أهلها.

"ربما لا تحتاج بيروت أباً... هي تحتاج أمّاً الآن أكثر من أي وقت مضى... قلّما نسمع عبر التاريخ عن ‘قاتلة’، ‘مجرمة’، ‘سفاحة’... هذه الصفات تذهب بخيالنا إلى أشخاص معظمهم ذكور. قادة الحرب وزعماء الطوائف كلهم رجال. اقتتلوا سابقاً في بيروت، واليوم يقتلون أهلها"

أفرزت الأزمة التي نعيشها طبقة جديدة في المجتمع. برزت من تحت الأنقاض لتصنع تحوّلاً في تركيبة المجتمع الاقتصادية. إنها طبقة "الفريش ماني" (Fresh Money). مَن كان في السابق يتقاضى 600 دولار أمريكي مثلاً، بالعملة الأجنبية، لم تكن تكفيه ليكون ضمن الطبقة الوسطى، صمام الأمان في المجتمعات، تخطى دخله اليوم راتب كبار الموظفين، من قضاة وأساتذة جامعات وعمداء في الجيش، بسبب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية والفارق الكبير بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف الحرّ.

هذا الموظف سيبقى في لبنان طالما بمقدور شركته أو حزبه تأمين أجره بالدولار الأمريكي. الآخرون سيبقون لعدم تمكنهم من الهجرة. طبعاً لن ننسى مجموعة الأغبياء الذين سيبقون للدفاع عن مؤخرة زعيمهم من الأذى والحسد، أو لحماية وطن يؤمنون بوجوده وكيانه.

التغيّرات السريعة لم تتبلور تأثيراتها إلى الآن. ربما بعد عام تصبح الصورة أوضح. اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يبدأ تقريباً بعد ستة أشهر من التعرض للصدمة. والصدمات تتداخل بطريقة كارثية في لبنان.

الصدمة الأولى اقتصادية، انفجرت في 17 تشرين الأول/ أكتوبر وما زلنا فيها: تضخّم كبير في الأسعار وازدياد معدلات البطالة والفقر وانقطاع مفاجئ لمواد أساسية كالبنزين والمازوت وتفلت سعر صرف الدولار... هذه الصدمة لا نستطيع القول إننا تخطينا المرحلة المتوسطة في استيعابها، إذاً مرحلة ما بعد الصدمة لم تبدأ بعد.

"هكذا نحن في لبنان. لم نحسن إدارة وطننا فصودر. لا يقين حول المستقبل. كل الاحتمالات واردة، وكلها غير مبشّرة بأيام مستقرة وآمنة. لا يسعنا سوى الانتظار، الصلاة، التأمل، الحلم، والبحث عن دولة نهاجر إليها ليعيش أطفالنا بعيداً عن هذه الحفرة"

الصدمة الثانية صحية. فجأة وجدنا أنفسنا أمام فيروس كورونا، يرانا ولا نراه، يقتلنا ولم نجد وسيلة إلى يومنا هذا للتخلص منه ومواجهته. ترافقت الصدمة الصحيّة مع الأزمات الاقتصادية، فكان التداخل قاسياً جداً.

وحين وصلنا إلى الصدمة الأقوى، انفجار مرفأ بيروت، بلغنا القمة، صدمة إنسانية، اقتصادية، صحية، حضارية... صدمة على مستوى المنطق. مدينة تعجّ بالحياة رغم قساوة الظروف، تتغير ملامحها خلال ثوانٍ، وكأنما دخلنا بوابة زمنية، كما في مسلسل Dark، وخرجنا لنرى بيروت بعد 33 سنة كيف أنهكها الفساد والصراع على الشرعية والسلطة.

ربما من الضروري في الفترة القادمة إقامة جلسات علاج فردية وجماعية لسكان هذه المنطقة المنكوبة، على سبيل المثال لا الحصر. التجربة النروجية في 2011 كانت ناجحة للتخفيف من اضطرابات ما بعد الصدمة.

بعد عام، قد تصبح اللحوم الحمراء والدجاج مثل "الكافيار"، للأغنياء فقط، المدارس الخاصة ستصير نادرة جداً، النوادي الرياضية، المطاعم، الفنادق والمنتجعات، السفر بهدف السياحة... كل هذا سيصبح في قائمة الأحلام الوردية.

قد يصبح لبنان دولة فاشلة تعجّ بالحروب الصغيرة المتنقلة أو ربما يعود الاستعمار الأجنبي بصورة أنعم، فتتقاسم الدول مرافق لبنان الحيوية: مطاره، مرافئه، مصادر الطاقة والمياه، قطاع الاتصالات...

هكذا نحن. لم نحسن إدارة وطننا فصودر. لا يقين حول المستقبل. كل الاحتمالات واردة، وكلها غير مبشّرة بأيام مستقرة وآمنة. لا يسعنا سوى الانتظار، الصلاة، التأمل، الحلم، والبحث عن دولة نهاجر إليها ليعيش أطفالنا بعيداً عن هذه الحفرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard